صدى الشتات – خاص
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار الملايين حول العالم إلى مباريات كأس العالم وما تحمله من لحظات حماس وفرح وانتصارات تستمر المأساة الإنسانية في غزة وتداعيات الحرب في لبنان بعيداً عن الواجهة الإعلامية التي احتلتها لأشهر طويلة..
فعلى الشاشات تتصدر أهداف اللحظات الأخيرة واحتفالات الجماهير ونقاشات المدربين ومنصات التواصل الاجتماعي، أما في غزة فما زالت فرق الإسعاف والدفاع المدني تبحث بين الركام عن ضحايا ومفقودين بينما يعيش مئات الآلاف تحت وطأة النزوح والجوع وانعدام الأمن.. وفي جنوب لبنان، ورغم تراجع وتيرة القصف مقارنة بالأشهر السابقة لا تزال آثار الحرب حاضرة في القرى الحدودية وما زال آلاف السكان عاجزين عن استعادة حياتهم الطبيعية بشكل كامل.
ليس الهدف من هذه المقارنة التقليل من أهمية الرياضة أو حق الشعوب في الفرح بل طرح سؤال يبدو أكثر إلحاحاً مع مرور الوقت كيف يمكن لحرب بهذا الحجم من الخسائر الإنسانية أن تتراجع تدريجياً من دائرة الاهتمام العالمي بينما تستمر معاناة المدنيين يوماً بعد يوم؟
غزة.. الحرب مستمرة ولو غابت عن العناوين
منذ اندلاع الحرب تحولت غزة إلى واحدة من أكثر مناطق العالم تضرراً على المستويين الإنساني والعمراني،
ووفق أحدث تقارير وكالة الأونروا الصادرة في حزيران/يونيو 2026 بلغ عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا منذ بدء الحرب نحو 72,980 شخصاً، فيما تجاوز عدد الجرحى 173 ألفاً.. وبينما تعكس هذه الأرقام حجم الكارثة، فإنها لا تروي سوى جزء من القصة إذ لا تزال آلاف العائلات تعيش بين أنقاض منازلها أو في مراكز إيواء مؤقتة فيما يُعتقد أن آلاف المفقودين ما زالوا تحت الركام في مناطق يصعب الوصول إليها.
ومع استمرار العمليات العسكرية لم تعد المأساة مقتصرة على القصف والقتل فقط، بل بالنقص الحاد في الغذاء والمياه والخدمات الصحية كالحصول على المياه النظيفة وتأمين الغذاء مهمة شاقة، فيما تحولت الخيام ومراكز الإيواء إلى واقع طويل الأمد لمئات الآلاف من الفلسطينيين.
ورغم أن هذه الوقائع تتكرر يومياً، فإن حضورها الإعلامي لم يعد بالقوة نفسها التي شهدها العالم في الأشهر الأولى للحرب لتفسح المجال أمام أحداث أخرى أكثر قدرة على جذب اهتمام الجمهور العالمي.
لبنان.. هدوء نسبي لا يعني نهاية الحرب
على الجانب اللبناني، شهدت الأيام الأخيرة تراجعاً نسبياً في وتيرة التصعيد العسكري مقارنة بالفترات السابقة إلا أن ذلك لا يعني أن الحرب أصبحت جزءاً من الماضي فهي مستمرة حتى رغم اقتراب توقيع الاتفاق الإيراني الأمريكي.
فإسرائيل ما زالت تحتفظ بمواقع داخل أراضٍ لبنانية فيما تتواصل الخروقات والغارات المتفرقة ويستمر التوتر الأمني في المناطق الحدودية، كما أن آثار الدمار التي خلفتها الحرب لا تزال واضحة في عدد كبير من القرى الجنوبية التي تعرضت منازلها وبناها التحتية وأراضيها الزراعية لأضرار جسيمة.
أما بالنسبة للسكان الذين اضطروا إلى النزوح خلال الأشهر الماضية، لم تتحول العودة إلى المنازل بعد إلى حقيقة كاملة، فكثير من العائلات عادت لتجد منازلها مدمرة أو غير صالحة للسكن، فيما لا يزال آخرون ينتظرون تحسن الظروف الأمنية قبل اتخاذ قرار العودة.. ففي القرى الحدودية، لا يقاس الهدوء بعدد الغارات فقط بل بقدرة الناس على استعادة حياتهم الطبيعية، وحتى اليوم لا يزال هذا الهدف بعيد المنال بالنسبة لكثير من اللبنانيين الذين وجدوا أنفسهم وسط حرب لم يختاروها.
ولم يكن الفلسطينيون في مخيمات جنوب لبنان بعيدين عن تداعيات الحرب الأخيرة. ففي مخيمات الجنوب وجد آلاف اللاجئين الفلسطينيين أنفسهم أمام موجة نزوح جديدة، ومئات العائلات قدمت أبناءها شهداء بفعل الغارات الإسرائيلية التي استهدفت المخيمات ومحيطها، وبالنسبة لهؤلاء لم تكن الحرب مجرد حدث أمني جديد بل امتداداً لمسار طويل من اللجوء وعدم الاستقرار فالكثير من العائلات التي غادرت المخيمات خلال الأشهر الماضية تحمل في ذاكرتها تجربة التهجير الأولى من فلسطين لتجد نفسها بعد عقود أمام تجربة نزوح جديدة داخل بلد اللجوء نفسه..
عندما تصبح المأساة خبراً عادياً و”المونديال” أولوية
واحدة من أخطر الظواهر التي ترافق الحروب الطويلة هي ما يعرف في الدراسات الإعلامية بـ”الإرهاق الإخباري”، فمع مرور الوقت يفقد الحدث قدرته على إثارة الاهتمام بالزخم نفسه حتى لو استمرت الخسائر البشرية والإنسانية بالارتفاع.. والأمر لا يتعلق فقط بقرارات غرف الأخبار بل أيضاً بطبيعة الجمهور الذي يبحث باستمرار عن أحداث جديدة ومختلفة وهنا تتفوق البطولات الرياضية والأحداث الترفيهية الكبرى لأنها تقدم محتوى متجدداً وسريعاً وقادراً على جذب التفاعل والمشاهدات.
وفي المقابل تبدو الحروب الممتدة وكأنها قصة واحدة تتكرر يومياً رغم أن الواقع على الأرض يشهد تغيرات ومآسي جديدة في كل لحظة وهكذا يصبح مشهد احتفال جماهيري في أحد الملاعب العالمية قادراً على الوصول إلى مئات الملايين خلال دقائق بينما قد تمر أخبار سقوط ضحايا جدد أو تدمير منازل إضافية في غزة أو جنوب لبنان دون الاهتمام نفسه.
عندما تسرق صافرة البداية الأضواء من أصوات الحرب
مع انطلاق مباريات كأس العالم تحولت منصات التواصل الاجتماعي والشاشات العالمية إلى ساحة مفتوحة للنقاشات الرياضية والتحليلات والاحتفالات وتصدرت أهداف المباريات ونتائج المنتخبات قوائم البحث والتفاعل فيما تراجعت أخبار غزة وجنوب لبنان تدريجياً إلى الصفحات الداخلية ونشرات الأخبار المتأخرة.
لا يتعلق الأمر بمنافسة بين كرة القدم ومعاناة الشعوب فالملايين حول العالم يجدون في الرياضة مساحة نادرة للفرح والهروب من ضغوط الحياة لكن المفارقة المؤلمة أن الحروب لا تتوقف عندما تبدأ المباريات ولا تتجمد المآسي الإنسانية بانتظار انتهاء البطولة.
ففي اللحظة نفسها التي يهتف فيها عشرات الآلاف داخل الملاعب احتفالاً بهدف حاسم هناك عائلات في غزة تنتظر وصول شاحنة مساعدات وأخرى تبحث عن مفقودين تحت الركام.. وفي جنوب لبنان ما زالت عائلات فلسطينية ولبنانية تعيش آثار النزوح والدمار..
وربما لا تكمن المشكلة في أن العالم يتابع المونديال بل في أن الحروب الممتدة أصبحت تحتاج إلى كارثة جديدة كل يوم كي تستعيد اهتمامه.. فكلما طال أمد المأساة تراجع حضورها في الوعي العالمي حتى لو استمر سقوط الشهداء والجرحى وبقيت آثار الحرب حاضرة في حياة الناس.
وبين صخب المدرجات وصمت الأنقاض، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: كم هدفاً يحتاج العالم ليتابعه وكم شهيداً يحتاج ليتذكر أن الحرب لم تنتهِ بعد؟