تحليل سياسي _صدى الشتات
الإصرار الإيراني على تضمين لبنان في البند الأول لمذكرة التفاهم كان واضحاً، ولم ترض بأن يكون ملتبساً حين التحدث عن الحلفاء، بل أرادت أن يكون بارزاً لا يحمل أي لبس أو تأويل، فجاء النص “بما يشمل لبنان”. كما أن الكيان الصهيوني كان أيضاً حريصاً على فك الارتباط بين إيران ولبنان، فحاول ذلك في 2024، وحرب 2025، وخلال الحرب الأخيرة، بل ويعتبره أمراً مصيرياً بالنسبة لأمن ومستقبل كيانه. وقد اعتبر نفسه قد نجح في هذا الأمر منذ الثامن من نيسان، حين استمر بعدوانه على لبنان رغم وقف إطلاق النار الهش على الجبهة الإيرانية، إلا أنْ فاجأه ترامب بمذكرة التفاهم مع إيران.
هذا الإصرار من الطرفين قد يبدو غريباً، لكن تزول غرابته مع الغوص في الأسباب. بالنسبة لإيران، فإن حزب الله دخل الحرب بعد اغتيال المرشد مباشرة، أي من الناحية السياسية والأخلاقية والدينية لا يمكن التخلي عنه، وهذا ليس رأي الحكومة الإيرانية أو المرشد أو الحرس فقط، بل إن قطاعاً واسعاً من الشعب الإيراني أعلن رفضه مراراً أي اتفاق لا يشمل حزب الله.
حزب الله هو درة التاج في النفوذ الإيراني بالمنطقة، والنجاح الأكبر للجمهورية الإسلامية خارج إيران، ورغم كل ما يُقال عن الساحات الأخرى إلا أن حزب الله يبقى الأقوى والأبرز بين كل حلفاء طهران خارج فلسطين على الأقل. فمنذ 28 شباط، تاريخ بدء العدوان على إيران، حزب الله الاسم الأكثر تكراراً بين كل حلفاء إيران، أي الأكثر فعالية خلال هذه الفترة. وإن التخلي عن حزب الله بموقعه ومركزيته بالنسبة لإيران يبعث برسالة إلى كل حلفائها بأن تحالفهم بها غير موثوق، وبالتالي ستكون نهاية تحالفات إيران في المنطقة، ونهاية نفوذها.
وعطفاً على ذلك، فإن فك الارتباط مع لبنان، لو تم كما تمنى الكيان، سيصاحبه تغيير عميق في أصل فكرة قيام الثورة الإيرانية، وجوهر فلسفتها القائمة على مدّ العون للمستضعفين كما تردد طهران منذ عام 1979، وهذا سيولّد انقساماً ربما يهدد بنية النظام نفسه.
بالنسبة للكيان الصهيوني، فهو يدرك المعاني أعلاه، ويرى أن فك الارتباط بين ساحتي لبنان وإيران، تعني ضرب فكرة “وحدة الساحات” ضربة قاضية، بما يؤدي إلى انهيار حلفاء إيران، والاستفراد بقوى المقاومة في فلسطين، وفتح الباب مجدداً نحو مسار تغيير النظام في إيران.
أما بقاء التحالف العضوي قائماً بين إيران وحزب الله، فهذا يجعل أمن الكيان تحت التهديد الدائم، ويحفّز حلفاء إيران في المنطقة، وسوف تكون قوى المقاومة أكثر جرأة على القتال ضد (إسرائيل). والإبقاء على هذا التحالف يعني أملاً إضافياً لطهران بترميم ما خسرته من نفوذ عام 2024.
لذا، ليس من المبالغة القول إن قضية التحالف بين إيران وحزب الله من عدمها، هي جوهر الصراع اليوم، وهي ربما أهم بالنسبة للجمهورية الإسلامية و(إسرائيل) من تفكيك المفاعل النووي في إيران نفسها.