| |

أسامة كايد وعمر والي.. شهيدان التقيا على طريق المقاومة

خاص صدى الشتات

بين مقاعد الجامعة ومجالس القرآن وتفاصيل الحياة اليومية التي عاشاها كأي شابين في مقتبل العمر، اختار أسامة محمد كايد وعمر عز الدين والي أن يكونا حيث اعتقدا أن الواجب يناديهما.. لم يكونا مجرد اسمين في بيان نعي جديد بل وجهين من وجوه جيل فلسطيني ولبناني نشأ على وقع الحروب والاعتداءات الإسرائيلية وحمل قناعته بأن الدفاع عن الأرض والكرامة ليس شعاراً بل موقفاً ومسؤولية.

ومع استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان ارتقى الشابان شهيدين لتلتقي سيرتاهما عند محطة واحدة؛ محطة التضحية التي طالما سلكها أبناء فلسطين ولبنان في مواجهة الاحتلال.. من لوبية المهجّرة إلى مخيم الجليل ومن البقاع إلى بعلبك يروي الشهيدان فصلاً جديداً من حكاية شعبين جمعتهما الجغرافيا حيناً وجمعهما الدم والمصير أكثر من مرة.

أسامة لاجئ حمل حكاية لوبية حتى اللحظة الأخيرة

ينحدر الشهيد أسامة محمد كايد من عائلة فلسطينية هجّرت من قرية لوبية في قضاء طبريا إحدى القرى التي اقتُلع أهلها خلال نكبة عام 1948 لكنها بقيت حاضرة في ذاكرة أبنائها وأحفادهم.. وُلد أسامة عام 2001 في لبنان وكبر كما كبر أبناء جيله من اللاجئين الفلسطينيين بين واقع اللجوء وأحلام المستقبل، وأنهى دراسته الجامعية وبدأ يرسم خطواته الأولى نحو حياة كان يتطلع إلى بنائها قبل أن يقطع العدوان الإسرائيلي تلك الرحلة وهو في مقتبل العمر.

ويقول مقربون منه لـ”صدى الشتات” إنه عُرف بتمسكه بهويته الفلسطينية وبحضوره بين أبناء مجتمعه حيث لم تكن فلسطين بالنسبة له مجرد إرث عائلي أو حكاية يرويها الكبار بل جزءاً أصيلاً من وعيه وتكوينه الشخصي.. لم يتزوج أسامة ولم تتح له الفرصة ليبدأ الفصول الكبرى من حياته لكنه بقي وفياً للحكاية التي ورثها عن عائلته كما ورثها آلاف أبناء اللاجئين الفلسطينيين؛ حكاية وطنٍ غاب عن العين ولم يغب عن الوجدان.

وفي جنوب لبنان، حيث تتقاطع الجغرافيا اللبنانية مع القضية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، ارتقى أسامة شهيداً خلال المعارك الدائرة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي لينضم إلى قافلة طويلة من أبناء فلسطين الذين حملوا اسم وطنهم في المنافي وختموا سيرتهم على طريق الدفاع عنه.

عمر… ممرضٌ يحفظ القرآن ويخدم الناس

أما الشهيد عمر عز الدين والي فولد عام 2002 لأب لبناني وأم فلسطينية، ونشأ في مخيم الجليل بمدينة بعلبك حيث تشكل وعيه الأول بين حكايات اللجوء والانتماء وبين مجتمع احتضنه منذ طفولته حتى أصبح واحداً من أبنائه المعروفين.. درس إدارة الأعمال واختار أن يعمل في مهنة التمريض واضعاً نفسه في خدمة الناس واحتياجاتهم اليومية، وإلى جانب عمله كرّس جزءاً من وقته لتحفيظ القرآن الكريم في معهد بلال بن رباح حيث عرفه عشرات الأطفال واليافعين معلماً ومرشداً قبل أن يعرفوه شهيداً.

ويستذكره أبناء المخيم في حديثهم لـ “صدى الشتات” شاباً خلوقاً هادئاً قليل الكلام حاضرًا في ميادين الخير والمبادرات الاجتماعية، لا يبحث عن الأضواء بقدر ما كان يبحث عن الأثر الذي يتركه بين الناس، لذلك لم يكن مستغرباً أن يتحول خبر استشهاده إلى حديث المخيم بأكمله وأن يتردد اسمه في البيوت والمساجد وبين أصدقائه وطلابه الذين عرفوا فيه نموذجاً للشاب الملتزم بقيمه ومجتمعه.

وبينما اختار في حياته أن يكون قريباً من الناس اختار أيضاً أن يكون حيث رأى أن الواجب يناديه في جنوب لبنان حيث ارتقى عمر شهيداً خلال المعارك مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، ليختتم مسيرة قصيرة في عمرها كبيرة في أثرها، تاركاً خلفه سيرة يختلط فيها العطاء بالإيمان والانتماء وتبقى حاضرة في ذاكرة كل من عرفه.

دربٌ عبّدته التضحيات

لم يكن أسامة كايد وعمر والي يبحثان عن أن تتحول أسماؤهما إلى عناوين، فكان لكل منهما حياته التي بدأ بتشييدها على طريقته؛ جامعة وأحلام مؤجلة عند أسامة وتمريض وطلاب قرآن ينتظرونه عند عمر.. لكن الحرب التي قطعت تلك التفاصيل الصغيرة هي نفسها التي وضعت الشابين في المكان ذاته وعلى الطريق ذاته..

واليوم، بينما يستعد أهالي تعلبايا ومخيم الجليل لوداعهما يبقى ما وراء خبر الاستشهاد أكبر من مجرد فقدان شابين في مقتبل العمر.. يبقى جيل كامل يثبت مرة أخرى أن القضية التي ورثها عن آبائه لم تبقَ حكاية تُروى بل مسؤولية يحملها وخياراً يدفع ثمنه حين تحين لحظة الاختبار.

وفي جنوب لبنان  حيث ما تزال المواجهة مفتوحة مع الاحتلال ارتقى أسامة كايد وعمر والي خلال المعارك مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، وبينما أراد العدو أن يضيف اسمين جديدين إلى قوائم الشهداء أضاف الشهيدان بدمائهما صفحة جديدة إلى سجل المقاومة مؤكدين أن الطريق الذي شقه الشهداء من قبلهم ما زال يجد من يحمله، وأن معركة الدفاع عن الأرض والكرامة لا تزال تُكتب بأسماء رجالها جيلاً بعد جيل.

موضوعات ذات صلة