| |

بعد الحرب.. مخيم البرج الشمالي يحاول استعادة إيقاع الحياة

مصطفى الحسين / صدى الشتات

بعد أشهر طويلة من التوتر والخوف وتعطل الأعمال، بدأت ملامح الحياة تعود تدريجيًا إلى المخيمات والتجمعات الفلسطينية في منطقة صور جنوب لبنان، مع تراجع حدة التصعيد وعودة السكان إلى تفاصيل حياتهم اليومية.

ورغم أن آثار الحرب ما زالت حاضرة في وجوه الناس وأحاديثهم، فإن الشوارع والأسواق وورش العمل بدأت تستعيد شيئًا من حركتها، في مشهد يختلط فيه الأمل بالحذر.

نزوح واسع وعودة تدريجية

ويُعد مخيم البرج الشمالي من أكبر المخيمات الفلسطينية في منطقة صور، ويقطنه نحو 20 ألف لاجئ فلسطيني وفق إحصاءات محلية.

وخلال أشهر الحرب، شهد المخيم موجات نزوح واسعة طالت نحو 20% من العائلات، حيث اضطرت قرابة 400 عائلة إلى مغادرة منازلها واللجوء إلى مراكز الإيواء أو الإقامة لدى الأقارب في مناطق أكثر أمانًا داخل مدينة صور وخارجها.

ومع وقف إطلاق النار وتحسن الأوضاع الأمنية، بدأت العائلات بالعودة تدريجيًا إلى المخيم، ولم يتبقَ حتى اليوم سوى نحو 150 عائلة خارج منازلها، فيما استعادت الأحياء والأسواق جزءًا من حركتها المعتادة.

وفي المقابل، استقبل المخيم خلال فترة الحرب نحو 250 عائلة لبنانية نازحة من القرى والبلدات الجنوبية، في مشهد عكس حالة التضامن والتكافل بين اللاجئين الفلسطينيين وأبناء المناطق المتضررة من الحرب.

عودة تدريجية للعمل

خلال فترة الحرب، اضطر كثير من العمال وأصحاب المهن إلى التوقف عن أعمالهم أو تقليصها بشكل كبير بسبب الظروف الأمنية وتراجع الحركة الاقتصادية في المنطقة.

اليوم، بدأ عدد من هؤلاء بالعودة تدريجيًا إلى أعمالهم، في محاولة لتعويض جزء من الخسائر التي تكبدوها خلال الأشهر الماضية.

ويقول عدد من العمال إن الأشهر السابقة كانت من الأصعب عليهم اقتصاديًا، إذ تراجعت فرص العمل إلى حد كبير، فيما تراكمت الالتزامات المعيشية على العائلات.

ورغم أن الحركة لم تعد إلى مستوياتها الطبيعية بعد، إلا أن تحسن الأوضاع الأمنية أعاد جزءًا من النشاط إلى الأسواق والورش والمحال التجارية.

الشوارع تستعيد حركتها

في أزقة المخيم وشوارعه، تبدو ملامح الحياة أكثر حضورًا مقارنة بالأشهر الماضية.

الأطفال عادوا إلى اللعب في المساحات المتاحة، والمحال التجارية فتحت أبوابها من جديد، فيما عادت الحركة تدريجيًا إلى الأسواق الشعبية والمقاهي وورش العمل.

ويقول السكان إن مجرد القدرة على ممارسة تفاصيل الحياة اليومية دون خوف دائم من القصف أو النزوح يشكل بحد ذاته خطوة مهمة نحو التعافي.

آثار الحرب ما زالت حاضرة

لكن عودة الحياة لا تعني أن آثار الحرب انتهت.

فالعديد من العائلات ما زالت تعاني من الأعباء الاقتصادية التي خلفتها الأشهر الماضية، كما أن بعض أصحاب المهن لم يتمكنوا بعد من استعادة أعمالهم بشكل كامل.

إلى جانب ذلك، ما زالت آثار الدمار والأضرار التي خلفتها الحرب حاضرة في محيط المخيم وفي ذاكرة سكانه، فيما تبقى المخاوف قائمة من أي تصعيد جديد قد يعيد المشهد إلى نقطة الصفر.

ويؤكد الأهالي أن الاستقرار الحقيقي لا يرتبط فقط بوقف الحرب، بل بعودة فرص العمل وتحسن الظروف المعيشية وتأمين مقومات الحياة الكريمة.

أمل حذر

ورغم كل التحديات، يسود بين كثير من سكان المخيم شعور بأن المرحلة الحالية تمثل فرصة لالتقاط الأنفاس بعد فترة طويلة من الضغوط.

فالأسر التي عاشت تجربة النزوح تتطلع إلى الاستقرار، وأصحاب الأعمال يأملون بعودة الحركة الاقتصادية، فيما يتطلع الشباب إلى استئناف الأنشطة الرياضية والاجتماعية التي تأثرت بالحرب.

في مخيم البرج الشمالي، لا تبدو العودة إلى الحياة حدثًا مفاجئًا أو كاملًا، بل مسارًا تدريجيًا يتشكل يومًا بعد يوم. وبين آثار الحرب ومحاولات التعافي، يواصل الناس تمسكهم بالأمل، ساعين إلى استعادة إيقاع حياتهم الطبيعية بعد مرحلة تركت بصماتها على الجميع.

موضوعات ذات صلة