لأول مرة منذ 1948: الفلسطينيون في لبنان يتهددهم الجوع

الكاتبأحمد الحاج علي

حدث غير مألوف في مخيم برج البراجنة، شبان يجمعون تبرعات عبر مجموعات الواتسأب الخاصة بالمخيم، بهدف تأمين طعام لأسرة فلسطينية مهدّدة بالجوع. الحدث غير فريد، فقد تكررّ في عدد من المخيمات الفلسطينية بلبنان خلال الشهرين الماضيين، لكنّه يبدو غريباً عن الواقع الفلسطيني، فهو يحدث لأول مرة منذ لجوء الفلسطينيين إلى لبنان عام 1948، باستثناء بعض مراحل الحروب القاهرة التي استهدفت مخيماتهم، فتهديد الجوع لبعض مجتمعاتهم لأسباب اقتصادية أمرٌ لم يختبروه من قبل.

وضع اجتماعي بائس

اعتادت فاطمة العلي في مخيم شاتيلا أن تتلقى شهرياً 228 دولاراً من مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى، بعد أن فقدت أخاً لها خلال الحرب الأهلية في لبنان، لكنّها خلال سبعة أشهر مضت، لم تتلقّ سوى بدلٍ عن شهرين، ما أوقعها تحت عجز مالي اضطرها للاستدانة. حالة فاطمة وغيرها تُفسر خروج مظاهرات في مخيمات البداوي وعين الحلوة وبرج البراجنة احتجاجاً على تأخر هذه المساعدات.

ويعود إنشاء هذه المؤسسة، التي تتبع منظمة التحرير الفلسطينية، إلى عام 1965، ويبلغ عدد متلقي المساعدات منها ما يقارب 5000 شخص ما بين فلسطيني ولبناني، وانقطاع هذه المعونة يهدد موارد شريحة واسعة، ويترك تأثيراً مباشراً عليها. يُذكر أنه في حال كان والد الشهيد أو والدة الشهيد، أو كلاهما، على قيد الحياة، فإن المعونة الشهرية تقارب 500 دولار.

فاطمة نموذج للحالة الاجتماعية البائسة التي وصلت لها أكثريَّة المجتمع الفلسطيني مع تضرر، أو تراجع، مستوى عدد من المصادر المالية التي تُسهم في الدعم المالي لهذا المجتمع، ومن هذه المصادر: منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل الفلسطينية، وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، التحويلات المالية الفردية، المؤسسات الفلسطينية الكبرى، مؤسسات صغيرة ومتوسطة تتلقى دعماً من مصادر خارج لبنان وتعمل بالمخيمات والتجمعات الفلسطينية، بالإضافة إلى السياح الفلسطينيين.

انقطاع متكرر للرواتب

تُعد حركة فتح والمؤسسات التي تخضع لنفوذها مثل جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني رافداً مالياً أساسياً في المجتمع الفلسطيني، وقد صرّح أمين سر حركة فتح في لبنان سابقاً فتحي أبو العردات عام 2022 لمجلة الدراسات الفلسطينية أنَّ المنظمة ترسل إلى لبنان شهرياً مبالغ تصل إلى عشرة ملايين دولار، بينما ذكر مسؤول فلسطيني كبير في فتح لـ”المدن” أنَّ عدد من يتلقون رواتب من الفلسطينيين في لبنان من حركة فتح بكافة مؤسساتها، يقارب 19 ألفاً مسجلين ضمن كشوفات الحركة.

ومن هنا، يمكن فهم الأثر الاجتماعي الكبير للانقطاع المتكرر للرواتب لعدة أشهر، أو عدم الانتظام في تلقيها، على المخيمات الفلسطينية بشكل خاص، إذ وصلت إلى حدود الاحتجاجات المتكررة للعاملين في مستشفيات الهلال الاحمر الفلسطيني، خصوصاً مستشفى الهمشري في مدينة صيدا.

تراكم الديون

وعدا حوالى عشرين ألف متضرر مباشر من ذلك، فإن المتضررين غير المباشرين من مالكي المتاجر وأصحاب المصالح هم أضعاف الرقم المذكور. فكل متجرٍ في المخيم زاد لديه عدد الدائنين، وتأجلت الكثير من أعمال الصيانة والبناء أو الترميم. وحتى أصحاب المصالح الكبرى، مثل مالكي المولّدات بدأوا يشكون من تأخُّر دفع المشتركين.

وإذا كان فصل حوالي 2000 منتسب لحركة فتح نهاية العام الماضي واستمراره مع بداية العام الجاري، قد جرى ربطه بتصفية نفوذ السفير السابق أشرف دبورة، فإن المخاوف تشير إلى أنَّ عمليات الفصل ربما تتوسع في المرحلة القادمة نتيجة الأزمة المالية التي قال وزير المالية الفلسطيني إسطفان سلامة “إن الحكومة الفلسطينية تدير شؤون البلاد اليوم بما لا يتجاوز 10% من الإيرادات الطبيعية”، ولا بدّ أن تنعكس هذه الأزمة مباشرة على حركة فتح.

تراجع ميزانيات الفصائل

الأهمّ من ذلك أنَّ هناك من يربط ذلك بخطة سياسية أوسع تقوم على إنهاء خدمات الجزء الأكبر من عناصر الحركة، استكمالاً لخطة تسليم السلاح. وأوضح مثال على ذلك ما جرى في مخيمات بيروت قبل ثلاثة أسابيع، من جردة لكل السلاح التابع لفتح، وتسجيل أرقام البنادق. ويذكر مسؤول فتحاوي كبير لـ “المدن” أن ذلك مقدّمة لتسليم السلاح، والإعلان عن حلّ “الأمن الوطني”، وصولاً لتشكيل “الشرطة المجتمعية” بالتعاون مع السلطات اللبنانية. ويجدر التذكير أنه في كانون الأول 1991، قامت الحركة بتسريح 5000 من أعضائها المتفرغين في لبنان، بسبب الأزمة المالية التي كانت تعيشها منظمة التحرير، وإن كانت الأزمة حينها حقيقية، لكن من الصعب عدم ربط الخطوة بالسياق السياسي الذي كان قائماً، وعنوانه التسوية.

تراجع الدعم المالي الفصائلي غير مقتصر على حركة فتح، وإن كان للحركة التأثير الأكبر في هذا الميدان، فالفصائل الفلسطينية الأخرى شهدت ميزانيتها تراجعاً حاداً انعكس على أذرعها الاجتماعية والإعلامية، فأُغلقت وسائل إعلامية، وتوقفت وسائل أخرى عن دفع الرواتب لموظفيها منذ أشهر.

انسحاب الأونروا

الأونروا هي الأخرى انسحبت جزئياً من دعم المجتمع الفلسطيني، وقد قُدّرت ميزانيتها السنوية في لبنان قبل أربع سنوات بـ190 مليون دولار، توزعت ما بين البرامج التي بلغت 100 مليون دولار، فيما بلغت ميزانية المشاريع بما فيها نداءات الطوارئ 90 مليون دولار.

أما اليوم، وإن كانت قيمة الميزانية السنوية غير معلنة، فإن مؤشرات عدّة تؤكد تراجعها، منها تناقص عدد الموظفين من حوالي 3000 قبل سنوات قليلة، إلى ما يقارب الألفين. ووصل مستوى العجز بالميزانية، درجةَ أن تُطلق مديرة الأونروا في لبنان دروثي كلاوس نداءً لجمع 12.3 مليون دولار لإغاثة اللاجئين. وكان واضحاً حجم تراجع الأونروا في المخيمات وفي مراكز النزوح قياساً بفترة عدوان 2024.

بعد العدوان الماضي كان لافتاً للانتباه انسحاب عدد من المؤسسات الكبرى التي كان تعمل داخل المخيمات الفلسطينية. أما قيمة تحويلات الفلسطينيين لذويهم وأقاربهم والمؤسسات الفلسطينية فقد تراجعت بشكل حاد نتيجة عدة عوامل، منها الأزمة الاقتصادية والحرب في الخليج، والتضخم في معظم دول العالم، إضافة إلى أنّ الكثير من المغتربين الفلسطينيين باتوا يُفضلون مساندة غزة. يُضاف إلى ذلك امتناع غالبيتهم عن زيارة لبنان خلال العام الأخير بسبب التوترات الأمنية، وكانت زياراتهم تُعدّ فرصة للمساهمة في الإنعاش الاقتصادي للمخيمات.

يرى الكثير من الفلسطينيين أنَّ الفقر ببعض أسبابه الحالية أداة لابتزاز سياسي مقبل، ويقول هؤلاء إنَّ عودة ظاهرة هجرة الفلسطينيين من لبنان بعد عدوان 2024 ربما تكون في سياق استثمار حالة الفقر المتزايدة في مخيماتهم. فيما يرى آخرون أنَّ اتساع ظاهرة الفقر يأتي في سياق أزمات متراكمة لم تكن هناك خطة لمواجهتها. ويُجمع أنصار كِلا الرأيين أنّه لأول مرة يتهدد الجوع حيواتهم، بما يستوجب أن تكون محاربة الفقر على رأس الأولويات لدى فصائلهم ومؤسساتهم.

موضوعات ذات صلة