فلسطين والمنطقة: بين مشروع الاستعمار وإرادة التحرر والاستقلال

الكاتبخالد بركات

خالد بركات/ خاص صدى الشتات

لم تكن اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 مجرد “تفاهم دبلوماسي” بين قوتين استعماريتين لتقاسم النفوذ في المشرق العربي، بل كانت جريمة سياسية وتاريخية كبرى دشّنت قرنًا كاملًا من التجزئة، والتبعية، والنهب، والاستغلال. فمن رحم تلك الاتفاقية وُلدت حدود مصطنعة مزّقت وحدة المنطقة، وقُسّمت الأرض العربية إلى كيانات منفصلة صُمّمت لخدمة مصالح الإمبراطوريات الاستعمارية لا مصالح شعوبها.

لقد أدركت القوى الاستعمارية مبكرًا أن السيطرة على هذه المنطقة الغنية بثرواتها وموقعها الاستراتيجي لا يمكن أن تستمر إلا عبر منع وحدتها وإضعاف شعوبها وإقامة قاعدة استيطانية استعمارية متقدمة في قلبها. ومن هنا جاء المشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة بوصفه أداة استعمارية وظيفية هدفها حماية المصالح الغربية ومنع نشوء أي مشروع تحرري أو وحدوي قادر على كسر معادلات الهيمنة.

غير أن مشروع التفتيت لم يتوقف عند حدود سايكس بيكو. فما عجزت عنه خرائط الاستعمار القديمة، حاولت قوى الهيمنة الحديثة تحقيقه بأدوات أكثر تدميرًا ووحشية. ومع صعود الولايات المتحدة إلى موقع القوة المهيمنة عالميًا، تحولت المنطقة إلى ساحة مفتوحة للتدخلات العسكرية والضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية والحروب بالوكالة، في إطار مشروع صهيوني متواصل لإخضاع الشعوب ونهب الثروات ومنع أي مسار مستقل للتنمية والاستقلال.

وخلال العقود الأخيرة، تعرضت المنطقة لسلسلة من الحروب والاحتلالات والمؤامرات التي استهدفت تفكيك الدول واستنزاف المجتمعات. من العراق إلى سوريا، ومن ليبيا إلى اليمن، لم يكن الدمار الذي أصاب هذه البلدان مجرد نتيجة لصراعات عابرة، بل جزءًا من مسار طويل يهدف إلى تفتيت مراكز القوة وإغراق الشعوب في دوامات الانقسام والاقتتال والتبعية. وتعمد العدو الأمريكي الصهيوني تأسيس آليات ومسارات للتدمير الذاتي، بحيث تقوم الشعوب بتدمير نفسها وهدر ثرواتها بيدها.

فالدول التي امتلكت جيوشًا قوية أو مشاريع تنموية أو أدوارًا إقليمية مستقلة تعرضت للحصار والاستنزاف، فيما جرى تأجيج النزاعات الطائفية والعرقية والسياسية لتحويل الصراع من مواجهة الاستعمار والهيمنة إلى صراعات داخلية تستنزف طاقات الشعوب وتبدد إمكاناتها. وفي المحصلة، كان المستفيد الأكبر هو المشروع الأمريكي الساعي إلى فرض هيمنته على عموم غرب آسيا.

إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية، المدعومة من منظومة إقليمية وعالمية، على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تأتي في سياق مشروع تدمير الدولة الإسلامية الوحيدة في غرب آسيا التي يمكن وصفها بـ الجمهورية المستقلة. إذ مهما اختلف التقييم للسياسات الإيرانية في المنطقة، سلباً وايجاباُ، فلا يمكن النظر إلى إيران إلا بوصفها جمهورية مستقلة قومية، تقف في موقع المناهض للمشروع الامبريالي الصهيوني في المنطقة، وتملك القدرة على تقديم نموذج استقلالي. وتحتضن قوى المقاومة في اليمن ولبنان والعراق وفلسطين وغيرها.

وما يبدو اليوم من تناقضات بين الولايات المتحدة وبعض القوى الأوروبية، خاصة بعد حرب الإبادة في غزة والحرب على لبنان والجمهورية الإسلامية الإيرانية، فليس سوى انعكاساً لصراع محتدم داخل المنظومة الرأسمالية العالمية على الأسواق والثروات ومناطق النفوذ. فالقوى التي اقتسمت المنطقة بالأمس تتنافس اليوم على إعادة اقتسامها بأشكال جديدة، فيما تسعى الاحتكارات الأمريكية إلى تكريس هيمنتها العالمية وإقصاء منافسيها. وهو صراع لا يقتصر على منطقتنا، بل يمتد إلى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية في إطار معركة عالمية بين الهيمنة والإرادة الوطنية للشعوب.

*فلسطين في قلب المعركة*

وفي قلب هذا المشهد تقف فلسطين، لا كقضية إنسانية رمزية فحسب، بل كقضية تحرر وطني تتصل بقضايا ومستقبل شعوب المنطقة. ففلسطين ليست هامشًا في الصراع، بل مركزه الحقيقي. وهي الساحة التي تتجسد فيها المواجهة بين المشروع الاستعماري الاستيطاني وبين إرادة الشعوب الساعية إلى التحرر والاستقلال. هذه حقيقة مرتبطة بعناصر وثوابت التاريخ والجغرافيا والثقافة، والحضارة، والدين. وحقيقة مرتبطة بالوجود الصهيوني المادي أيضاً. وعليه، فإن تصفية الحقوق الفلسطينية تعني تصفية وجود وحضارة وهوية أمة بكاملها.

ولهذا لم تكن فلسطين يومًا قضية الفلسطينيين وحدهم. فالمعركة على فلسطين كانت دائمًا معركة على حاضر ومستقبل المنطقة بأسرها. وكل محاولة لإخضاع الشعب الفلسطيني تعني السعي لإخضاع الشعوب وإقناعها بأن المقاومة عبث وأن الهيمنة قدر لا يُرد. لكن الشعب الفلسطيني أثبت، جيلاً بعد جيل، منذ ثورة يافا (1921) وهبة البراق (1929) وصولاً إلى عملية طوفان الأقصى المجيدة (2023) أن إرادة التحرر أقوى من المستعمر ومنظومة التطهير العرقي، وبرغم الإبادة والحصار والاقتلاع والتشريد، بقي الشعب الفلسطيني متمسكًا بأرضه وحقوقه وهويته الوطنية، محولًا فلسطين إلى رمز عالمي للصمود والمقاومة والتحرر.

لقد أثبتت التجارب أن الشعوب قد تتراجع، وقد تدفع أثمانًا باهظة، لكنها لا تتخلى عن حقها في التحرر. وما زالت فلسطين، رغم كل محاولات العزل والتصفية، عنوانًا حيًا لمعنى المقاومة، وبوصلةً أخلاقية وسياسية لكل الأحرار. غير أن هذا يفرض على حركة التحرر الفلسطينية أن تتجاوز مواطن ضعفها وتعيد رسم استراتيجية في إطار جبهة وطنية فلسطينية موحدة تتصدى لمهمات التحرير والعودة.

إن الصراع الدائر اليوم ليس صراعًا على الحدود أو الموارد فحسب، بل صراع بين مشروعين متناقضين: مشروع استعماري يسعى إلى تكريس التفتيت والتبعية والنهب والهيمنة، ومشروع تحرري للشعوب التي تريد أن تمسك بناصية مصيرها والتحكم بثرواتها وبناء مستقبلها. وبين هذين المشروعين تتحدد ملامح المرحلة المقبلة. فإما استمرار واقع التجزئة والخضوع، وإما فتح أفق جديد للتحرر، والوحدة، والتنمية، والاستقلال.

موضوعات ذات صلة