حسن السيدة | خاص صدى الشتات
يعيش اللاجئون الفلسطينيون في مخيمات وتجمعات منطقة صور جنوبي لبنان فصلاً جديداً ومأساوياً في تفاصيل حياتهم اليومية. وتأتي هذه المعاناة المركبة التي تستمر وتتصاعد لتضع مجتمعاً لاجئاً يربو على 85 ألف نسمة (موزعين بين المخيمات الرسمية الثلاثة: الراشيدية، برج الشمالي، والبص، إضافة إلى أكثر من 10 تجمعات عشوائية محيطة) تحت حدٍّ حرج من الحرمان الكامل من الاحتياجات والخدمات الأساسية. ولم تعد بساتين الجنوب الشاسعة ملاذاً امنة لعمال المياومة الباحثين عن قوت عائلاتهم، بل تحولت بفعل القصف والغارات إلى ساحات موت حقيقية تحصد أرواح الأبرياء.
نزيف بشري في البساتين: العمال في مرمى النيران
إن حجم المخاطر الأمنية والوجودية التي تتهدد الوجود الفلسطيني في الجنوب باتت تنذر بكارثة حقيقية؛ فخلال الأسابيع الأخيرة، دفع مخيم الراشيدية فاتورة دم باهظة عقب استشهاد عاملين فلسطينيين في بساتين منطقة المعلية أثناء ممارستهم لعملهم الزراعي اليومي، لينضما إلى سبعة شهداء آخرين سقطوا سابقاً من مخيمي الرشيدية والبرج الشمالي في ذات الظروف المشابهة. ولم يتوقف هذا النزيف عند حدود الحقول والزراعة، إذ قدم مخيم البص أيضاً شهيداً كان يعمل في مجال توصيل الطلبات (الدليفري)، لتقدم مخيمات صور حتى اليوم 10 شهداء من الباحثين عن لقمة العيش.
وهكذا، يخرج الفقير يحمل في عيونه أملًا بسيطًا برغيفِ خبزٍ يطعم عائلته، فتصطاده يد العدو الغادرة، ليرتقي شهيداً مُغمساً بدم السعي وقهر الحرمان.
هذه الاستهدافات المتكررة تؤكد أن العامل الفلسطيني لم يعد يواجه فقط أزمة الحرمان التاريخي من الحقوق المدنية، بل بات يواجه استهدافاً مباشراً ينال من حياته. إن خروج العمال المياومين إلى البساتين والمزارع المحيطة بمدينة صور لم يعد مجرد رحلة كفاح لتأمين القوت اليومي، بل أصبح مغامرة غير محسومة العواقب تُهدد بالقتل الجسدي، مما فرض حالة من الشلل الاقتصادي والذعر الإنساني الشامل داخل المخيمات.
الأونروا تحت المجهر: أين الإغاثة الطارئة للعامل المياوم؟
أمام هذا الواقع السوداوي، يقف “العامل المياوم” الفلسطيني عاجزاً؛ فالحرب فرضت حصاراً غير معلن على حركته، وتوقفت قطاعات العمل الزراعي والإنشائي بشكل شبه كامل في قضاء صور ومخيماتها. وهنا يبرز الدور المحوري والمسؤولية القانونية والتاريخية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
إن الأونروا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، مطالبة بتجاوز التوصيفات التقليدية لخدماتها والانتقال الفوري إلى خطة استجابة إغاثية طارئة وشاملة. فلا يمكن للاجئ في مخيمات صور والتجمعات المحيطة بها أن يقتات على الوعود، أو على تلك التقديمات البسيطة والشحيحة التي جاءت متأخرة بعد أكثر من 100 يوم على شكل “كرتونة تموينية” ترافقت مع وعود مؤجلة بدفع مبالغ مالية. إن تأمين مقومات المعيشة الأساسية، وتقديم مساعدات نقدية عاجلة ودورية لعمال المياومة الذين فقدوا مصادر رزقهم جراء الحرب، وتفعيل شبكة الأمان الاجتماعي، هي واجبات إلزامية تقع على عاتق الوكالة باعتبارها المظلة الدولية الشاهدة على مأساة اللجوء.
المرجعية السياسية والعمل الأهلي:
تكامل الدور لحماية الوجود
إن مواجهة هذه التحديات الجسام تتطلب تحركاً منسقاً وحازماً من كافة أركان المرجعية السياسية الفلسطينية:
منظمة التحرير وسفارة دولة فلسطين وفصائل التحالف:
إن القوى السياسية كافة مطالبة ببلورة رؤية وطنية موحدة للعمل على رصد موازنات طوارئ مالية مباشرة تدعم صمود العائلات المنكوبة؛ إذ إن التقديمات الحالية تكاد تكون شبه معدومة ولا تُذكر.
المنظمات الإغاثية وجمعيات المجتمع المدني:
يقع على عاتق المؤسسات الأهلية والحقوقية دور إستراتيجي في توثيق هذه الانتهاكات وجرائم القتل التي تطال العمال ورفعها إلى المحافل الدولية، بالإضافة إلى سد الفجوات الإغاثية عبر إطلاق حملات تضامنية ومشاريع دعم معيشي ونفسي لأسر الشهداء والعمال العاطلين عن العمل قسراً.
إن مخيمات وتجمعات منطقة صور تقف اليوم بين مطرقة التهديد الأمني المباشر وسقوط الشهداء، وسندان الفقر الشديد وانعدام الأمن الغذائي نتيجة تعطل لقمة العيش المغموسة بالدم. فعلى الأونروا والمرجعيات السياسية الفلسطينية كافة أن تدرك أن الصمود في هذه الظروف بحاجة ماسة إلى أفعال وموازنات حقيقية تحميه، وتعين أكثر من 80% من العائلات التي اتخذت قرار البقاء في بيوتها بالمخيمات رغم خطورة المشهد.