كيف تحول المشروع الصهيوني من أداة وظيفية إلى قوة تبتز الغرب وتهدد بإحراق الشرق الأوسط

الكاتبخالد سعيد نزال كاتب وباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية

حين قال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، في لحظة نادرة من الصدق الدبلوماسي، إن «إسرائيل تسعى لإفشال اتفاق السلام بين أمريكا وإيران لأن الاتفاق يعني نهاية نتنياهو سياسياً وربما اعتقاله»، لم يكن الرجل يصف مؤامرة خفية بقدر ما كان يضع الإصبع على جرح مفتوح في قلب التحالف الغربي لقد تمرد الحليف على راعيه إنها جملة تلخص التحول الأعظم في المشهد الجيوسياسي الراهن؛ فالكيان الذي قام أصلاً كمشروع استعماري استيطاني تحت رعاية وحماية الإمبريالية الغربية، تحول اليوم إلى قوة مارقة تخرب المصالح العليا لحلفائها، وتُسخّن كل الجبهات من غزة إلى الضفة إلى جنوب لبنان، وتمسك بيدها اشعال حرب إقليمية كبرى، ليس دفاعاً عن «الأمن القومي»، بل دفاعاً عن بقاء رجل واحد في السلطة.

هذا التمرد لم يعد مجرد استعصاء تكتيكي، بل صار مشهداً علنياً تتقاذفه تصريحات القادة الغربيين الذين بدأوا يكتشفون أنهم باتوا أسرى حليف لا يطيع، ورهائن ائتلاف يميني متطرف يعيش على استباحة القانون الدولي وحرق كل فرص السلام. في واشنطن، هاجمت اللوبيات الصهيونية الرئيس دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس، متهمة إياهما بـ«التخلي عن أقرب الحلفاء».

وفي عواصم أوروبية، خرجت تصريحات غير مسبوقة: ماكرون يلوح بمراجعة اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، وبوريل يتحدث عن «عدم جواز مكافأة إسرائيل على تقويض حل الدولتين»، ودبلوماسيون غربيون يصفون حكومة نتنياهو بأنها «الأكثر تطرفاً في التاريخ».

هذه ليست أعراض خلاف هامشي، بل هي صدمة عميقة الراعي الأمريكي والأوروبي يكتشف أن «المشروع» الذي صنعه ورعاه طيلة عقود لم يعد يكتفي بالعصيان، بل صار يبتز راعيه ويدفعه إلى حافة هاوية لا يريدها، ويهدده بتفجير الشرق الأوسط كله إن لم ينصاع لمطالبه. إنها قصة حليف تحول إلى سيد، وراعٍ تحول إلى رهينة، ومشروع استراتيجي غربي انقلب إلى تهديد وجودي لمصالح الغرب نفسه.

فكيف وصلنا إلى هذه اللحظة التي يهدد فيها نتنياهو بإحراق الاتفاق النووي مع إيران، ليس بقوته الذاتية، بل بقدرته على توريط راعيه في حرب لا يريدها؟ وما هي السيناريوهات التي تنتظر هذا التمرد هل يُروّض الحليف المارق ويعود إلى بيت الطاعة، أم يسقط الراعي والحليف معاً في الهاوية؟

  1. تشريح التمرد: من أداة وظيفية إلى قوة ابتزاز

لفهم طبيعة التمرد الراهن، لا بد من العودة إلى منطق النشأة قام المشروع الصهيوني في أساسه كمشروع استعماري استيطاني احتاج، بحكم كونه مزروعاً في قلب عالم عربي وإسلامي معادٍ له عضوياً، إلى راعٍ إمبريالي دائم.

كانت بريطانيا العظمى أول الرعاة بوعد بلفور المشؤوم (1917)، ثم تسلمت الولايات المتحدة الراية بعد حرب 1967، ليصبح الكيان رسمياً «قاعدة غربية متقدمة» في الشرق الأوسط، و«درعاً للإمبريالية» كما تصفه أدبيات اليسار الغربي الناقد. في هذه المعادلة الكلاسيكية، كان الحليف تابعاً يؤدي وظائف محددة لقاء الحماية المطلقة تأمين المصالح النفطية، كسر المد القومي العربي، محاصرة الاتحاد السوفيتي سابقاً، وتطويق الجمهورية الإسلامية الإيرانية لاحقاً.

لكن هذه المعادلة انقلبت على نفسها تدريجياً، وبلغت ذروتها مع صعود بنيامين نتنياهو وتحالفاته اليمينية المتطرفة. فالكيان لم يعد مجرد قاعدة أو درع، بل صار ما يمكن تسميته بـ«الدولة الطليعية المسيحانية»، أي كياناً لا تحكمه حسابات الربح والخسارة العقلانية التي تحكم الدول الطبيعية أو حتى القواعد التابعة، بل تحكمه عقيدة توراتية استعلائية ترى في الحرب والاستيطان والتوسع واجباً دينياً وتاريخياً، لا خياراً استراتيجياً.

هذا التحول النوعي هو مفتاح فهم التمرد: فالعقلانية الغربية التي صنعت الكيان وأدارته لا تستطيع أن تفهم، وبالتالي لا تستطيع أن تتحكم، في كيان صار يديره ائتلاف من المسيحانيين الذين يفضلون إحراق المنطقة كلها على التنازل عن “أرض الميعاد”.

  1. أدوات التمرد غير العسكرية: حين يبتز الحليف راعيه

قبل أن نصل إلى الجبهات العسكرية المشتعلة، لا بد من الكشف عن البنية التحتية للتمرد، أي الأدوات غير العسكرية التي يستخدمها الكيان لشل إرادة الراعي وفرض أجندته عليه. هذه الأدوات أكثر دهاءً وخطورة من الدبابات والطائرات، لأنها تعمل في قلب العواصم الغربية نفسها.

التجسس على الراعي إسرائيل هي الحليف الوحيد في العالم الذي ضبط مراراً وهو يتجسس على الولايات المتحدة أشهر هذه القضايا كانت قضية جوناثان بولارد في الثمانينيات، حين سرق محلل استخباراتي أمريكي يهودي آلاف الوثائق السرية وسلمها لإسرائيل لكن الأخطر حدث لاحقاً خلال مفاوضات أوباما مع إيران (2013-2015)، كشفت أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن إسرائيل كانت تتجسس على المفاوضات السرية، ثم تسرب معلومات حساسة للكونغرس بهدف نسف الاتفاق هذا ليس سلوك حليف تابع، بل سلوك قوة معادية تخترق سيادة الراعي لفرض أجندتها عليه.

الاختراق العميق للكونغرس: تلعب لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) دوراً مركزياً في شل أي محاولة رئاسية للتفاوض مع إيران فمن خلال تمويل الحملات الانتخابية لأعضاء الكونغرس (بشكل مباشر وغير مباشر)، وتهديد من يخرج عن الإجماع الصهيوني بالاستهداف الانتخابي، تمكنت إيباك من فرض تشريعات عقابية تعاقب أي رئيس يحاول التفاوض مع طهران في عام 2015، قادت إيباك حملة شرسة لدعوة نتنياهو لإلقاء خطاب في الكونغرس ضد اتفاق أوباما مع إيران، وهو تدخل غير مسبوق في السياسة الخارجية الأمريكية من قبل زعيم أجنبي، واليوم، يتكرر المشهد هجوم اللوبيات على ترامب وفانس ليس إلا استمراراً لنفس المنطق، حيث يُطلب من الرئيس الأمريكي المنتخب أن يلتزم بالأجندة الإسرائيلية حتى قبل أن يتسلم منصبه.

الابتزاز بالمعلومات والأخلاق: تمتلك إسرائيل ترسانة من أدوات الابتزاز الناعم فهي تلوح بورقة «معاداة السامية» في وجه أي سياسي أو إعلامي غربي ينتقدها، وتستخدم ذاكرة «المحرقة» كدرع أخلاقي يحميها من المساءلة كما تمتلك، بحكم تحالفاتها الاستخباراتية، معلومات حساسة عن نخب غربية يمكن استخدامها للضغط والأهم من ذلك، أنها تعرف كيف تستخدم قوة اللوبيات الاقتصادية والإعلامية اليهودية في الغرب لخلق مناخ من الرعب السياسي يمنع أي تفكير جاد في “تأديب الحليف المتمرد”.

الاغتيالات كرسالة مزدوجة: اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين على الأراضي الإيرانية (مثل محسن فخري زاده في 2020، ومصطفى أحمدي روشن في 2012، ومسعود علي محمدي في 2010) لم يكن موجهاً لإيران فقط، بل كان رسالة لواشنطن: «سنفعل ما نريد، متى أردنا، وأينما أردنا، بغض النظر عن حساباتكم أو توقيت مفاوضاتكم».

إنها تأكيد متكرر على أن الحليف لا يكتفي بالعصيان، بل يفرض إيقاعه الخاص على المنطقة بمعزل تام عن مصالح الراعي.

  1. الاتفاق مع إيران بوصفه لحظة الحقيقة الكبرى

لماذا يرعب الاتفاقُ النتنياهويةَ إلى هذا الحد؟ الإجابة تكمن في أن الاتفاق الأمريكي-الإيراني، سواء كان نووياً أم استراتيجياً أوسع، هو لحظة الحقيقة التي تكشف التمرد في أبشع صوره. حين يريد الراعي (واشنطن) التفاوض، فالحليف (تل أبيب) لا يرفض فقط، بل يُشعل الحرائق في كل مكان ليمنع الراعي من المضي قدماً هذا هو التعريف الدقيق للتمرد أن تكون مصلحة الحليف مناقضة تماماً لمصلحة الراعي، وأن ينجح الحليف في فرض إرادته على الراعي بالعنف والفوضى.

الاتفاق يعني نهاية نتنياهو سياسياً لثلاثة أسباب مترابطة:

  1. سقوط مبرر الوجود قامت شرعية نتنياهو الداخلية والإقليمية على مقولة «الخطر الإيراني الوجودي».
  2. اتفاق يُخرج إيران من العزلة ويدمجها في النظام الدولي يُجرده من هذا المبرر.
  3. انكشاف التحالف المسيحاني: اتفاق مع إيران سيفضح تناقض المصالح بين الكيان والغرب، ويدفع اليمين المتطرف إلى تفجير الائتلاف الحاكم، مما يسقط حكومة نتنياهو.
  4. الاستحقاق القضائي: خارج عباءة «القائد في حالة طوارئ دائمة»، يصبح نتنياهو عرضة للمحاكمة في قضايا الفساد المرفوعة ضده، والتي أجلتها الحرب. وكما أشار الوزير الباكستاني، قد يصل الأمر إلى الاعتقال الفعلي.

من هنا، ليس الاتفاق مجرد تسوية دبلوماسية، بل هو إعلان نهاية سياسية وشخصية لنتنياهو. وهذا ما يفسر لماذا يخوض ضده حرباً وجودية خاصة به، مستخدماً كل أوراق التمرد المتاحة.

  1. الجبهات المشتعلة كأدوات تمرد: غزة، الضفة، لبنان، وإيران

حين نفهم الاتفاق مع إيران بوصفه التهديد الأكبر لنتنياهو، يمكننا أن نقرأ الجبهات المشتعلة كلها كحلقات في استراتيجية واحدة تسخين شامل يمنع الراعي من التفاوض.

غزة: حرب الإبادة كأداة شلل دبلوماسي

لم تكن الحرب على غزة، التي وثقتها محكمة العدل الدولية ومنظمات حقوقية كبرى كـ«إبادة جماعية»، مجرد رد عسكري على عملية طوفان الأقصى. هي، في منظور الاستراتيجيا النتنياهوية، عملية متعمدة لخلق واقع يمنع أي تقارب أمريكي-إيراني بتدمير القطاع وتحويله إلى أرض محروقة، تحقق إسرائيل هدفاً مزدوجاً: شغل الإدارة الأمريكية بأزمة تضامن قسري مع الحليف، حيث تُستخدم الفيتوات المتكررة في مجلس الأمن (ستة فيتوات أمريكية خلال الحرب وحدها) لحمايته، وتحويل أنظار العالم إلى «حرب على الإرهاب» تُحاصر فيها إيران وحلفاؤها إعلامياً ودبلوماسياً في الوقت الذي تلوّح فيه واشنطن باستئناف القنوات الدبلوماسية مع طهران، تأتي صور المجازر اليومية في غزة لتصعيد العداء الإقليمي وتعميق الاستقطاب الحرب المفتوحة على غزة هي بمثابة لغم أرضي ضخم في مسار أي اتفاق، إذ تجبر الإدارة الأمريكية على الانحياز الكامل لإسرائيل، وترفع سقف الشروط المسبقة التي تجعل من طهران شريكاً منبوذاً يستحيل التفاوض معه.

الضفة الغربية: تفجير مستمر للحل السياسي

بالتوازي مع غزة، تعمل حكومة نتنياهو على تسخين جبهة الضفة الغربية بهدف نسف أي تهدئة يمكن أن تتيح فضاء للدبلوماسية. التوسع الاستيطاني غير المسبوق (أكثر من 700 ألف مستوطن اليوم)، والضم الزاحف للأرض بحكم الأمر الواقع، واجتياحات المدن كجنين ونابلس وطولكرم، والاعتداءات اليومية للمستوطنين المسلحين، كلها ليست مجرد استيطان، بل هندسة لانفجار دائم إشعال الضفة يخدم غرضاً مزدوجاً: إذكاء مقاومة فلسطينية قد تتدحرج إلى انتفاضة شاملة تعمم الفوضى وتُرهق الأجهزة الأمنية، وتُشعل جبهة قريبة من قلب المدن الإسرائيلية تُعزز رواية «الأمن أولاً» وتدفن أي حديث عن حل سياسي مع الفلسطينيين. هذا الحل السياسي هو الذي كان يمكن أن يكون جسراً أمريكياً-إيرانياً، وبالتالي فإن إفشاله هو إفشال لأي تقارب.

الجبهة اللبنانية: السير على حافة الهاوية

في جنوب لبنان، تتعمّد إسرائيل دفع الاشتباكات مع حزب الله نحو نقطة اللاعودة. الاغتيالات النوعية (مثل اغتيال القيادي وسام الطويل في يناير 2024، وقصف مراكز الحزب)، والاستهدافات المتكررة للعمق اللبناني، والقصف المتبادل اليومي، كلها لا تهدف فقط إلى «ردع» الحزب، بل إلى استفزازه وجرّه إلى حرب شاملة. حرب كهذه، حتى لو كانت محدودة جغرافياً، ستُدخل إيران مباشرة في حسابات إقليمية قاتلة؛ إذ لا يمكن لطهران التخلي عن حليفها الاستراتيجي دون أن تفقد مصداقية الردع، وفي الوقت ذاته، أي تدخل مباشر أو غير مباشر سيعني دفن أي فرصة لاتفاق نووي. السيناريو الأكبر الذي تسعى إليه تل أبيب هو إشعال جبهة لبنان كامتداد لحرب غزة، مما يحوّل المواجهة إلى صراع إقليمي مفتوح يجبر الولايات المتحدة على التدخل العسكري المباشر، وبذلك يُطوى ملف الدبلوماسية نهائياً تحت ركام الضربات المتبادلة.

التهديد بضرب إيران: الورقة الأخيرة للتمرد

إذا لم تنجح الجبهات الأخرى في نسف الاتفاق، يبقى في جعبة نتنياهو الورقة الأشد تدميراً: عمل عسكري مباشر ضد البرنامج النووي الإيراني. ضربة جوية إسرائيلية لمنشآت نطنز وفردو وأصفهان، حتى لو كانت محدودة التأثير تقنياً، ستُحدث زلزالاً دبلوماسياً يُنهي أي حوار ويدفع طهران إلى التصعيد النووي والعسكري. هذا السيناريو، الذي طالما لوّحت به إسرائيل (منذ خطاب نتنياهو الشهير في الأمم المتحدة عام 2012 برسمه خطاً أحمر على قنبلة كرتونية، وصولاً إلى التهديدات المتكررة اليوم)، قد يُنفذ في توقيت حساس قبيل توقيع اتفاق أو خلال المفاوضات النهائية.

التسريبات والتهديدات بضربات استباقية، التي تشمل عمليات اغتيال علماء نوويين إيرانيين وهجمات سيبرانية مدمرة (مثل فيروس ستوكسنت الذي طورته أمريكا وإسرائيل معاً)، تؤكد فكرة أن المنطقة تتجه إلى حرب لا إلى سلام. إنها لحظة التمرد القصوى: أن يضحي الحليف بمصالح الراعي كلها في لحظة مجنونة واحدة، وأن يُشعل حرباً لا يريدها أحد غيره.

  1. أعراض التمرد في عواصم الرعاة: صدمة واشنطن وقلق أوروبا

هجوم اللوبيات الصهيونية على ترامب ونائبه فانس ليس خلافاً عابراً، بل هو مؤشر على تصدع في «الإجماع المقدس» حول إسرائيل داخل الولايات المتحدة. هذه اللوبيات، التي لطالما ضمنت انحيازاً أمريكياً أعمى بغض النظر عن الحزب الحاكم، تجد نفسها الآن أمام إدارة جمهورية تلوّح بإنهاء الحروب وصفقات السلام، وترى في حروب نتنياهو المفتوحة تهديداً مباشراً لعقيدة «أمريكا أولاً».

صحيفة «وول ستريت جورنال» نشرت تقارير عن توتر خفي بين فريق ترامب وإيباك، بينما تناولت «نيويورك تايمز» تحولاً في مزاج الناخبين اليهود الأمريكيين الشباب الذين لم يعودوا يرون في إسرائيل «ديمقراطية محاصرة» بل «قوة احتلال». هذا الانقسام داخل النخبة الحاكمة الأمريكية – بين تيار يرى في الدعم اللامشروط لإسرائيل ركيزة استراتيجية، وتيار آخر يراها استنزافاً للقوة الأمريكية – يمنح نتنياهو هامش مناورة أقل، لكنه في نفس الوقت يجعله أكثر خطورة، لأنه سيسارع لخلق أمر واقع عنيف قبل أن تغلق نوافذ الفرصة.

أما في أوروبا، فالتحول أكثر وضوحاً. فتصريحات مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، التي دعا فيها إلى «عدم مكافأة إسرائيل على تقويضها حل الدولتين»، وتلويح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمراجعة اتفاقية الشراكة الأوروبية-الإسرائيلية، وتصريحات دبلوماسيين غربيين بأن حكومة نتنياهو هي «الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل»، كلها تعكس شرخاً متعاظماً. الأوروبيون، الذين يعانون من تداعيات الحرب اقتصادياً (ارتفاع الطاقة، التضخم، الهجرة غير النظامية) وأمنياً (خطر الإرهاب، زعزعة استقرار الجوار المتوسطي)، باتوا يرون بوضوح أن سياسة التخريب الإسرائيلية لأي تفاهم مع إيران تُنتج فوضى تعود عليهم مباشرة.

لكن السؤال الجوهري يبقى: هل يمتلك الرعاة الغربيون الشجاعة الكافية لتأديب حليفهم المتمرد، أم أن هيكل العلاقة المختلة – السياسي والمالي والأخلاقي – يمنعهم من ذلك؟

  1. منظور الخصوم: كيف يقرأ الأعداء تمرد الحليف على راعيه؟

في طهران، ترى القيادة الإيرانية في هذا التمرد فرصة استراتيجية ثمينة. فالشرخ بين إسرائيل ورعاتها الغربيين يُضعف الجبهة المناهضة لإيران، ويمنح الدبلوماسية الإيرانية مساحة للمناورة.

طهران تدرك أنها تستطيع استثمار هذا الشرخ بطريقتين الأولى، بتقديم نفسها كطرف عقلاني مستعد للتفاوض، مما يحرج الراعي الأمريكي الذي يبدو عاجزاً عن ضبط حليفه والثانية، بمواصلة دعم محور المقاومة (حماس، حزب الله، الحوثيون، الحشد الشعبي) كأوراق ضغط تمنحها ثقلاً في أي مفاوضات مقبلة من وجهة نظر إيرانية، كلما زاد تمرد إسرائيل، كلما تعمقت أزمة الهيمنة الأمريكية، وكلما اقتربت لحظة الاعتراف الدولي بأن طهران قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.

أما موسكو وبكين، فتنظران إلى هذا التمرد من زاوية أوسع إنه نموذج مصغر لتراجع الهيمنة الأمريكية عالمياً حين يعصي أقرب حلفاء واشنطن أوامرها ويفرض أجندته الخاصة، وحين تبدو الإمبراطورية عاجزة عن تأديب تابع متمرد، فإن ذلك يرسل إشارة واضحة إلى كل العالم القطب الواحد لم يعد قادراً على ضبط النظام الدولي الذي صنعه تستثمر روسيا هذا الشرخ عملياً بتعميق تعاونها العسكري مع إيران (كما في تزويد طهران بطائرات شاهد المسيرة)، بينما تستثمره الصين دبلوماسياً عبر توسيع دورها كوسيط (كما في رعاية المصالحة السعودية-الإيرانية عام 2023).

كلاهما يرى في تمرد إسرائيل على راعيها دليلاً إضافياً على أن النظام الغربي بقيادة أمريكا يتآكل من الداخل، وأن لحظة الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب تقترب.

  1. 7. مأزق الراعي: لماذا يصعب ترويض التمرد؟

قبل الانتقال إلى السيناريوهات النهائية، يجب فهم لماذا يصعب على الراعي الغربي تأديب حليفه المتمرد الأسباب مركبة:

اختراق النظام السياسي: اللوبيات الصهيونية ليست مجرد جماعات ضغط، بل هي جزء من نسيج السلطة في واشنطن أي رئيس يحاول مواجهتها يخاطر بحرب سياسية شرسة قد تكلفه ولايته الثانية أو سمعة حزبه.

الاستثمار العاطفي والأخلاقي بعد عقود من الدعاية التي صورت إسرائيل كـ«ملاذ للشعب اليهودي بعد المحرقة»، أصبح من الصعب على النخب الغربية أن تعترف بأنها كانت تمول وتدعم مشروع استعمار استيطاني إحلالي هذا الاعتراف سيكون بمثابة انتحار أخلاقي.

المصالح المتشابكة إسرائيل ليست مجرد حليف، بل هي شريك في تطوير التكنولوجيا العسكرية، والتجسس الإلكتروني، وتجارة السلاح التخلي عنها يعني خسارة هذه المنظومة المتكاملة.

غياب البديل حتى لو أراد الغرب تأديب إسرائيل، فليس هناك بديل جاهز يمكن أن يؤدي وظائفها كقاعدة غربية في الشرق الأوسط. وهذا يمنحها مناعة إضافية.

هذه العوامل مجتمعة تخلق حالة من الشلل الاستراتيجي عند الراعي، وهو ما يستغله الحليف المتمرد ببراعة.

بين الترويض والدفن المشترك والتمرد المزمن

في المحصلة النهائية، لا يطرح «تمرد الحليف على راعيه» مجرد معضلة تكتيكية في السياسة الخارجية، بل يكشف عن مأزق وجودي ثلاثي الأبعاد: للكيان، للراعي، وللنظام الدولي الذي يكيل بمكيالين. ونحن أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول: ترويض التمرد واستعادة التبعية

قد تختار واشنطن، تحت ضغط المصالح الاستراتيجية العليا والخوف من حرب إقليمية شاملة، أن تعيد «الحليف المتمرد» إلى بيت الطاعة بقسوة غير مسبوقة في هذا السيناريو، تُضحّي المؤسسة الحاكمة في إسرائيل بنتنياهو وتحالفاته اليمينية المتطرفة على مذبح «المصلحة العليا للكيان»، ويُقدّم رأسه كبش فداء لإعادة ضبط العلاقة مع الراعي هنا، تنتهي ملحمة التمرد بعودة الحليف إلى حجمه الطبيعي، أي أداة وظيفية تابعة، بعد درس قاسٍ يُثبت أن الراعي يمكن أن يعض يده التي تؤذيه. لكن هذا السيناريو يفترض وجود عقل استراتيجي غربي متحرر من قيود اللوبيات، ووجود نخبة إسرائيلية بديلة قادرة على إنقاذ المشروع من مغامرات المسيحانيين.

والتاريخ يخبرنا أن كليهما كان حاضراً حين تطلبت اللحظة من اعتزال بن غوريون إلى إسقاط غولدا مائير بعد حرب 1973 إلى التحقيق مع شارون في صبرا وشاتيلا المؤسسة الإسرائيلية تعرف كيف تضحي بقادتها حين يصبحون عبئاً وجودياً.

السيناريو الثاني: دفن الراعي والحليف معاً

أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر قتامة وربما الأقرب إلى التحقق بالنظر إلى هيمنة الخطاب المسيحاني وغياب قوة داخلية رادعة، فهو أن يستمر التمرد حتى نهايته المنطقية أن ينجح نتنياهو في إحراق كل الجسور وإشعال الحرب الإقليمية الكبرى. في هذه الحالة، لن يقتصر الدمار على الكيان وحده، بل سيجرجر راعيه الأمريكي والأوروبي إلى مستنقع لا خلاص منه إنها لحظة «الانتحار المشترك» حيث يسقط المشروع الصهيوني لا كضحية للخارج، بل كنتيجة لتناقضه الداخلي الذي قاده إلى تمرد انتحاري على من أوجده وحماه في هذا السيناريو، سيكتب التاريخ أن «إسرائيل» لم تمت بأيدي أعدائها، بل بأيدي حلفائها الذين أعماهم الولاء، وبأيدي قادتها الذين رأوا في بقائهم الشخصي أولوية فوق بقاء الكيان إنه المسمار الذي يدقه الحليف المتمرد في نعش راعيه، وقبل ذلك في نعش نفسه.

السيناريو الثالث: التمرد المزمن أو الاحتواء المتبادل

بين القطبين، يفرض الواقع سيناريو ثالثاً أكثر دهاءً وأشد خطورة على المدى البعيد أن يستمر التمرد ولكن بشكل منخفض الحدة، حيث ينجح نتنياهو في إفشال الاتفاق النووي دون الوصول إلى حرب شاملة، فيرضخ الراعي جزئياً ويؤجل المواجهة في هذا السيناريو، لا يُروَّض الحليف ولا يُدفن، بل يتعايش الراعي والرعية على حالة مرضية من الابتزاز المتبادل إسرائيل تشعل الحرائق الصغيرة باستمرار لتمنع أي تقارب مع إيران، وأمريكا تتذمر وتنتقد لكنها لا توقف الدعم العسكري والدبلوماسي هذا هو أخطر السيناريوهات لأنه يعني تعايشاً مزمناً مع التمرد، وتآكلاً بطيئاً للمكانة الغربية في العالم دون انفجار كبير، وتثبيتاً لنموذج «الدولة المارقة المحمية» التي تتصرف بلا حساب لأنها تعرف أن الراعي لن يتخلى عنها مهما فعلت.

بين هذه السيناريوهات الثلاثة يتأرجح الشرق الأوسط اليوم، والعالم يراقب. لقد صنع الغرب هذا الكيان ليكون درعاً له في قلب العالم العربي والإسلامي، وها هو اليوم يكتشف أن الدرع صار سيفاً موجهاً إلى صدره. وفي قلب هذه المعادلة، يقف رجل واحد حوّل بقاءه الشخصي إلى قضية وجودية تهدد الجميع. وكما قال وزير الدفاع الباكستاني في تلك اللحظة الصادمة من الوضوح، فإن إنهاء هذه المأساة يمر حتماً عبر اتفاق يجرئ الحلفاء على مواجهة حليفهم المتمرد، ويضع حداً لرجل يرى في السلام مقصلة سياسية وشخصية له. الخيار الآن بين يدي الراعي: إما أن يستأصل الورم قبل أن يفتك بالجسد، أو أن ينتظر حتى يفتك الورم بالجسد ثم يسقطان معاً. أما التاريخ، فهو يكتب الآن فصوله الأخيرة من هذه الملحمة الدموية، وسيكون حكمه قاسياً على الجميع: على الحليف الذي تمرد، وعلى الراعي الذي مكّنه من التمرد حتى دمره، وعلى العالم الذي وقف متفرجاً حتى أتت النيران أبوابه.

  • هذا المقال تحليل استراتيجي جيوسياسي يستند إلى تصريحات معلنة ووقائع موثقة الآراء الواردة فيه تمثل تحليل الكاتب.

موضوعات ذات صلة