البداوي – لبنان
في قلب مخيم البداوي شمال لبنان، حيث تضيق الأزقّة وتتّسع القلوب تولد “أكاديمية تحفيظ القرآن الكريم” التي لم تكتفِ بتعليم الحروف والآيات، بل جعلت من المصحف منارة تصقل الأرواح وتعيد تعريف معنى الصمود في حياة اللاجئين الفلسطينيين.
فرغم كل ما يحمله اللجوء من قسوة استطاعت الأكاديمية منذ تأسيسها في تموز/يوليو 2022 أن تتحوّل إلى فضاء من النور والإصرار، يجتمع فيه أكثر من مئة طالبة من مختلف الأعمار على مائدة القرآن الكريم، يحفظن ويتعلمن ويتسابقن نحو الخاتمة بقلوب عامرة بالأمل.
قرآنٌ يُحفظ بالدمع والدعاء.. ومخيمٌ لا يعرف اليأس
ليست الأكاديمية مجرد مركز تحفيظ، تقول إحدى المشرفات على العمل، بل مدرسة حياة تعلّم طلابها كيف يواجهون واقعهم بالإيمان وتربّي فيهم الثقة بأنّ العلم والقرآن هما طريق النجاة.
تتوزع طالبات الأكاديمية على خمس مجموعات بحسب العمر والمستوى وتُقدَّم لهنّ برامج شاملة في التجويد النظري والتطبيقي إلى جانب دروس التلاوة والأنشطة الثقافية والترفيهية التي تضفي على الحلقات روح العائلة الواحدة.
وتضيف المُشرفة، في كل عام تتحول ساحات الأكاديمية إلى عرس، ففي العام الماضي تخرّجت 16 طالبة، بينما هذا العام أتمّت سبع حافظات ختم كتاب الله.
وتؤكد أن رسالتهم تربوية وإيمانية بامتياز لا تقتصر على الحفظ وإنما تمتد إلى غرس معاني القرآن في السلوك اليومي، داعية الأهالي إلى تشجيع أبنائهم على الالتحاق بحلقات الحفظ، لأن القرآن ليس كلماتٍ تُتلى، بل حياةٌ تُعاش بحسب وصفها.
وقالت المُشرفة “في زمن الفتن يصبح حفظ القرآن فعل مقاومة بحد ذاته فمن تمسّك بالكتاب والسنة كمن قبض على جمرة، لكنه أيضًا من حمل شعلة النور في دربٍ يملؤه الظلام.”

صفا محمد سعد.. أمٌّ تتحدّى الأمومة وتختم كتاب الله
من بين الحافظات اللواتي لمع اسمهن هذا العام تبرز قصة صفا محمد سعد، ابنة بلدة الجش في قضاء صفد التي حوّلت يومياتها بين الأمومة والدراسة إلى ملحمة صبر وإصرار.
صفا خريجة جامعة بيروت العربية بتقدير ممتاز عام 2015، بدأت رحلتها مع الحفظ في 6 كانون الأول/ديسمبر 2024 بعد انتهاء الحرب على لبنان، وأتمّت الختم في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2025، أي خلال أقل من عام واحد.
ورغم مسؤولياتها كأم لثلاثة أطفال أكبرهم في السابعة وأصغرهم لم يتجاوز العامين عند البداية، استطاعت بفضل دعم زوجها وإصرارها أن تقتنص وقت الفجر والمساء للحفظ والمراجعة، حتى وصلت إلى الهدف.
تقول صفا “أصعب ما واجهته هو أن أكون أمًّا لا تُقصّر، وحافظة لا تتوقف. لكن الله هيّأ لي زوجًا كان سندًا وأكاديمية كانت بيتًا ثانيًا ومعلماتٍ أعطين من وقت عائلاتهن لنكمل الطريق.”
وتضيف “من يجالس القرآن لا يحتاج إلى ونيس، ومن يعيش بين آياته يعرف أن السعادة ليست في الراحة بل في القرب من الله. أنصح كل من يبحث عن الطمأنينة أن يبدؤوا من هنا من بين السطور التي أنزلها الرحمن.”

أمل لا ينطفئ في المخيم
في وقتٍ يزداد فيه المشهد الفلسطيني ألمًا، تكتب أكاديمية البداوي القرآنية حكاية أملٍ صادقة.. نساءٌ وأطفال يواجهون ضيق الحياة باتساع الإيمان، ويثبتون أن الشتات لا يُطفئ النور إذا حمله قلبٌ عامر بالقرآن.