خاص صدى الشّتات
في الحروب لا تُقاس المعارك بعدد الغارات فقط بل أيضاً بعدد من يواصلون إنقاذ الحياة تحت النار.. فبينما كانت فرق الإسعاف تشق طريقها وسط القصف كانت المراكز الطبية تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات في واحدة من أصعب المراحل التي شهدها لبنان.
وفي حديثٍ خاص لصدى الشتات يروي المدير التنفيذي لجمعية الشفاء للخدمات الطبية والإنسانية الدكتور مجدي كريّم تفاصيل مرحلةٍ كانت فيها فرق الإسعاف والمراكز الطبية في سباق دائم مع الوقت مع استمرار الغارات واتساع رقعة النزوح مستعرضاً كيف تمكنت الجمعية من الحفاظ على خدماتها الطبية والإنسانية رغم المخاطر والإمكانات المحدودة.
الاستعداد قبل اندلاع الحرب
لم تبدأ استجابة الجمعية مع أول غارة بل سبقتها خطة طوارئ متكاملة وُضعت مع تصاعد المؤشرات التي كانت تنذر بتوسع المواجهة، والتي شملت تجهيز المراكز الطبية وفرق الإسعاف والدفاع المدني بالمستلزمات اللازمة وتأمين مخزون من الأدوية والمعدات إلى جانب تدريب الكوادر ورفع جاهزيتها للتعامل مع مختلف السيناريوهات الميدانية.
ومع بدء الاستهدافات انتقلت الفرق مباشرة إلى مناطق القصف وإلى المناطق التي استقبلت النازحين فيما واصلت المراكز الطبية عملها دون توقف في محاولة لضمان استمرار الخدمات الصحية رغم الظروف الاستثنائية.
استجابة إنسانية لم تقتصر على الإسعاف
ويؤكد كريّم أن دور الجمعية تجاوز عمليات إسعاف الجرحى ونقل المصابين ليشمل الحفاظ على استمرارية الرعاية الصحية في المناطق الأكثر تضرراً ولا سيما في مدينة صور، حيث بقيت المراكز الطبية مفتوحة وقدمت خدمات الطوارئ والمعاينات الطبية والصيدلية والمختبر إضافة إلى تأمين الأدوية خصوصاً لمرضى الأمراض المزمنة الذين تعذر عليهم الوصول إلى العلاج.
جهود الجمعية امتدت إلى الجانب الإغاثي أيضا عبر توزيع مواد النظافة وحليب الأطفال والحفاضات داخل مراكز الإيواء فضلاً عن المشاركة في إدارة مركز إيواء داخل معهد الحريري التقني في بيروت الذي استضاف أكثر من 1200 نازح مع توفير متابعة صحية للمسنين وتنظيم أنشطة ترفيهية للأطفال، إلى جانب المساهمة في توزيع الوجبات الغذائية وتنفيذ زيارات طبية دورية داخل مراكز النزوح.
أكثر من 30 ألف مريض و850 مهمة ميدانية
وتعكس الأرقام وفق كريّم حجم الاستجابة التي نفذتها الجمعية خلال الحرب إذ استقبلت مراكزها الطبية أكثر من 30 ألف مريض، فيما نُظّم 46 يوماً طبياً استفاد منها أكثر من 4 آلاف شخص في مختلف المناطق.
أما فرق الإسعاف والدفاع المدني فتعاملت مع نحو 850 بلاغاً وأسعفت أكثر من ألف مصاب بين إصابات طفيفة ومتوسطة وحرجة وقدمت العلاج الميداني لأكثر من 320 حالة، إضافة إلى إجلاء أكثر من 850 شخصاً من المرضى والمسنين والأطفال من المناطق المستهدفة والتعامل مع 64 حريقاً، إلى جانب عشرات عمليات نقل المصابين بين المستشفيات أو إعادتهم إلى منازلهم بعد تلقي العلاج.
القصف المزدوج.. التحدي الأخطر
ورغم صعوبة كل مهمة ميداني يعتبر كريّم أن أخطر ما واجهته فرق الإسعاف كان تكرار ما يعرف بـ”القصف المزدوج”، حيث كانت الفرق تصل إلى موقع الاستهداف لإنقاذ الجرحى قبل أن تتعرض المنطقة لقصف جديد بعد دقائق ما جعل المسعفين أنفسهم في دائرة الخطر.
ويشير إلى أن هذا المشهد تكرر في أكثر من موقع من بينها برج الشمالي ومنطقة البقاع حيث نجت الفرق من الاستهداف المباشر بأعجوبة، مؤكداً أن العمل في تلك الظروف كان يعني التوجه إلى أماكن مجهولة من دون معرفة حجم الدمار أو عدد الضحايا أو حتى طبيعة المخاطر التي تنتظرهم، مضيفاً أن عمليات انتشال الضحايا والأشلاء كانت من أكثر المهام قسوة على المسعفين الذين وجدوا أنفسهم أمام مشاهد إنسانية تركت آثاراً نفسية عميقة إلى جانب الإرهاق الجسدي الناتج عن العمل المتواصل لساعات طويلة.
خسائر مادية.. وتضحيات بشرية
ولم تقتصر تداعيات الحرب على الضغط الميداني إذ فرضت أعباء تشغيلية كبيرة على الجمعية نتيجة ارتفاع كلفة المحروقات وتأمين المستلزمات الطبية والصيانة المتكررة لسيارات الإسعاف والدفاع المدني، فضلاً عن تعرض مركز برج الشمالي الطبي وعدد من المركبات لأضرار مادية جراء القصف من دون تسجيل إصابات في صفوف الطواقم.
ورغم ذلك، واصل المسعفون والأطباء والعاملون في المراكز الطبية أداء مهامهم حتى أن عدداً منهم بقي في مواقع عمله رغم نزوح عائلاته من المناطق الجنوبية مفضلاً الاستمرار في تقديم الخدمة للمدنيين على مغادرة الميدان.
الإنسان أولاً رغم الحرب
ويشدد كريّم على أن التجربة التي خاضتها الجمعية خلال الحرب أثبتت أن الاستجابة الإنسانية لا تقتصر على إسعاف الجرحى بل تشمل الحفاظ على استمرارية الخدمات الصحية وتأمين احتياجات المدنيين في أكثر الظروف تعقيداً، مؤكدا أن فرق الجمعية تعاملت مع كل مهمة باعتبارها مسؤولية إنسانية سواء كانت لإنقاذ مصاب أو إجلاء مسن أو تأمين دواء لمريض أو تقديم الرعاية داخل مراكز الإيواء.
ويختم بالتأكيد أن حجم التحديات التي فرضتها الحرب عزز قناعة الطواقم العاملة بأهمية الجاهزية والعمل المنظم وأن التجربة كشفت في الوقت نفسه حجم الحاجة إلى دعم القطاع الإنساني والطبي، بما يضمن استمرار قدرته على الاستجابة في أي طارئ مستقبلي.