وعد بلفور: خيانة الوعود وبداية المأساة الفلسطينيّة

د. انتصار الدّنّان

لم يكن وعد بلفور حدثًا عابرًا في القضية الفلسطينية، بل يُعتبر من أبرز الأحداث المفصلية في التاريخ الحديث، إذ مثّل نقطة تحول كبيرة في مسار القضية الفلسطينية، والصراع العربي- الإسرائيلي، وقد صدر هذا الوعد في الثاني من نوفمبر- تشرين الثاني عام 1917 عن الحكومة البريطانية، الذي تعهد بإقامة” وطن قومي لليهود” في فلسطين، وهذا القرار كان له بالغ الأثر على مستقبل المنطقة وشعوبها.

لقد تآمرت بريطانيا لتفتيت الوطن العربي، وخلق كيانات متعددة، وتنكرت لوعودها للعرب، للتخلص من الاحتلال العثماني ونيل الاستقلال، فأصدرت وعد بلفور، ما حال دون تحقيق الحلم العربي، وهذا التفتيت ساعد في تحقيق الحلم الصهيوني بإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، مع أن هذا الوعد غير قانوني، فوزير خارجية بريطانيا لا يحق له ولا يملك شرعية أن يعطي وعودًا بأرض هي ليست له بالأساس ولا يملك فيها شيئًا، فالشعب الفلسطيني هو صاحب الحق في فلسطين، وهو لم يكن طرفًا في هذا الوعد، ولم يُستشر بشأنه، وقاومه وما زال يقاومه حتى اليوم.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى ( (1914-1918، كانت بريطانيا تسعى إلى تأمين مصالحها في الشرق الأوسط، وخاصة في ظل التنافس الاستعماري مع فرنسا وألمانيا. وفي تلك الفترة، ظهرت الحركة الصهيونية التي قادها تيودور هرتزل في أواخر القرن التاسع عشر، مطالبةً بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

وجدت بريطانيا في دعم المشروع الصهيوني وسيلةً لتعزيز نفوذها في المنطقة، وضمان ولاء الجاليات اليهودية المؤثرة في أوروبا والولايات المتحدة خلال الحرب. ومن هذا السياق، صدر وعد بلفور.

لم يأت صدور الوعد من فراغ، لكنه راعى المصالح الاستعمارية البريطانية، حيث كانت بريطانيا ترى في الحركة الصهيونية حليفًا مهما من الممكن أن يضمن لها النفوذ في منطقة الشرق الأوسط بعد سقوط الدولة العثمانية، كما أنها رأت أنه من الضروري التحالف مع اليهود في أوروبا وأمريكا، وجاء ذلك من باب كسب اليهود المؤثرين سياسيًا واقتصاديًا في تلك الدول، ما يعزز ويدعم اقتصادها، لذلك أتى الدعم البريطاني لتأييد مشروع الحركة الصهيونية في مشروعها بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

هذا الوعد طبعًا أعطى الحق لقوم بأن يقيموا وطنهم القومي على الأراضي الفلسطينية، لكنها تناست حق الشعب الفلسطيني بأرضه، ما أحدث نتائج كارثية على الشعب الفلسطيني والمنطقة بأسرها، إذ إنها سمحت بالهجرة اليهودية الواسعة ووفرت لليهود الحماية والدعم، ومهّدت لقيام دولة إسرائيل عام 1948 السبب الذي أدى إلى طرد الفلسطينيين من أرضهم ولجوئهم إلى الدول المجاورة، وكرس وعد بلفور الأساس التاريخي للصراع العربي- الإسرائيلي الذي مازال مستمرًا حتى اليوم.

بالطبع، قوبل وعد بلفور بالرفض من العرب والفلسطينيين منذ صدوره، واعتبروه خيانة للعهد الذي قطعته بريطانيا للعرب أثناء الحرب العالمية الأولى. بعد ذلك الوعد انتفض الشارع العربي، وتم تنظيم احتجاجات ومؤتمرات عربية للتنديد بالوعد، وإظهار خطورته على الشعب الفلسطيني، كما اعتبره الفلسطينيون وعدًا من لا يملك لمن لا يستحق.

لقد شكّل وعد بلفور عام 1917 محطة مفصلية في التاريخ الحديث، ليس فقط بالنسبة للشعب الفلسطيني، بل بالنسبة للمنطقة العربية والعالم بأسره، فهذا الوعد لم يكن حدثًا عابرًا أو قرارًا عاديًا، بل كان نقطة الانطلاق لمأساة شعب كامل ولصراع دائم في أصحاب الأرض والمستعمرِين، فقد كان بداية لمشروع طويل الأمد غير ملامح الشرق الأوسط، فقد مهد الطريق لقيام دولة إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني الذي ما زال يدفع ثمن هذا الوعد حتى اليوم، ومازالت المنطقة بأسرها تقف على فوهة بركان.

موضوعات ذات صلة