| | | |

عين الحلوة… عاصمة الشتات الفلسطيني التي تضيق بأهلها ولا تضيق بحلم العودة

على مساحة لا تتجاوز الكيلومتر المربع الواحد، يتنفس مخيم عين الحلوة جنوب مدينة صيدا حياةً مزدحمة بالتاريخ والحنين. تحيط به أسلاك شائكة بارتفاع تسعة أمتار، وتراقبه نقاط الجيش اللبناني من مداخله الأربعة، فيما يعيش داخله أكثر من 85 ألف لاجئ فلسطيني ينحدرون من أكثر من 35 بلدة وقرية هجّروا منها عام 1948.

أنشئ المخيم عقب النكبة من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر لإيواء اللاجئين الفلسطينيين، واستأجرته وكالة الأونروا من الدولة اللبنانية لمدة 99 عامًا. وسُمّي “عين الحلوة” نسبة إلى عيون المياه العذبة التي كانت تتدفق في المنطقة عند تأسيسه، قبل أن تجفّها سنوات اللجوء والتهميش.

ورغم ضيق المساحة، لم تفقد أحياء المخيم هويتها الفلسطينية، إذ تحمل أسماء القرى التي جاء منها أهلها: طيطبا، الزيب، صفورية، عمقا، السميرية، حطين… لتبقى فلسطين حاضرة في كل زاوية واسم وذاكرة.

 

حياة بين الجدران… وأحلام لا تُحاصر

يقول علاء الدين طحيبش، من قرية عمقا ومواليد المخيم عام 1966

“ترعرعت في عين الحلوة، درست فيها وتزوجت وأنجبت أولادي وأحفادي هنا. اليوم نعاني كما عانى آباؤنا وأجدادنا من ضيق المعيشة وغياب الأمل، لكننا متمسكون بالبقاء لأن هذا المخيم هو فلسطيننا الصغيرة.”

أما عبد العزيز الشولي، فيتحدث بقلق عن واقع الاكتظاظ المتزايد:

“عائلتي نزحت من ميعار قضاء عكا. عندي خمسة أولاد وبنت، أربعة منهم متزوجون ويستأجرون بيوتًا صغيرة داخل المخيم. المساحة محدودة، والبيوت متلاصقة كأنها تتنفس بصعوبة. صار المخيم مكتظًا بشكل خانق.”

من جانبه، يصف أحمد عويد، من عمقا قضاء عكا، الوضع الاقتصادي بأنه “الأصعب منذ سنوات”:

“جدي لجأ إلى لبنان بعد النكبة، وأنا ولدت هنا. اليوم نعاني من الغلاء الكبير، وتدنّي فرص العمل، والتقصير من المؤسسات والجمعيات الأهلية. تخيّل أن مئة ألف إنسان يعيشون في كيلومتر مربع واحد!”

وفي وجه محاولات تشويه صورة المخيم، يقول عبد الله إسماعيل، من بلدة السميرية قضاء عكا:

“يحاول البعض تصويرنا كبيئة توتر، لكن الحقيقة أننا مجتمع حيوي. يوجد في المخيم أكثر من 170 محلًا تجاريًا و120 بسطة خضار و”مول” صغير. نقيم أنشطة ومبادرات لتنشيط الأسواق ورسم البسمة على وجوه الناس. نحن نعيش رغم كل شيء.”

أما هيثم الخطيب، من قرية الزيب، فيشير إلى البعد الحقوقي والمهني لمعاناة اللاجئين:

“نحن محرومون من مزاولة أكثر من 72 مهنة في لبنان. لدينا خريجون من أرقى الجامعات، لكنهم عاجزون عن العمل في اختصاصاتهم. نطالب البرلمان اللبناني بإعادة النظر في هذا الحرمان، لأننا نريد أن نعيش بكرامة حتى نعود يومًا إلى وطننا.”

 

اقتصاد هش وخدمات متراجعة

منذ سنوات، يواجه مخيم عين الحلوة أزمة اقتصادية واجتماعية متصاعدة نتيجة تراجع خدمات الأونروا وتقليص موازناتها، بالإضافة إلى ارتفاع البطالة بين الشباب إلى أكثر من 60%، وتراجع المساعدات الإغاثية نتيجة الأزمة المالية العالمية التي تعصف بالمنظمات الدولية.

 

هوية لا تموت

عين الحلوة ليس مجرد مكان للسكن، بل ذاكرة حية للمنفى الفلسطيني. في أزقته تتجاور الجداريات الوطنية مع صور الشهداء ومفاتيح البيوت القديمة، فيما لا تزال مفردة “العودة” تتردد على ألسنة الصغار قبل الكبار.

رغم تردي الأوضاع، يرفض سكان المخيم أن يُختزل وجودهم في المعاناة. فكل حجرٍ وجدار في عين الحلوة يحكي قصة صمود، وكل طفلٍ يولد فيه يحمل خريطة فلسطين في قلبه.

 

موضوعات ذات صلة