إنقاذ الأونروا يتطلب موازين قوى دولية جديدة

الكاتبعلي هويدي

علي هويدي| مدير عام الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين ومسؤول ملف الاونروا في المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج

لماذا تتلقى الأونروا الدعم الهائل على المستوى السياسي والمعنوي وفي المقابل لا تحظى بالدعم المالي كي تقوم بدورها وفقاً لولايتها…؟! والجمعية العامة للأمم المتحدة وبموافقة 151 دولة أيدت تمديد تفويض ولاية الأونروا لثلاث سنوات جديدة تنتهي في حزيران/يونيو 2029 وهذا يعتبر دعماً معنوياً وسياسياً كاسحاً لكن لماذا لم يقترن ذلك بدعم مالي كاف…؟!

لم تشفع التقارير الأممية التي برّأت الأونروا من الاتهامات التي يفبركها ويسوقها زوراً الاحتلال الاسرائيلي بشكل منهجي ومتراكم بحق الوكالة؛ أبرزها التقرير الذي يتحدث عن الإصلاحات داخل الأونروا والذي اعدته وزيرة خارجية فرنسا السابقة كاثرين كولونا خلال شهرين في نيسان/ابريل 2024 بتكليف من أمين عام الأمم المتحدة انطونيو غوتيريش وبتكلفة أكثر من 4 ملايين دولار واعتبر أن الوكالة ملتزمة بالحياد، أو تقارير الأونروا المتعددة والتي تتحدث عن أن “إسرائيل لم تقدم أي دليل على تورط موظفين في عملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023”.

كما أن تقرير “شبكة تقييم أداء المنظمات متعددة الأطراف (موبان)” لم يؤخذ بعين الإعتبار في الدعم المالي للوكالة على الرغم أن من شارك في إعداده ممثلين عن 22 دولة غربية وعربية وإسلامية ومنها أمريكا وصدر في آب/أوغسطس 2024 في 92 صفحة والذي أشاد بعمل الأونروا واعتبر بأن الوكالة قد أثبتت قدرة عالية على الاستجابة لحالات الطوارئ وبأنها قد تميزت بوضوح التفويض الممنوح لها”.

قالت الأونروا بأنها حتى الآن قد نفذت فعلياً 40 توصية “اصلاحية” من اصل 50 توصية جاءت في تقرير كولونا ولم يشفع للوكالة ذلك، وكأن المعادلة عكسية فبدل أن يكون العنوان ووفقاً لتطبيق الإصلاحات أن يرتفع مستوى الدعم المالي، إلا أن ما تمخّض به مؤتمر التعهدات الذي عقد في الأمم المتحدة في نيويورك في الثلاثين من حزيران/يونيو 2026 هو تبرع قيمته 4 ملايين دولار فقط من أصل 100 مليون تحتاجها الأونروا لسداد العجز المالي تاركاً الوكالة لتصارع عملية بقاءها المرهون ليس فقط في الدعم المعنوي والسياسي الذي لا يتوقف الذكر من على السنة الكثير من الدول المانحة، وإنما كذلك الدعم المالي.

في خطابه أمام مجلس النواب في لوكسمبورغ يوم الخميس 16/7/2027 قال مفوض الأونروا العام بالإنابة كريستيان ساوندرز بأن الوكالة ومع نهاية العام 2026 ستعمل على تنفيذ المزيد من توصيات الإصلاح (5 توصيات)، لتصبح 45 توصية. لم يتلق المانحون هذه الرسالة بإيجابية تنعكس على تمويل الأونروا وكأنه تكريس للمعادلة آنفة الذكر وتجاوزاً باتت وكأنها عملية ابتزاز.

ظن ساوندرز بأن قيامه بفصل 70 موظفاً من موظفي الوكالة العاملين في قطاع غزة بسبب اتهامات مغرضة من طرف واحد هو الاحتلال الإسرائيلي بأن الموظفين ينتمون لحركة “حماس” سيشفع للوكالة أمام المتبرعين، وكذلك فعل مفوض الأونروا العام السابق فيليب لازاريني عندما أقدم ولنفس السبب على فصل 12 موظف مع بدايات العدوان الإسرائيلي على غزة في العام 2023، بأن الموظفين ينتمون لحركة “حماس” ولم تثبت إدانتهم.

وفي خطوة لم يسبق لها مثيل منذ ان تأسست الاونروا في العام 1949 عمل لازاريني على فصل 575 موظفاً من قطاع غزة بحجة الحفاظ على الوكالة واستمرار عملها، وأعقبها بقرار تاريخي آخر بتخفيض ساعات دوام الموظفين من 37.5 ساعة أسبوعياً الى 30 ساعة متزامناً مع قرار تخفيض نسبة رواتب الموظفين المحليين أي الفلسطينيين الى 20%، حتى هذا لم يحرك المانحين من الدول الى الالتفات موضوعيا الى الحاجة الإنسانية الملحة لأكثر من 6 مليون لاجئ فلسطيني مسجل في سجلات الوكالة يقيمون في 58 مخيماً في مناطق عمليات الأونروا الخمسة.

قرار إنشاء الأونروا رقم 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة جاء بعد مخاض أممي عسير نتيجة نكبة فلسطين وطرد ما يقارب من 935 فلسطيني، كما جاء القرار كتحمل للمسؤولية السياسية والقانونية الدولية تجاه عملية اللجوء والاعتراف بوجود الاحتلال الإسرائيلي وفق قرار تقسيم فلسطين الأممي رقم 181 لتاريخ 29/11/1947، فلا يعقل لا بل مرفوض الحديث عن أي خيارات أخرى تفويضية لعمل الأونروا سواءً فلسطينياً كما يتحدث ساوندرز وقبله لازاريني أو ما ورد في تقرير “التقييم الاستراتيجي لعمل للأونروا” الذي أعده البريطاني ايان مارتن بتكليف من غوتيريش والذي دعا إلى نقل خدمات الأونروا إلى الدول المضيفة وبتمويل عربي.. أو غيرها من الدعوات ففي ذلك تكريس لعملية نزع للمسؤولية الأممية تجاه اللاجئين الفلسطينيين والتي تعبر عنها الأونروا.

اتُخذ القرار بإنشاء الأونروا كمنظمة أممية مؤقتة خاصة باللاجئين الفلسطينيين وحدهم دون غيرهم من اللاجئين، وتم تحديد تفويض عمل الوكالة وفق ديباجة القرار والفقرة الخامسة والفقرة العشرين بأن عمل وكالة الاونروا بتوفير خدمات الصحة والتعليم والإغاثة للاجئين الفلسطينيين يجب ألا يخل بتطبيق الفقرة 11 من القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة لتاريخ 11/12/1948 والذي أكد على حق العودة للاجئين إلى الأماكن التي طردوا منها في فلسطين والتعويض عليهم واستعادة ممتلكاتهم، وبالتالي البُعد السياسي والقانوني المرتبط بعلاقة الأونروا بعودة اللاجئين لا لبس فيه.

أحد العيوب الإستراتيجية التي شابت عملية تأسيس الأونروا بأن تمويل الوكالة يكون تطوعياً من الدول المانحة، هذا الطرح كان مبرراً حينها على اعتبار أن تفويض وولاية وكالة الأونروا ستنتهي قريباً في مدة أقصاها 3 سنوات على أن يعود اللاجئون الى منازلهم وبعدها يتم إغلاق الوكالة بانتفاء السبب الذي تأسست لأجله، إلا أن هذا الطرح جعل تمويل الوكالة يخضع لاعتبارات داخلية للدول ومصالحها السياسية وموازين القوى، فالدول ليست جمعيات خيرية ولا تقدم وجبات ساخنة.

وصلت عملية استهداف وكالة الأونروا ذروتها مع مجيء الرئيس الأمريكي ترامب الى الرئاسة الأولى في العام 2018 وحينها وضع ترامب يده بيد نتنياهو وقال الأخير بوجوب العمل على تفكيك الأونروا. أوقف ترامب التبرع المالي السنوي للوكالة والذي كان يقدر بـ 360 مليون دولار يمثل ثلث الميزانية السنوية للأونروا، وتجددت عملية الاستهداف وباتت أكثر شراسة مع ولاية ترامب الثانية.

الموضوع لم يتوقف على وقف التبرعات المالية انما تعداه بحملة إعلامية دولية شرسة مفبركة ومضلِّلة بالشراكة مع الاحتلال الإسرائيلي فباتت الأونروا بالنسبة لهم تديم قضية اللاجئين، وهي معادية للسامية، ومناهجها تبث الكراهية والعنف تجاه اليهود، وبان مدارس الوكالة في غزة يوجد تحتها أنفاق تابعة لحركة “حماس”، ومدرسي الوكالة ينشطون ويحرضون على العنف على وسائل التواصل الاجتماعي…، ومعها بدأت عملية التراجع في الدعم المالي للوكالة تزداد وترتفع نتيجة الضغط الأمريكي والإسرائيلي بالضغط على الدول المانحة وفق سياسة المصالح وموازين القوى.

جاءت عملية السابع من أكتوبر 2023 لتشكل منعطف استراتيجي لكل من الإدارة الأمريكية والاحتلال إذ تم اتخاذها ذريعة للمزيد من الضرب الموجع للوكالة ليقول نتنياهو بأن لا وجود للأونروا في غزة بعد انتهاء الحرب، ولتجرؤ غير عادي وانتهاك أممي من قبل الاحتلال على هدم وحرق ومصادرة المقر الرئيسي للأونروا في شرق القدس المحتلة أمام كاميرات العالم، واتخاذ قرار من الكنيست الإسرائيلي بالعمل على بناء متحف حربي على أنقاض الأرض الأممية، مع اكتفاء أمين عام الأمم المتحدة غوتيريش ودول أخرى بالإعراب عن الاستنكار والشجب والإدانة دون اتخاذ أي من القرارات الرادعة.

وفي خطوة تمثل ذروة الاختلال في موازين القوى وانتهاك لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بإنشاء الوكالة يتخذ ما يسمى بـ “مجلس السلام” الذي يقوده الرئيس الأمريكي ترامب قراراً بأنهاء عمل الأونروا في “غزة الجديدة” بحجة “إنهاء الاعتماد المستمر على المساعدات”.

الاستمرار بهذه المنهجية وفقا للمعطيات فإن الوكالة تغرق تدريجيا وسنرى في القريب المزيد من عملية التراجع في تقديم خدمات الصحة والتعليم والإغاثة للاجئين، والانعكاس على الموظفين، ومن غير المستبعد أن يكون العام 2029 آخر سنة لتجديد التفويض، وهذا يتطلب عملية إخراج سريع للوكالة من غرفة الإنعاش.

تستطيع الدول المانحة ان تنقذ الأونروا لو أرادت سواء دولا عربية أو إسلامية وغيرها من الدول، والمبالغ المالية التي تحتاجها الوكالة زهيدة جداً مقارنة بما ينفق على تمويل الحروب في المنطقة وسواها، فرؤية من يريد التخلص من الأونروا تتمحور وباختصار بالعمل على إنهاء المسمى القانوني للاجئ وتذويب اللاجئين في الدول المضيفة والتخلص من البُعد السياسي للاجئين بشطب حق العودة، وغسل يدي الاحتلال من جريمة النكبة.

التعديل في موازين القوى لصالح دعم واستمرار وتمويل الأونروا واستعادة قوة الوكالة في الجمعية العامة للأمم المتحدة وأن تتحمل الدول المسؤولية الفعلية تجاه قضية اللاجئين هي عملية ليست سهلة وتحتاج إلى وقت طويل وعمل تراكمي وفق خطة يشارك فيها جميع الأطر المعنية بقضايا اللاجئين؛ فلسطينياً لا سيما الدول المضيفة وعربيا وإسلامياً ودولياً رسمياً وعلى مستوى العالم الحر..

كما تحتاج إلى مواكبة التطورات والمتغيرات المتلاحقة في الدول المانحة التي تشكل الانتخابات فيها عنصر أساسي للتعديل في ميزان القوى، فعندما جاء الديموقراطيون إلى الحكم في أمريكا تم استئناف الدعم المالي للوكالة بعد ان أوقفه ترامب، وحكومة السويد أوقفت الدعم المالي للأونروا بعد ان كانت في مقدمة الدول التي تدافع عن الأونروا وتدعمها بشكل لافت مادياً ومعنوياً وسياسياً.

الخطوة الاستراتيجية الفعلية التي يمكن أن تبدأ وتنتشل الأونروا على أن تليها الخطوات التصاعدية لم تبدأ بعد…، هناك حراك متناثر مهم على الصعيد الشعبي والإعلامي والسياسي والقانوني والدبلوماسي، لكنه غير مؤثر في تعديل المسار في أروقة السياسة الدولية حيث تصنع وتصاغ القرارات بدليل ما نراه ونتابعه من مؤشرات تزداد يوماً بعد يوم في محاصرة وخنق الوكالة ومحاولة شلّ قدراتها عن القيام بدورها ومهامها، وهذا الذي يجب التوقف عنده والتفكير فيه بحيث يتحول هذا الجهد المتناثر إلى كتلة صلبة ثقيلة ومؤثرة على صانع القرار للوصول الى موازين قوى دولية جديدة تُنتزع من خلالها الحقوق.

 

 

موضوعات ذات صلة