افتتحت لينا يوسف أميوني صباحها ككل يوم. تتابع تفاصيل منزلها، تطمئن إلى أبنائها الأربعة، ثم تستعد لمغادرة البيت متوجهة إلى عملها. مشهد يتكرر يوميًا في مخيم البرج الشمالي، لكنه بالنسبة إليها لا يختصر روتينًا عاديًا، بل يعكس رحلة طويلة من المسؤوليات التي اختارت أن تحملها بإرادتها.
لينا، الفلسطينية المقيمة في المخيم، والحاصلة على درجة الماجستير في علم النفس العيادي، ليست مجرد أم أو موظفة. فهي واحدة من نساء كثيرات وجدن أنفسهن أمام مسؤوليات متزايدة فرضتها سنوات اللجوء والأزمات الاقتصادية والحرب، فكان عليهن أن يوازنّ بين رعاية الأسرة والعمل وخدمة المجتمع.
وتقول إن الحياة داخل المخيم علمتها أن المسؤولية لا يمكن تقسيمها بين الرجل والمرأة، بل يجب أن تكون شراكة حقيقية داخل الأسرة، وهو ما تحرص على تطبيقه مع زوجها وأبنائها، حيث يتقاسم الجميع تفاصيل الحياة اليومية، في محاولة لتخفيف الأعباء عن بعضهم البعض.
الدعم النفسي… مهنة ورسالة
داخل مقر عملها في إحدى الجمعيات العاملة في المخيم، تستقبل لينا أشخاصًا يحملون قصصًا مختلفة، لكنهم يشتركون في البحث عن من يستمع إليهم.
تعمل في مجال الدعم النفسي والاجتماعي، مقدمةً الاستشارات والمساندة لكل من يلجأ إليها، في مجتمع أنهكته الأزمات المتراكمة، من تدهور الأوضاع الاقتصادية إلى تداعيات الحرب وما تركته من آثار نفسية واجتماعية على العائلات.
وتؤمن بأن الدعم النفسي لم يعد خدمة تكميلية، بل أصبح ضرورة يومية، خصوصًا للأطفال والنساء والعائلات التي تعيش ضغوطًا متواصلة، مشيرة إلى أن كثيرًا من الناس يحتاجون قبل أي شيء إلى من يصغي إليهم ويفهم ما يمرون به.
المرأة الفلسطينية… أدوار تتسع مع الأزمات
وترى لينا أن دور المرأة الفلسطينية تغيّر بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، فلم تعد مسؤوليتها تقتصر على تربية الأبناء وإدارة شؤون المنزل، بل أصبحت شريكة في العمل، وتأمين احتياجات الأسرة، ومساندة رب الأسرة في مواجهة الأعباء الاقتصادية التي تتزايد يومًا بعد آخر.
وتضيف أن المرأة الفلسطينية أثبتت قدرتها على التكيف مع الظروف الصعبة، دون أن تتخلى عن دورها الأسري أو المجتمعي، وهو ما جعلها تتحمل مسؤوليات متعددة في وقت واحد.
ولا تبدو هذه التجربة حالة فردية، بل تعكس واقعًا أوسع داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، حيث تشكل النساء نحو 49.6% من إجمالي اللاجئين الفلسطينيين، فيما تعمل 18.5% منهن للمساهمة في إعالة أسرهن، وهو ما يعكس حجم المسؤوليات الاقتصادية والاجتماعية التي تتحملها المرأة الفلسطينية اليوم.
حكاية واحدة… تشبه حكايات كثيرات
قد تختلف تفاصيل الحياة بين بيت وآخر، لكن المشهد العام يكاد يكون واحدًا. نساء يبدأن يومهن قبل الجميع، وينهينه بعد الجميع، متنقلات بين مسؤوليات الأسرة والعمل، دون أن يتخلين عن دورهن في خدمة المجتمع.
ولينا واحدة من هذه الوجوه التي اختارت أن تواجه الواقع بالفعل لا بالكلام، وأن تجعل من تخصصها الأكاديمي وسيلة لمساندة الآخرين، ومن تجربتها الشخصية مصدر قوة لكل من يحتاج إلى الدعم.
وفي ختام حديثها، تختصر فلسفتها في الحياة بجملة تلخص رحلة سنوات طويلة من التحديات، قائلة: “إن الحياة عقيدة وكفاح… إن الحياة عقيدة وجهاد. اليوم يمكن نحنا ما اخترنا أقدارنا، ولكننا نستطيع كتابة النهاية، وأنا اخترت أكون قوية… اخترت ما أستسلم”.
قد تكون كلمات لينا خاتمة مقابلة صحفية، لكنها بالنسبة لكثير من النساء الفلسطينيات في مخيمات جنوب لبنان، تشبه بداية حكاية جديدة تتجدد كل صباح. فخلف كل امرأة تحمل مسؤوليات بيتها وعملها ومجتمعها، قصة صمود لا تُكتب بالعناوين، بل تُروى في تفاصيل الحياة اليومية