خالد بركات – خاص صدى الشتات
في الوقت الذي يواجه فيه الشعب الفلسطيني حرب إبادة استعمارية متواصلة، ويخوض معركة تاريخية دفاعًا عن وجوده وحقوقه الوطنية، تعود السلطة الفلسطينية إلى ما تسميه “إحياء الاتحادات والمنظمات الشعبية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية”.
وتبرز في هذا السياق محاولات إعادة تفعيل الاتحاد العام لطلبة فلسطين والاتحاد العام للأدباء والكتاب الفلسطينيين، عبر “مؤتمرات” وإجراءات صورية تُعقد في بيروت، وتُسوَّق بوصفها خطوة لإعادة بناء المؤسسات الوطنية.
غير أن هذه الخطوات تطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام عملية حقيقية لإعادة بناء المؤسسات الشعبية الفلسطينية، أم أمام محاولة جديدة لإعادة إنتاج هياكل فقدت شرعيتها الجماهيرية، وتحولت إلى أدوات تخدم مصالح طبقة سياسية ضيقة؟
إن الأزمة لا تكمن في فكرة إعادة تفعيل الاتحادات الشعبية بحد ذاتها، فالحركة الوطنية الفلسطينية بحاجة فعلًا إلى مؤسسات جماهيرية فاعلة وموحدة. لكن المشكلة تكمن في الآلية التي يجري من خلالها هذا “الإحياء”.
فالمؤتمرات التي تُعقد اليوم ليست سوى “همروجة” و”فزعة” شكليتين، لا تستندان إلى انتخابات فلسطينية عامة، ولا تتيحان مشاركة الفلسطينيين في الوطن والشتات، ولا تعكسان التحولات العميقة التي شهدها شعبنا خلال العقود الماضية. بل تبدوان أقرب إلى عملية تعيين وإعادة توزيع للأدوار داخل إطار سياسي تهيمن عليه السلطة الفلسطينية في رام الله.
والأخطر من ذلك أن هذه المحاولة ليست جديدة، بل تعيد إنتاج نهج قديم يقوم على استدعاء الاتحادات الشعبية كلما اقتضت الحاجة السياسية ذلك، ولا سيما عند الحديث عن إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني أو إعادة ترتيب موازين القوى داخل “مؤسسات” منظمة التحرير. وبدلًا من أن تكون الاتحادات أطر شعبية تمثل قطاعاتها الاجتماعية، يجري توظيفها كأدوات لإعادة إنتاج احتكار التمثيل، وإقصاء قوى وطنية وشعبية واسعة لا تنضوي تحت البرنامج السياسي الذي تأسس بعد اتفاق أوسلو سيئ الصيت.
وقد عرف الفلسطينيون هذا المشهد من قبل. ففي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، تحول الاتحاد العام للأدباء والكتاب الفلسطينيين إلى ساحة صراع سياسي وثقافي، عندما سعت قيادة منظمة التحرير، عقب الخروج من بيروت، إلى فرض هيمنتها عليه، بما يسمح بتمرير خياراتها السياسية عبر المؤسسة الثقافية، وتحويل المثقف الفلسطيني إلى أداة تمنح الشرعية لسياسات القيادة الرسمية.
وأثار ذلك آنذاك نقاشًا عميقًا حول استقلالية المؤسسات الثقافية ودور المثقف الفلسطيني: هل هو ضمير الشعب وحارس مشروعه التحرري، أم موظف سياسي يبرر خيارات السلطة؟
أما اليوم، فإن الصورة أكثر قتامة. فلم يعد الحديث يدور حول السيطرة على مؤسسة جماهيرية قائمة، بل حول إحياء مؤسسات غابت عن الحياة الوطنية منذ سنوات طويلة، وعقد مؤتمرات شكلية باسمها، غالبًا برعاية السفارات، وفي ظل غياب شبه كامل للقواعد الجماهيرية التي يُفترض أن تمثلها.
وهكذا تتحول الأسماء التاريخية إلى مجرد واجهات تمنح انطباعًا زائفًا بوجود حياة تنظيمية وديمقراطية، بينما تبقى الجماهير الفلسطينية، ولا سيما في الشتات، خارج عملية صنع القرار.
وينطبق الأمر ذاته على الاتحاد العام لطلبة فلسطين، الذي شكّل يومًا أحد أهم روافع الثورة الفلسطينية، ومدرسة سياسية وتنظيمية تخرج فيها أجيال من القادة والمناضلين.
أما الحديث اليوم عن إحيائه عبر مؤتمر محدود في بيروت، لا يستند إلى انتخابات حرة تشمل الجامعات الفلسطينية والعربية والدولية، ولا يشارك فيه عشرات آلاف الطلبة الفلسطينيين المنتشرين في أنحاء العالم، فلا يمكن اعتباره إعادة بناء للاتحاد، بل محاولة لاحتكار اسمه ورصيده التاريخي.
إن القضية، في جوهرها، ليست قضية أسماء أو هياكل تنظيمية، وإنما قضية شرعية وطنية. فلا يجوز لأي جهة، مهما كان تاريخها، أن تحتكر تمثيل الطلبة أو العمال أو الكتّاب أو المرأة أو الشباب الفلسطينيين، بينما يعيش أكثر من نصف الشعب الفلسطيني في الشتات، ويُستبعد من المشاركة في اختيار ممثليه.
لقد أفضت التحولات التي أعقبت اتفاق أوسلو إلى إفراغ معظم الاتحادات الشعبية من مضمونها الكفاحي، وحولت كثيرًا منها من أدوات للتعبئة والتنظيم الشعبي إلى هياكل بيروقراطية مرتبطة بالسلطة السياسية، في الوقت الذي بقيت فيه قطاعات واسعة من الفلسطينيين، وخاصة في مخيمات اللجوء والشتات، خارج أي تمثيل حقيقي.
واليوم، وبعد حرب الإبادة على غزة، وما رافقها من انتفاضة شعبية عالمية تضامنًا مع فلسطين، وصعود حركة طلابية دولية غير مسبوقة، وتنامي دور الفلسطينيين في الشتات في قيادة حملات المقاطعة والتضامن، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى إلى مسار مختلف، لا يقوم على إعادة تدوير المؤسسات القديمة، بل على إعادة تأسيس الحركة الشعبية الفلسطينية على أسس جديدة.
إن المطلوب ليس إحياء يافطات فقدت مضمونها، بل إطلاق عملية تأسيس وطنية شاملة تبني اتحادات شعبية فلسطينية مستقلة وثورية، تضم الطلبة والعمال والكتّاب والمرأة والشباب والأكاديميين والفنانين وسائر القطاعات الشعبية، على قاعدة الانتخاب الحر والتمثيل الديمقراطي الواسع، بعيدًا عن المحاصصة والاحتكار الحزبي.
كما ينبغي أن تكون هذه الاتحادات جزءًا من مشروع وطني تحرري يقطع مع النهج الذي كرّسه اتفاق أوسلو، ويرفض اختزال القضية الفلسطينية في سلطة محدودة الصلاحيات تعمل تحت الاحتلال، ويعيد الاعتبار إلى حركة وطنية تستند إلى الشعب الفلسطيني بكل مكوناته، في الوطن والشتات، وإلى البرنامج التاريخي القائم على التحرير والعودة وتقرير المصير.
إن الحركة الوطنية الفلسطينية، وقوى المقاومة على نحو خاص، مطالبة اليوم بالانتقال من موقع الاعتراض إلى موقع المبادرة. فلم يعد كافيًا التشكيك في شرعية المؤتمرات الصورية أو فضح طابعها الإقصائي، بل أصبح من الضروري الشروع في بناء البديل الثوري الديمقراطي، القائم على المشاركة الشعبية والاستقلالية والوحدة النضالية، بما يعيد للاتحادات الشعبية دورها الطبيعي باعتبارها أدوات لتنظيم الجماهير، والدفاع عن مصالحها، والمساهمة في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني.
فالمعركة اليوم ليست ضد الاحتلال والاستعمار فحسب، بل أيضًا ضد منظومة سياسية حوّلت المؤسسات الشعبية إلى أدوات للصراع على النفوذ وتكريس الاحتكار.
ولن يكون بالإمكان إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني إلا بإعادة القرار إلى أصحابه الحقيقيين: جماهير الشعب الفلسطيني، صاحبة الحق وحدها في اختيار ممثليها، وبناء مؤسساتها، ورسم مستقبل حركتها الوطنية.