| |

حقوق الفلسطينيين في لبنان: نقباء يضغطون على المجلس الاقتصادي

الكاتبأديب نعمة

فشل المجلس الاقتصادي الاجتماعي في جلسته يوم الأربعاء 24 تموز 2026 في إقرار رأي استشاري يتعلق بمبادئ تنظيم الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين في لبنان. فما ان بدأت المناقشة التي يُفترض أن تكون الأخيرة لإقرار الرأي/الموقف، حتى تكرر النقاش والاعتراضات السابقة التي تتميز باستقطاب حاد في المواقف، ثم فُقد النصاب، وطارت الجلسة.

وكان المجلس قد أحال طلب لجنة الحوار إلى لجنة التنمية البشرية وحقوق الانسان في المجلس في أيار 2026، وطلب إليها إعداد مشروع الرأي. وأرسلت اللجنة المكلفة المسودة الأولى لمشروع الرأي يوم 21 أيار. تلت ذلك جمعيتان عموميتان في 3 و24 حزيران لمناقشة المسودة التي تم تعديلها بين الاجتماعين بناء على بعض الملاحظات. استمر التباين في الآراء، فجرت محاولة إضافية جمعت أصحاب وجهات النظر المختلفة، ولكنّها كرست التباين الشديد في وجهات النظر. وكان اجتماع الجمعية العامة في 24 تموز النتيجة الطبيعية لهذا التباين، إن لم نقل الخلاف العميق والمبدئي في وجهات النظر.

وكانت لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني قد أرسلت طلباً بواسطة رئاسة الحكومة إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي، تعلمه فيه أنها في صدد إعداد مشروع قانون لتنظيم الأوضاع القانونية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وعددت المبادئ التي تنوي اعتمادها في مشروع القانون، وطلبت رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي فيها وفي أثرها الاقتصادي والاجتماعي المحتمل على لبنان وعلى اللاجئين.

تلخيص رأي اللجنة

أعدت لجنة التنمية البشرية وحقوق الانسان في المجلس دراسة موسعة نسبياً، اعتبرت فيها المبادئ المشار اليها ترجمة وتنفيذاً للرؤية المشتركة اللبنانية – الفلسطينية لقضايا اللجوء، التي سبق للجنة الحوار أن اعتمدتها بعد حوار سياسي استمر بين العامين 2015 و2017، شاركت فيه الكتل البرلمانية الرئيسية (القوات اللبنانية، الكتائب، التيار الوطني الحر، حزب الله، حركة أمل، الحزب التقدمي الاشتراكي، تيار المستقبل)، وقد أطلقت وثيقة الرؤية في العام 2017 في احتفال سياسي واسع في السراي الحكومي، بمشاركة وحضور كل الأحزاب المشار اليها.

أما لجهة المضمون فرأت مسودة الرأي التي أعدتها اللجنة أن هذه المبادئ منسجمة مع الدستور، ومع منظومة حقوق الانسان من جهة أولى؛ كما رأت أن المحصلة العامة للأثر الاقتصادي والاجتماعي هي إيجابية على لبنان وعلى اللاجئين. كما أنها منسجمة مع تقرير لبنان أمام مجلس حقوق الانسان المقدم مطلع العام 2026، ومنسجمة مع الخطة الوطنية لحقوق الانسان للأعوام من 2026 إلى 2030، والتي تضمّنت هذه المبادئ نفسها، وأكثر منها، باعتبارها توجهات الحكومة الحالية.

يمكن تلخيص هذه المبادئ التي دعمتها مسودة الرأي في النقاط التالية:

• اعتماد نص قانوني واضح لتعريف التوطين واللاجئ الفلسطيني.

• تأكيد إلغاء مبدأ المعاملة بالمثل (2010)، وإزالة العقبات الإجرائية التي تعرقل دخول اللاجئين الى سوق العمل بشكل نظامي، وتوسيع دائرة المهن التي يسمح لهم بممارستها.

• فتح حوار بين لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني ونقابات المهن المنظمة بموجب قوانين خاصة، لاسيما المهن الحرة (محامون، أطباء، مهندسون…)، من أجل التباحث معهم في انعكاس إلغاء مبدأ المعاملة بالمثل على المهن التي يمثلونها.

• تنفيذ القوانين التي تتيح الانتساب إلى الضمان الاجتماعي، وإزالة العقبات أمام ذلك، وإعطاء اللاجئين الفلسطينيين أفضلية على باقي الأجانب في الإفادة من التعليم والخدمات الصحية.

• تصحيح نتائج القانون التمييزي الرقم 296/2001 الذي يمنع الفلسطينيين حصراً من حق التملك، ومعالجة الآثار التي نتجت عن تطبيقه.

• تمكين اللاجئين الفلسطينيين من تأسيس الجمعيات التنموية والأندية الاجتماعية والثقافية وتنظيمها بموجب القانون…الخ.

الاعتراضات الجاهزة

بمجرد أن اطلع الاعضاء على مضمون الموقف المقترح من قبل اللجنة، حتّى انفجرت الاعتراضات مباشرة وبشكل حاد. وكان أبرز المعترضين ممثلو بعض المهن الحرة في بيروت، وممثلو الاتحاد العمالي العام وإن بشكل اقل حدة، في حين كانت هناك أصوات أخرى وجدت في ما هو مقترح موقفاً مقبولاً ومسنوداً إلى معطيات علمية.

واللافت هو أن بعض ممثلي نقابات المهن الحرة في المجلس، نقلوا هذه النقاش الذي كان لا يزال في مراحله الأولى إلى نقبائهم، بما يشبه الشكوى والاستعانة بهم للضغط على النقاشات التي يفترض أن تدور في المجلس لا خارجه، والتي يفترض أن يقوم بالحوار حولها ممثلو النقابات في المجلس بأشخاصهم لا بالوكالة او الواسطة. لكن ما حصل هو خلاف ذلك تماماً.

مذكرة الاعتراض الموقعة من النقباء الخمسة

دون سابق انذار، بدأ همس له طابع سياسي حول الموضوع. وصدرت مذكرة اعتراضية من 26 صفحة موقعة من نقيبي المحامين في بيروت وطرابلس، ونقيبي الأطباء والمهندسين في بيروت، ونقيب خبراء المحاسبة في لبنان، تهاجم كل النقاط الواردة في مشروع الرأي المفصل الذي أعدته لجنة التنمية البشرية وحقوق الانسان في المجلس، وتعترض عليه جملة وتفصيلاً. وشكّل مضمون هذه المذكرة الموقعة من النقباء المدخل الأكثر أهمية وتأثيراً في الضغط على المجلس. وكانت هناك رسائل أخرى – منها رسالة موقف مستقلة من نقيب خبراء المحاسبة – تصب في الاتجاه نفسه.

سجلت رئاسة المجلس رفضها لهذه الرسالة واعتبرت انه لا يجوز للنقباء مخاطبة المجلس على هذه النحو، لكن لم يرسل رد مباشر وصريح على المذكرة الى النقباء، كما هو مفترض، علماً بأن مذكرة النقباء أرسلت أيضاً الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، والأمانة العامة لمجلس النواب، في ما يبدو أنه شكاية أخرى ومحاولة ضغط إضافية على موقف المجلس.

مذكرة النقباء: مخالفات في الشكل

يمكن تسجيل ثلاث مخالفات جوهرية كشفها إرسال هذه المذكرة:

1. لم يكن مناسباً على الاطلاق (إن لم نقل ليس جائزاً) مخاطبة المجلس الاقتصادي والاجتماعي بمذكرة اعتراضية على رأي لم يصدر بعد عن المجلس. كما لا يجوز أن تتم مخاطبة المجلس بهدف الضغط عليه والتأثير على مجرى المناقشات الداخلية، ولا شكاية المجلس الى مجلسي النواب والوزراء على النحو الذي قام به النقباء الذين يفترض أن يكونوا مدركين لذلك.

2. ارتكب ممثلو النقابات الموقعة على المذكرة في المجلس مخالفة شخصية، إذ سارعوا إلى الاستعانة بالنقباء بدل المشاركة الإيجابية في نقاش داخلي مع زملائهم في المجلس، وذلك بعد اول جلسة عرض ومناقشة لمشروع الرأي. وفي هذه خطأ فردي يتحملون مسؤوليته بصفة شخصية. إلا أن تجاوب النقباء مع طلب الاستعانة المتسرعة من ممثليهم، حوّل هذه الخطأ الشخصي الى خطأ مؤسسي اكثر خطورة لأنه يولّد مناخاً من المواجهة بين المؤسسات المعنية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي. كما أن مسارعتهم الى مثل هذه التدخل الضاغط يعني عملياً تهميش دور ممثليهم في المجلس وتحويلهم من ممثلين محاورين عن نقاباتهم بقدراتهم الشخصية، إلى مجرد صدى لمواقف تأتي من خارج المجلس.

3. الرأي الذي أبداه النقباء الموقعون على المذكرة هو موقف سياسي بحت لا علاقة له بالمهنة وبتنظيم المهنة الا بشكل فرعي وثانوي جداً. والأرجح أن هذا الموقف (لاسيما من موضوع التوطين والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين في لبنان) مرتبط بالخلفية السياسية الشخصية لهؤلاء النقباء. وثمة مشكلة هيكلية وخطيرة هنا تتمثل في أن من يصل الى موقع مسؤولية (نقابية في حالتنا هذه) وهو غالباً ما يكون نتيجة ائتلافات سياسية داعمة له دخل النقابة المعنية، يسمح لنفسه أن يختزل النقابة في شخصه، ويسمح لنفسه بإسقاط موقفه السياسي على النقابة كمؤسسة، وفي موضوع لا يخص النقابة او تنظيم المهنة المعنية. فالنقيب هنا يميل الى تقمص سلوك “الزعيم التقليدي” الذي يختزل المؤيدين والموالين له، أكثر مما يتصرف كمسؤول نقابي في مؤسسة حديثة تقوم على المواطنية والممارسة الديمقراطية.

هذه الأسباب الشكلية تكفي لاعتبار مذكرة النقباء الخمسة صادرة عن غير ذي صفة، وغير ذي مصلحة، وموجهة الى العنوان الخاطئ، وهو المجلس الاقتصادي الاجتماعي، في حين أن الصحيح هو أن تعترض الأحزاب التي يؤيدها أو ينتمي اليها النقباء (لا النقباء) على توجه الحكومة نفسها لا على مناقشات المجلس الاقتصادي والاجتماعي. وحينها ثمة إشكالية أخرى يجب توضيحها، هل الأحزاب السياسية التي وقعت وثيقة الرؤية المشتركة اللبنانية الفلسطينية في العام 2017، واحتفلت بذلك، قد عممت موقفها على محازبيها ومؤيديها المباشرين وغير المباشرين، أم لا؟

موضوعات ذات صلة