أحمل وثيقة سفر لبنانية، وأسافر بها إلى العالم. ووُلدت على أرض لبنان، وتحمل شهادة ميلادي اسم هذه الأرض. نشأت في مخيماته ومدنه، وأكلت من خيره، وشربت من مائه، وتنفسـت هواءه، وعشت بين أهله إخوةً وأصدقاء.
لم أعرف ملعبًا إلا في لبنان، ولم أرتدِ قميص نادٍ إلا على ملاعبه، ولم يكن حلمي منذ طفولتي إلا أن أمارس كرة القدم وأحقق ذاتي في الأندية اللبنانية، وأن أرفع اسم فلسطين من خلال نجاحي في الرياضة التي احتضنتني على هذه الأرض.
فكيف أصبح، عند دخول الملعب، أجنبيًا؟
هذا السؤال لم يعد مجرد شعور يراود اللاعب الفلسطيني، بل أصبح حقيقة فرضها القرار الأخير للاتحاد اللبناني لكرة القدم، الذي اعتبر اللاعب الفلسطيني المولود في لبنان، والحامل لوثيقة السفر اللبنانية، لاعبًا أجنبيًا ضمن حصة اللاعبين الأجانب الخمسة في أندية الدرجة الأولى، بعد أن كان يعامل سابقًا كلاعب محلي، سواء في الدرجة الأولى والثانية وغيرها أو في الفئات العمرية.
إن هذا القرار لا يغيّر توصيفًا إداريًا فحسب، بل يغيّر مستقبل مئات اللاعبين الفلسطينيين الذين نشأوا في لبنان، وتدرجوا في الأندية اللبنانية، وأسهموا على مدى سنوات في تطوير كرة القدم اللبنانية، وقدموا نماذج مشرّفة داخل الملاعب، دون أن يكونوا يومًا عبئًا على اللعبة أو على أنديتها.
في السابق، كانت هناك نافذة أمل حقيقية أمام اللاعب الفلسطيني، إذ كان بإمكان كل نادٍ في الدرجة الأولى تسجيل لاعب فلسطيني واحد كلاعب محلي، الأمر الذي أتاح الفرصة لاكتشاف المواهب وصقلها. أما اليوم، فقد أصبح اللاعب الفلسطيني مضطرًا إلى انتظار الأندية حتى تنهي اختيار لاعبيها الأجانب، فإن بقي مكان ضمن المقاعد الخمسة كان له أمل، وإن لم يبقَ، أُغلقت الأبواب أمامه.
ولا يمكن لوم الأندية اللبنانية على بحثها عن مصلحتها الفنية، فمن الطبيعي أن تسعى إلى التعاقد مع أفضل اللاعبين الأجانب القادمين من الدول العربية أو الإفريقية أو حتى من بعض الدول الأوروبية، بما يخدم طموحاتها ونتائجها. لكن النتيجة العملية لهذا القرار أن اللاعب الفلسطيني أصبح مطالبًا بأن يكون أفضل من اللاعب اللبناني أولًا، ثم أفضل من جميع اللاعبين الأجانب المرشحين للمقاعد الخمسة ثانيًا، وهي منافسة غير متكافئة تقلص فرصه في اللعب والتطور.
أما السماح بتسجيل اللاعبين الفلسطينيين كلاعبين محليين في أندية الدرجة الثانية، فرغم ما يحمله من جانب إيجابي، فإنه لا يعوض خسارة اللاعب الطموح الذي يحلم بالوصول إلى أعلى المستويات. فالدرجة الأولى هي بوابة الاحتراف، وهي المكان الذي يحظى بالمتابعة الإعلامية والفنية، ومنها يتم رصد اللاعبين القادرين على تمثيل المنتخبات الوطنية.
ومن واقع التجربة، فإن اللعب في الدرجة الثانية لا يمنح اللاعب الفلسطيني الفرص نفسها، وقد شاهدنا في السنوات الماضية كيف أثرت بعض القرارات التنظيمية، ومنها ما تعلق بحراس المرمى الفلسطينيين، سلبًا على مسيرتهم الرياضية وفرصهم في تمثيل منتخب فلسطين.
ويأتي هذا القرار في وقت تمر فيه القضية الفلسطينية بواحدة من أصعب مراحلها، حيث تتعرض لمحاولات مستمرة لتصفية الحقوق الوطنية، وفي مقدمتها حق العودة، ويتعرض الشعب الفلسطيني لحرب وجود وهوية. وكان المنتظر من الرياضة، بوصفها لغة إنسانية وجسرًا للتواصل بين الشعوب، أن تكون مساحة للعدالة واحتضان المواهب، لا وسيلة لإضافة أعباء جديدة على اللاجئ الفلسطيني الذي يعيش أصلًا ظروفًا استثنائية في لبنان.
إننا لا نطالب بالجنسية اللبنانية، ولا ننازع أحدًا على حقوقه، ولا نطلب امتيازات خاصة، وإنما نطالب بالعدالة والإنصاف للاعب فلسطيني وُلد في لبنان، وتربى في أنديته، واحترم قوانينه، وقدم الكثير لكرة القدم اللبنانية، وظل في الوقت نفسه متمسكًا بهويته الفلسطينية وحقه في العودة إلى وطنه.
لقد كانت الأندية اللبنانية، وما زالت، بوابة التميز أمام اللاعب الفلسطيني، ومنها انطلقت أسماء كثيرة صنعت نجاحها الرياضي، وأسهمت في خدمة كرة القدم اللبنانية والفلسطينية معًا بدأ من جمال الخطيب وعمر ادلبي وياسر منصور ووسيم ومحمد حبوس وغيرهم الكثير. ولذلك فإن الحفاظ على هذه العلاقة التاريخية يصب في مصلحة الجميع، ويعزز القيم التي قامت عليها الرياضة من تكافؤ الفرص واحترام الإنسان.
إن إعادة النظر في هذا القرار ليست مطلبًا فلسطينيًا فحسب، بل هي خطوة تعزز صورة كرة القدم اللبنانية بوصفها رياضة تؤمن بالعدالة والإنصاف، وتفتح أبوابها أمام كل موهبة تستحق الفرصة.
فاللاعب الفلسطيني لم يكن يومًا غريبًا عن الملاعب اللبنانية، ولن يكون كذلك مهما تغيرت اللوائح.
ويبقى السؤال الذي ينتظر جوابًا منصفًا:
كيف أكون أجنبيًا في الملاعب اللبنانية، وأنا أحمل وثيقة ميلاد وسفر لبانية، ولم أعرف وطنًا في حياتي اليومية سوى لبنان، ولم أعرف حلمًا رياضيًا إلا على ملاعبه؟