| |

"ناتو إسلامي" يعيد رسم الشرق الأوسط الجديد
قراءة في تحالف مكة الدفاعي وتداعياته على هيمنة واشنطن وفشل الدرع العربي

الكاتبخالد سعيد نزال

يصفه البعض بـ”الناتو الإسلامي”، لكنه في الحقيقة تحالف براغماتي ضد حالة الفراغ الأمني التي خلفتها ترددات واشنطن وعجز المنظومات العربية التقليدية. في يوم الجمعة 7 أغسطس/آب 2026، وقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في مكة المكرمة، “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”. الاتفاقية، التي جاءت بعد نحو عام من المفاوضاتت، تنص على أن “أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعتبر هجوماً على جميعها”، في محاكاة واضحة للمادة الخامسة من معاهدة الناتو.

غير أن هذا التحالف لا يُقرأ بمعزل عن سياقه: حرب أميركية-إسرائيلية على إيران دخلت شهرها السادس، وهجمات حوثية متجددة، وشكوك متزايدة حول موثوقية واشنطن. إنها لحظة ينهار فيها القديم قبل أن يولد الجديد.

أولاً: تحديث المشهد – ماذا حدث في الحرب خلال ستة أشهر؟

انطلقت الحرب في 28 فبراير/شباط 2026 بضربات أميركية-إسرائيلية مشتركة على إيران، أسفرت عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. ردت طهران فوراً بإطلاق دفعات من الصواريخ والمسيّرات نحو أهداف في دول الخليج. في 2 مارس/آذار، اتسعت رقعة الحرب بدخول حزب الله اللبناني على خط المواجهة.

بحلول يونيو/حزيران 2026، توصلت واشنطن وطهران إلى مذكرة تفاهم من 14 بنداً، تمثل المرحلة الأولى من مفاوضات تستمر 60 يوماً لمناقشة الملف النووي. لكن مسار التصعيد لم يتوقف. في 1 أغسطس/آب 2026، هدد الرئيس ترامب بشن “ضربات عنيفة للغاية” على إيران، قبل أن يتراجع في اليوم التالي ويعلن إلغاء الضربات المخطط لها، بزعم استجابة لطلبات من إيران ودول المنطقة. وأعلن أن الولايات المتحدة ستجري محادثات مع إيران في 3 أغسطس.

في 4 أغسطس، كشف خبير عسكري أميركي أن واشنطن حوّلت تكتيكها في الحرب نحو زعزعة الاستقرار الداخلي في إيران. وبلغت تكلفة الحرب حتى ذلك التاريخ نحو 37.5 مليار دولار. وفي 6 أغسطس، أعلن الحوثيون مهاجمة “تحشيدات سعودية” في معسكرات حكومية باليمن.
هذا المشهد المتقلب – بين التفاوض والتهديد، بين التراجع الأميركي والهجمات الحوثية – هو الخلفية المباشرة التي ولّدت الحاجة السعودية الملحّة إلى تحالف دفاعي بديل.

ثانياً: جوهر الاتفاقية – “ناتو إسلامي” أم تحالف ردعي براغماتي؟

تحاكي الاتفاقية المادة الخامسة من الناتو، لكنها تفتقر حتى الآن إلى الهياكل المؤسسية الكاملة: قيادة عسكرية موحدة، وميزانية مشتركة، وآليات تشغيلية محددة. ومع ذلك، كشفت مصادر أن العمل على الاتفاقية استمر لنحو عام، وأنها منفتحة على انضمام دول إقليمية جديدة وفق شروط محددة.
أما فيما يتعلق بالتمويل والآليات المالية، فلم تعلن الأطراف الثلاثة عن صندوق تمويل مشترك أو آلية محددة لتقاسم التكاليف. الاتفاقية، في مرحلتها الحالية، هي إطار سياسي-قانوني للالتزام الدفاعي، يُترك تفعيله العملياتي لمراحل لاحقة. لكن التكامل العملي المتوقع يشمل: تكامل أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، دوريات بحرية مشتركة في البحر الأحمر وبحر العرب والشرق الأوسط، وتنسيق مشتريات الأسلحة، ونقل التكنولوجيا العسكرية التركية (خاصة المسيّرات والحرب الإلكترونية) إلى السعودية وباكستان. التمويل، بغياب صندوق موحد، سيعتمد على مساهمات ثنائية حسب المشاريع، على أن تكون السعودية (بوصفها الطرف الأغنى) المموّل الأكبر.

وصفها الناطق باسم الدبلوماسية السعودية السفير د.رايد كريملي بأنها “لا تمثل محوراً عسكرياً أو تكتلاً مذهبياً، ولا ترتبط بأي طموحات نووية أو سباق تسلح، بل تركز على بناء قدرات مستدامة”، مؤكداً أنها “لا تشكل تهديداً لأمن أي دولة في المنطقة”.

ثالثاً: المثلث الاستراتيجي – لماذا هذه الدول بالذات؟

يجمع التحالف ثلاثة عناصر متكاملة: السعودية (القوة المالية والموقع الجغرافي والنفوذ الديني)، تركيا (ثاني أكبر جيش في الناتو، صناعة دفاعية متطورة، وخبرة تشغيلية)، وباكستان (الدولة المسلمة الوحيدة الممتلكة للسلاح النووي، وجيش كبير). هذا المزيج – المال، والقوة العسكرية التقليدية، والردع النووي – لم تشهده المنطقة من قبل.

رابعاً: قراءة إيران للتحالف – بين الرفض والاستهانة

لم تتأخر طهران في الرد. فور توقيع الاتفاقية، انتقد الناطق باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي الاتفاقية، واصفاً إياها بـ”الاتفاق الورقي” الذي “لن يحقق الأمن للسعودية، تماماً كما فشلت سنوات من الاعتماد على الولايات المتحدة في فعل ذلك”. ودعا رضائي الرياض إلى “تغيير سياساتها بدلاً من البحث عن ضمانات أمنية من الآخرين”.

هذه القراءة الإيرانية تعكس ثلاث قناعات استراتيجية:

1. الاستهانة بالقدرات العسكرية للتحالف، واعتبار أن باكستان وتركيا لن تخاطراً بدخول حرب مع إيران دفاعاً عن السعودية.
2. الاستمرار في رهان التغيير الداخلي، إذ ترى إيران أن النظام السعودي غير مستقر، وأن الضمانات الخارجية لن تحميه.
3. محاولة احتواء التداعيات الدبلوماسية، عبر التقليل من شأن الاتفاقية لمنع انضمام دول أخرى إليها.

غير أن التحركات الإيرانية المحتملة تتجاوز التصريحات: تعزيز العلاقات مع روسيا والصين والهند كموازنة، وزيادة الدعم للحوثيين لإشغال السعودية في جبهة يمنية مكلفة، وتصعيد الأنشطة البحرية في مضيق هرمز – وهو ما هدد ترامب بالرد عليه بعنف إن لم يُفتح.

خامساً: اللاعبون الكبار – روسيا، الصين، ومصر

روسيا: الحاضر الغائب. موسكو تحافظ على علاقات عمل مع الدول الثلاث. لكن التحالف يمنح تركيا فرصة لتوسيع صناعتها الدفاعية برأس مال سعودي وسوق باكستاني، ثم تطبيق تلك القدرات في مناطق تتنافس فيها أنقرة وموسكو بالفعل (سوريا، القوقاز، ليبيا). روسيا تخاطر بخسارة ليس فقط سوقاً، بل درجة من السيطرة على موازين القوى في المنطقة. ومع ذلك، فقد دافعت روسيا سابقاً عن “التملك الإقليمي” للأمن من خلال مفهومها الأمني الجماعي للخليج، مما قد يجعلها تنظر إلى الاتفاقية بارتياب، لكنها لن تعارضها علناً.

الصين: القلق الصامت. باكستان هي “السند الحديدي” للصين وممرها إلى المحيط الهندي عبر ميناء غوادر. أي التزام عسكري باكستاني إضافي قد يُقلق بكين، خاصة إذا تعلق بمواجهة إيران (حليفة الصين النسبية). الوكالة الرسمية الصينية “شينخوا” نقلت الخبر بصيغة محايدة، وهو موقف يبدو أنه ترقب حذر أكثر من كونه تأييداً أو رفضاً. التحدي الأكبر لبكين سيكون في حال طُلب من باكستان تفعيل البند النووي ضد إيران، وهو سيناريو قد تضغط الصين لمنعه.
مصر: الغائب الأكبر. كانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن مصر ستنضم أيضاً إلى الاتفاقية، لكنها لم تفعل. هذا الغياب يطرح تساؤلات عميقة حول حالة العلاقات السعودية-المصرية. كانت مصر جزءاً من اجتماعات رباعية ضمت وزراء خارجية الدول الأربع في الرياض في مارس/آذار 2026 لبحث ترتيبات أمنية مشتركة، وكانت أنقرة تسعى لإشراك القاهرة في الترتيب. لكن غياب مصر عن التوقيع النهائي قد يعكس أحد أمرين: إما خلافات حول شروط الانضمام، أو رغبة مصر في عدم إغضاب إيران أو الولايات المتحدة. تركيا والقاهرة كانتا قد وقعتا اتفاقية عسكرية ثنائية في فبراير/شباط 2026، مما يجعل الغياب المصري أكثر إثارة للتساؤل. يبقى الباب مفتوحاً أمام انضمام دول جديدة, ومصر مرشحة طبيعية، لكن توقيت انضمامها سيكون مؤشراً على عمق هذا التحالف.

سادساً: سيناريوهات بديلة – كيف يمكن أن يتطور (أو ينهار) التحالف؟

المقالات التحليلية غالباً ما تخطئ في افتراض استمرار التحالفات على وتيرة واحدة. إليك أربعة سيناريوهات بديلة:

السيناريو الأول: التحالف يتعزز ويتوسع. تنضم مصر والأردن ودول خليجية أخرى، وتُؤسس هياكل قيادية وميزانية مشتركة، ويتحول إلى “ناتو الشرق” فعلياً. هذا يتطلب استقراراً إقليمياً نسبياً واستمرار التهديد الإيراني.

السيناريو الثاني: انهيار تركيا اقتصادياً. تركيا تعاني من أزمة اقتصادية مزمنة. إذا تفاقمت الأوضاع، قد تضطر أنقرة للانسحاب من التزاماتها الدفاعية، مما يفقد التحالف ثاني أكبر جيش في الناتو وقدراته الصناعية.

السيناريو الثالث: تغير النظام في باكستان. باكستان دولة ذات تاريخ من الانقلابات العسكرية. أي تغيير في القيادة قد يُعيد تقييم التحالف، خاصة إذا جاءت حكومة جديدة أكثر ميلاً لإيران أو أقل ارتباطاً بالسعودية.

السيناريو الرابع: تطبيع سعودي-إسرائيلي مفاجئ. إذا حدث تطبيع كامل بين الرياض وتل أبيب، فقد يفقد التحالف زخمه المعادي لإيران (الذي قد تتقاسمه إسرائيل ضمنياً) ويكتسب بُعداً جديداً، لكنه قد يدفع تركيا وباكستان (الأكثر حساسية للقضية الفلسطينية) إلى التراجع.

السيناريو الخامس: اتفاق أميركي-إيراني شامل. إذا توصلت واشنطن وطهران إلى اتفاق نووي شامل أنهى الحرب، فقد يتراجع الدافع الأساسي للتحالف، لكنه قد يستمر كإطار للتعاون الدفاعي العام.
سابعاً: التحديات والعقبات
رغم الطموح، يواجه التحالف تحديات: غموض الالتزامات (النص لا يحدد بدقة الالتزامات العسكرية لكل طرف، ولا النطاق الجغرافي للضمانة)؛ انقسام الولاءات (تركيا في الناتو، باكستان حليفة للصين، السعودية حليفة لأميركا)؛ التكلفة الاقتصادية؛ والرد الإيراني الذي قد يتخذ شكل سباق تسلح إقليمي جديد.

خلاصة: ولادة نظام أمني جديد – ولكن هل سيعمر؟

اتفاقية مكة ليست مجرد معاهدة؛ إنها إعلان استقلال أمني عن الإرادة الأميركية، واعتراف بفشل الدرع العربي. إنها تعيد تعريف الردع الإقليمي، منتقلة من الاعتماد على القوى الكبرى إلى نظام متعدد الأقطاب.
لكن الاختبار الحقيقي سيكون في لحظة الأزمة. هل ستتحول من وثيقة إلى فعل؟ هل ستتمكن من تنسيق المصالح المتشعبة للدول الثلاث دون أن تصطدم بولاءاتها للغرب والصين؟ وما هو رد إيران العملي، بعيداً عن وصفها للاتفاق بأنه “ورقي”؟
الشرق الأوسط يشهد ولادة نظام أمني جديد. ما إذا كان سيكون ركيزة استقرار أم مصدراً إضافياً للتوتر، فهذا ما ستكشفه الأشهر القادمة. لكن المؤكد أن خريطة المنطقة لن تعود كما كانت قبل 7 أغسطس 2026.

موضوعات ذات صلة