ترددتُ كثيرًا في الكتابة عن قضية الأخ أشرف دبور، إلى أن اتصل بي شخص محترم ومقرّب مني ومن أشرف، وقال لي: “يجب أن يكون لك رأي فيما حصل لأخيك أشرف”. قلت له: يا أخي الكريم، ما فيّ يكفيني، ولا أريد المزيد، ليس خوفًا من أحد، ولكنني تعبت ومللت ولم أعد أكترث.
ومع ذلك، فأنا لست ممن يقفون مع الباطل، وسأبقى مع الحق مهما دفعت من أثمان. ولو رأيت أن أشرف على باطل، لما ترددت في قول ذلك. لكنه، وإن لم يكن ملاكًا، فبالتأكيد ليس شيطانًا. وأنا لا أدافع عنه دفاعًا مطلقًا، لأنني لا أعرف تفاصيل ما جرى، سوى ما يتسرب وما يقوله هو وخصومه، والله وحده أعلم بخفايا الأمور وحقيقتها.
وهنا أشير إلى مسألة أعرف بعض تفاصيلها؛ فكثير من العقارات في لبنان مسجلة بأسماء أشخاص، بعضهم لبنانيون توفاهم الله، إضافة إلى فلسطينيين، ومنهم المرحومان أبو اللطف وشفيق الحوت، وجميعهم لهم ورثة، وبالتالي فإن الأمر يحمل تعقيدات كثيرة.
ومن حق أشرف عليّ، فهو صديق صدوق، وقد وقف إلى جانبي في موقف لا يمكن أن أنساه عام ألفين، عندما كان لي موعد مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، فاتصل بي أشرف وقال: “لا تأتِ اليوم، فهناك فخ منصوب لك على باب المقاطعة”. وبالفعل لم أذهب، ورتب لي موعدًا آخر.
كان أشرف ضمن الدائرة الضيقة في المقاطعة أيام أبو عمار، ومن أهم العاملين فيها، وكان مسؤولًا محترمًا ورصينًا، بعيدًا عن الأضواء والإعلام، وحافظ على قيمته المهنية، وهو يحمل من الأسرار ما لا يعرفه كثيرون.
ومنذ بداية عمله سفيرًا في لبنان، تعرض أشرف لمحاولات لتشويه سمعته، ومنها نشر خبر عن شرائه قصرًا في بيروت بثلاثة ملايين دولار. اتصلت به يومها، فأوضح أن العقار عبارة عن مبنى للسفارة كانت إيجارته تبلغ مئتين وخمسين ألف دولار سنويًا، وأن شراءه جاء باعتباره استثمارًا للمنظمة. وعندما زرت بيروت، تأكدت بنفسي من صحة ما قاله.
وخلال اثني عشر عامًا، مثّل أشرف فلسطين في لبنان بحيوية ونشاط، ونسج علاقات واسعة مع أبناء الجالية الفلسطينية، ولا سيما أبناء المخيمات. وقد شاهدت بأم عيني حجم المحبة التي يكنها له كثير من الفلسطينيين.
أما ما جرى أخيرًا، فأعتقد أنه لم يكن ينبغي أن يصل إلى ما وصل إليه، لو تحلت الأطراف المعنية بالحكمة والذكاء. ويبدو أن التعجل في حسم الأمور وإقصاء أشرف سريعًا كان خطأ جسيمًا، لأن القضية تحولت اليوم إلى شأن إعلامي وشعبي ورسمي واسع، ولم يعد بالإمكان إخفاء تفاصيلها.
وقد أدى تصعيد أشرف، عبر نشر مقاطع فيديو يشرح فيها موقفه، إلى مزيد من التصعيد، وصولاً إلى طلبه عبر الإنتربول واحتجازه في لبنان. لكن ذلك، برأيي، زاد القضية تعقيدًا، وقد ينعكس على خصومه أكثر مما ينعكس عليه.
وأعتقد أن التسوية قد تكون في النهاية المخرج الأفضل، فلا يموت الذئب ولا تفنى الغنم، إذ إن نقل أشرف وتسليمه للسلطة، حتى لو أمكن، لن يكون إلا صبًّا للزيت على النار.
أشرف دبور أصبح شخصية فلسطينية معروفة، ولم يعد التعامل معه كما كان ممكنًا قبل سنوات. وربما كان خطأ خصومه سببًا في أن يكون له شأن أكبر، وصدق المثل: “رُبّ ضارة نافعة”.
أعتقد جازماً أن الحل عند الرئيس..
وبكلمتين: “سكرولنا هالطابق”.
وأقول هنا.. فما عندنا من مشاكل تنوء عن حمله الجبال.. فكل يوم عندنا مشكلة ونسينا أعظم مشاكلنا وهو الاحتلال وعصابات المستوطنين.
حفظ الله أخي أشرف رفيق الدرب، فمن حقة زوجته وأبنائه أن يعود إلى أحضانهم سالمًا وليتفرغ لعائلته بدل هذا الصراع المقيت.