| |

توقيف أشرف دبور يهزّ الساحة الفلسطينية في لبنان
هل حان وقت مراجعة العلاقة بين القيادة والكوادر ووقف التدخلات الفردية؟

الكاتبد. علي ابراهيم

لم يعد توقيف السفير الفلسطيني السابق في لبنان، أشرف دبور، قضية عابرة يمكن حصرها في إطار إجراء أمني أو قضائي، بعدما أحدثت تداعيات سياسية وتنظيمية واسعة داخل الأوساط الفلسطينية في لبنان، وأثارت حالة من الاستنفار والقلق، وفتحت الباب أمام أسئلة أعمق تتعلق بطريقة إدارة الشأن الفلسطيني، وبالعلاقة بين القيادة والكوادر، وبحدود التدخل في القضايا التنظيمية والسياسية في الساحة اللبنانية.

فأشرف دبور ليس شخصية عادية في الذاكرة الفلسطينية؛ فهو ابن مخيم تل الزعتر، ومن أبناء حركة فتح الذين ارتبط تاريخهم النضالي بمراحل مفصلية من تاريخ الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير، وعمل في مواقع متعددة، وكان قريبًا من الرئيس الشهيد ياسر عرفات «أبو عمار». ولذلك فإن التعامل مع قضيته لا يمكن أن ينفصل عن الرمزية التي يمثلها بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني في لبنان.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط: لماذا تم توقيف أشرف دبور؟ بل أيضًا: هل جرى التعامل مع هذه القضية وفق الأصول القانونية والمؤسساتية، أم أنها تعكس أزمة أعمق في إدارة الخلافات داخل الساحة الفلسطينية؟

عندما تتحول الخلافات التنظيمية إلى أزمة وطنية

ما يزيد القضية حساسية هو ما صدر من مواقف منسوبة إلى مسؤول حركة فتح في منطقة صور، اللواء توفيق عبدالله، دعا فيها الرئيس محمود عباس «أبو مازن» إلى التدخل لوقف ما وصفه بالتدخلات الفردية لنجله ياسر عباس في الشأن الفلسطيني اللبناني.

وبصرف النظر عن صحة كل ما يرد في الروايات المتداولة، فإن صدور مثل هذا الموقف من مسؤول تنظيمي في فتح يكشف حجم الاحتقان الذي وصلت إليه الأمور، ويؤكد أن هناك حاجة ملحة إلى مراجعة طريقة إدارة الساحة الفتحاوية والفلسطينية في لبنان.

فالمؤسسات التنظيمية ليست مجرد هياكل شكلية، وإنما هي الضمانة لحماية الحركة من الفردية، ولحماية الكوادر من القرارات المزاجية، ولضمان أن تكون المحاسبة وفق أنظمة واضحة، لا وفق العلاقات الشخصية أو موازين القوى.

ولا يجوز، في أي حركة وطنية عريقة، أن يصبح القرب من صاحب القرار أقوى من النظام الداخلي، أو أن تحل التدخلات الفردية مكان المؤسسات، أو أن تتحول الخلافات السياسية إلى إجراءات تمس كرامة المناضلين وتاريخهم.

دبور ليس القضية وحده

من الخطأ اختزال القضية في شخص أشرف دبور.

فالقضية الأوسع تتعلق برسالة تصل إلى جميع الكوادر الفلسطينية، ولا سيما في لبنان: هل ما زالت المؤسسات التنظيمية هي المرجعية في اتخاذ القرار والمحاسبة، أم أن هناك قنوات أخرى أصبحت قادرة على فرض قراراتها خارج الأطر المعروفة؟

وهذا السؤال لا يخص حركة فتح وحدها، بل يهم كل القوى والفصائل الفلسطينية؛ لأن ضعف المؤسسات وتغليب العلاقات الشخصية يؤديان في النهاية إلى إضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية بأكملها.

فالكوادر الذين حملوا راية الثورة الفلسطينية لعقود، وقدموا التضحيات، وعاشوا تجربة المخيمات والحروب والتهجير والحصار، يستحقون أن تُحفظ كرامتهم وأن تُصان مكانتهم، وأن تتم محاسبتهم – إذا اقتضى الأمر – وفق الأصول التنظيمية والقانونية، لا عبر حملات التشهير أو العقوبات الانتقائية أو الحسابات الشخصية.

الخلاف السياسي ليس جريمة

من أخطر ما يمكن أن يصيب أي حركة تحرر وطني هو الخلط بين الخلاف السياسي والخروج عن الصف الوطني.

فالاختلاف في الرأي ليس خيانة، والنقد ليس تمردًا، والمطالبة بالإصلاح ليست مؤامرة، والمعارضة داخل المؤسسات لا ينبغي أن تتحول إلى سبب للعقاب أو الإقصاء.

بل إن قوة التنظيم تقاس بقدرته على استيعاب الاختلاف، وإدارة التناقضات بالحوار، وتصحيح الأخطاء من خلال المؤسسات.

وإذا كان هناك خلاف بين أشرف دبور وأي مسؤول فلسطيني، مهما كان موقعه، فإن الطريق الطبيعي لمعالجته هو التحقيق العادل، والاستماع إلى جميع الأطراف، واحترام الأنظمة، وترك القضاء يقوم بدوره بعيدًا عن الضغوط السياسية والشخصية.

المخيمات ليست ساحة لتصفية الحسابات

الساحة الفلسطينية في لبنان تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الهدوء والوحدة والتماسك.

فالمخيمات الفلسطينية تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية وأمنية وسياسية كبيرة، واللاجئون الفلسطينيون يحتاجون إلى من يوحد صفوفهم ويدافع عن حقوقهم ويعزز صمودهم، لا إلى صراعات داخلية تستنزف قواهم وتزيد الانقسام بينهم.

ومن هنا فإن أي خلاف داخل حركة فتح أو بين القوى الفلسطينية يجب ألا يتحول إلى أزمة في المخيمات، ولا يجوز أن تصبح المخيمات ساحة لتصفية الحسابات الشخصية أو التنظيمية.

إن استقرار المخيمات مسؤولية فلسطينية ولبنانية مشتركة، وأي خلل في إدارة الخلافات الفلسطينية الداخلية قد تكون له انعكاسات خطيرة على هذا الاستقرار.

المطلوب ليس الانتقام بل الإصلاح

إن الحكمة السياسية تقتضي اليوم عدم تحويل قضية أشرف دبور إلى معركة شخصية بين هذا الطرف أو ذاك.

المطلوب هو كشف الحقيقة كاملة، واحترام القضاء، وضمان الحقوق القانونية لدبور، ومراعاة وضعه الصحي والإنساني إذا كانت التقارير المتداولة عن حالته الصحية دقيقة، ومنع أي تدخل سياسي يمكن أن يؤثر في المسار القضائي.

وبالتوازي مع ذلك، ينبغي فتح حوار فلسطيني جدي حول الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذه المرحلة.

فإذا كانت هناك أخطاء تنظيمية، فلنُصلحها.

وإذا كانت هناك تجاوزات، فلتحاسب المؤسسات المسؤول عنها.

وإذا كانت هناك خلافات سياسية، فلتحل بالحوار.

وإذا كانت هناك تدخلات فردية، فلتتوقف.

وإذا كان هناك ظلم بحق أي مناضل، فليُرفع عنه الظلم.

فتح تحتاج إلى استعادة روح المؤسسات

حركة فتح، بتاريخها الطويل، ليست ملكًا لفرد أو عائلة أو مجموعة أشخاص.

فتح مدرسة وطنية كبرى، شارك في بنائها آلاف الشهداء والأسرى والجرحى والمناضلين، ولذلك فإن الحفاظ عليها يتطلب إعادة الاعتبار إلى المؤسسات، وإلى النظام الداخلي، وإلى الشراكة، وإلى احترام الرأي الآخر.

ومن حق الرئيس محمود عباس، بوصفه رئيسًا للحركة والسلطة الفلسطينية، أن يسمع اليوم أصوات الكوادر والمناضلين في لبنان، وأن ينظر إلى الأزمة بعيدًا عن الحسابات الشخصية، وأن يتخذ ما يلزم لمنع تفاقمها.

فالقيادة القوية ليست التي تمنع النقد، وإنما التي تستمع إليه وتعالج أسبابه.

وليست التي تحيط نفسها بالصمت، وإنما التي تسمح للمؤسسات بأن تعمل.

وليست التي تنتصر في الخلافات الداخلية، وإنما التي تحافظ على وحدة الحركة وتحمي كرامة أبنائها.

رسالة إلى الجميع

قضية أشرف دبور يجب أن تكون مناسبة لمراجعة شاملة، لا مناسبة لتوسيع الانقسام.

وعلى جميع الأطراف الفلسطينية أن تتعامل معها بمسؤولية وطنية، وأن تتجنب التصعيد الإعلامي والتحريض الشخصي، وأن تضع مصلحة الشعب الفلسطيني فوق أي اعتبار.

فلا أحد فوق القانون، ولا أحد فوق النقد، ولا أحد فوق المؤسسات.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن يصبح القانون أداة في الصراعات السياسية، ولا أن تتحول المحاسبة إلى انتقام، ولا أن يصبح الاختلاف في الرأي سببًا للإقصاء أو الاعتقال.

لقد آن الأوان لإعادة بناء الثقة بين القيادة والكوادر، وإعادة الاعتبار للمؤسسات التنظيمية، ووقف التدخلات الفردية، وفتح صفحة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والحوار والشراكة.

إن قوة الشعب الفلسطيني ليست في إسكات المختلفين، وإنما في القدرة على جمعهم حول القضية الوطنية.

وإذا كانت قضية أشرف دبور قد كشفت حجم الاحتقان داخل الساحة الفلسطينية في لبنان، فإن الحكمة تقتضي أن تكون هذه اللحظة بداية للإصلاح، لا بداية لجولة جديدة من الصراع.

فالإصلاح يحمي فتح، والمؤسسات تحمي المناضلين، والوحدة تحمي المخيمات، والقانون يحمي الجميع.

موضوعات ذات صلة