| |

الحرب تزيد معاناة أهالي مخيم برج البراجنة

الكاتبانتصار الدنان

في المخيمات الفلسطينية بلبنان لا تروى المعاناة بالأرقام والإحصاءات، بل بأصوات الناس الذين يحملون همومهم كل يوم، ويواجهون واقعاً يزداد قسوة مع كل أزمة جديدة.

بين البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات وغيرها من تداعيات الحرب، تحاول العائلات الفلسطينية في مخيم برج البراجنة بالعاصمة اللبنانية بيروت أن تؤمّن أبسط مقومات الحياة، في ظل واقع تواجهه تحديات اقتصادية واجتماعية وإنسانية متفاقمة بفعل محدودية فرص العمل وتراجع شبكات الحماية والدعم.

تقول أم ربيع، وهي ربة منزل، لـ”العربي الجديد”: “لا تزال أسرتي تملك مصدر دخل ثابتاً نسبياً، إذ يعمل زوجي في قسم الأشعة بمستشفى حيفا، وزوج ابنتي في خدمة التوصيل، لكن الغلاء طاول جميع سكان مخيم برج البراجنة، وصارت تكاليف الكهرباء والمواد الأساسية ترهق كل أسرة حتى تلك التي تضم موظفين في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)”.

وتشير إلى أن “الحرب زادت معاناة الناس، خصوصاً العمال الذين كانوا يعتمدون على الأجر اليومي، إذ فقد كثير منهم مصادر رزقهم، وصارت فرص العمل شبه معدومة، كما ارتفعت الإيجارات وتكاليف المعيشة، في حين تعيش كثير من العائلات بصمت، ولا تستطيع تأمين احتياجاتها الأساسية. خلال الحرب الأخيرة، نزحت عائلات من الضاحية الجنوبية إلى المخيم وأقامت عند أقاربها، بينما غادرت أخرى المخيم، أما أسرتي فبقيت في منزلها. لا يحتاج الناس إلى الشفقة، بل إلى فرص عمل تحفظ كرامتهم وتمنحهم القدرة على العيش”.

تعمل دلال موسى في روضة القسام بمخيم برج البراجنة حيث تقيم، وتروي معاناة أسرتها التي تعتمد على دخل محدود لا يتجاوز 150 دولاراً شهرياً، في وقت يعجز فيه زوجها عن العمل بسبب إصابة قديمة تعرض لها. وتوضح أن ابنتها اضطرت إلى ترك المدرسة في سن مبكرة للعمل ومساعدة العائلة، بينما يواجه ابنها صعوبة في تأمين مستلزمات زواجه بعدما ترك عمله كي يساند والده.

تقول موسى لـ”العربي الجديد”: “اشتراك الكهرباء وحده يستنزف جزءاً كبيراً من دخل الأسرة، وأنا أعاني من مرض الروماتيزم، وأضطر إلى الاستدانة لشراء الدواء. ورغم مرضي أستمر في العمل لأنني أدرك أن توقفي يعني عجز الأسرة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، وقد طاول الغلاء كل شيء من غذاء ودواء، وزادت الحرب الأعباء، ونعتمد أحياناً على مساعدات بسيطة من أقارب للبقاء. وجود مسنين ومرضى يحتاجون إلى أدوية وعلاج دائم، ويعتمدون على مساعدات متفرقة من الناس لتأمين الكهرباء والدواء، يعكس حجم التضامن الشعبي، وفي الوقت نفسه هشاشة الواقع الاجتماعي داخل المخيم”.

وتتحدث وفاء الحاج عن واقع يزداد قسوة مع مرور الوقت، وتخبر “العربي الجديد” أن “البطالة والفقر يتفاقمان، ومعظم الشباب لا يجدون سوى العمل في خدمات التوصيل بعد انعدام فرص العمل الأخرى”، وتصف المخيم بأنه مكتظ إلى درجة أن ضوء الشمس لا يصل إلى كثير من المنازل، فيعيش السكان في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

وتؤكد الحاج أن خدمات “أونروا”، خصوصاً الرعاية الصحية، تراجعت بشكل ملحوظ، وصارت المياه والكهرباء من أبرز أزمات السكان، فالمياه لا تصل إلا إذا توفرت مادة المازوت لتشغيل المضخات، وهي مالحة غالباً، بينما يعتمد الناس على اشتراكات كهرباء مرتفعة الكلفة في ظل غياب كهرباء الدولة.

وتضيف: “تركت الحروب المتكررة آثاراً قاسية في المخيم، إذ تضررت منازل كثيرة بعد القصف الذي طاول الضاحية الجنوبية، وأصبح السكان يعيشون في خوف دائم من أي تصعيد جديد، من دون أن يملكوا القدرة على استئجار مساكن بديلة أو الانتقال إلى أماكن أكثر أماناً”. كما تشير إلى “تراجع المساعدات الإنسانية، وزيادة الأمراض الجسدية والنفسية نتيجة الضغوط المتراكمة، وهمّ الناس اليوم ينحصر في تأمين الدواء والكهرباء والغذاء”.

وتلفت الحاج إلى أن “الفلسطيني في لبنان لا يزال يواجه قيوداً تحدّ من فرص عمله في العديد من المهن، ما يزيد من تعقيد الأوضاع الاقتصادية ويجعل تأمين مصدر رزق ثابت مهمة بالغة الصعوبة، ويواجه سكان المخيمات الفلسطينية أزمات متراكمة تتجاوز الفقر والبطالة وتطاول الصحة والتعليم والسكن والأمان. وفي ظل تراجع الخدمات وارتفاع تكاليف الحياة، تبقى الأولوية بالنسبة إلى معظم العائلات هي تأمين أساسيات العيش الكريم، وأهالي المخيمات الفلسطينية، خصوصاً أهالي مخيم برج البراجنة، يحتاجون إلى استجابة حقيقية من وكالة أونروا والفصائل الفلسطينية تضمن لهم الحق في حياة كريمة، وفرص عمل عادلة، وخدمات أساسية تحفظ كرامتهم وإنسانيتهم”.

ويتحدث سكان في مخيم برج البراجنة عن أن المياه المتوفرة شديدة الملوحة وغير صالحة للاستخدام، وقد تسببت في مشاكل صحية عدة، أبرزها الحساسية والأمراض الجلدية، والجفاف الشديد في الجلد، وتساقط الشعر، كما أنها أتلفت المقتنيات المنزلية مثل الحنفيات والخلاطات والخزانات بعدما أصابتها بالصدأ.

وهذه المياه غير خاضعة لأي فحص أو رقابة صحية، لذا يجبرون على شراء مياه عذبة كل ثلاثة أيام من أجل الاستحمام وغسل الخضار والطهي، وحتى للوضوء، وتصل الكلفة الشهرية لشراء المياه العذبة إلى 100 دولار أو أكثر.

موضوعات ذات صلة