حوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان: المقاربة الشاملة بين متطلبات الاستقرار وصون الكرامة الإنسانية

الكاتبحسن السيدة

تُشكل المخيمات الفلسطينية في لبنان فضاءً جغرافياً وسياسياً استثنائياً يختزل عقوداً من اللجوء القسري والتعقيدات السياسية والأمنية. ويعيش داخل المخيمات الرسمية الاثنتي عشرة في لبنان نحو 45.4% فقط من إجمالي عدد اللاجئين المقيمين فعلياً — والبالغ عددهم نحو 174 ألف لاجئ وفق التعداد الرسمي الصادر عن لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني عام 2017، أو نحو 250 ألفاً وفق التقديرات التشغيلية لوكالة الأونروا — مما يعني أن الكتلة الأكبر من اللاجئين (نحو 55%) تعيش خارج حدود المخيمات، وفي ظل ظروف اقتصادية واجتماعية ضاغطة للغاية.

وفي ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يعود مفهوم “حوكمة المخيمات” ليطرح نفسه كضرورة ملحة؛ ليس فقط لضبط الاستقرار الأمني، بل لبناء مقاربة شاملة توازن بين السيادة الوطنية للدولة المضيفة وصون الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية للاجئين.

غير أن تطوير هذه المقاربة يستدعي أولاً معالجة ثغرة مفهومية وسياساتية رئيسية تقع فيها معظم الخطط الرسمية، والمتمثلة في الخلط بين “حوكمة المكان” المحصورة داخل حدود المخيمات، و”إدارة شؤون اللاجئين” كملف إنساني وقانوني وسيادي شامل.

إن هذا الاختزال الجغرافي يُسقط الواقع الديمغرافي الحقيقي الذي يُظهر أن غالبية اللاجئين الفلسطينيين يعيشون خارج نطاق المخيمات الرسمية، سواء في التجمعات المحاذية أو المدن والبلديات اللبنانية.

ولذا، فإن النجاح الفعلي لأي حوكمة مستقبلية يتطلب التمييز الدقيق بين الترتيبات العمرانية والأمنية الخاصة بالمخيمات كمساحات جغرافية، وبين صياغة سياسة وطنية لبنانية شاملة تُنظّم الحقوق المدنية والاجتماعية والوضع القانوني للإنسان الفلسطيني أينما وجد على الأراضي اللبنانية، بما يضمن بسط سيادة القانون ويصون الكرامة الإنسانية للجميع دون استثناء.

إن الحوكمة بمفهومها الشامل تتجاوز البعد الأمني الضيق؛ فهي تعني إيجاد أطر تنظيمية وإدارية وقانونية واضحة لإدارة الشؤون اليومية، وتحديد آليات التنسيق بين المرجعيات الفلسطينية، والسلطات الرسمية اللبنانية، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، والمجتمع المحلي.

وتُشكل الحوكمة بالنسبة للاجئ الفلسطيني تحولاً هاماً ينتهي معه حالة الخوف والقلق المستمر من الفوضى الأمنية والاحتكام للسلاح الذي يهدد حياة المدنيين وتُعطل حياتهم اليومية.

وتستند رؤية لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني للحوكمة المستقبلية إلى تحول استراتيجي يهدف إلى الانتقال من إدارة الاستثناء والترتيبات المؤقتة إلى إطار وطني موحد قائم على سيادة القانون. وتتلخص هذه الرؤية في بسط السيادة الوطنية عبر حصرية السلاح بيد الدولة والتحول نحو الأمن الإنساني، ومأسسة الإدارة من خلال إنشاء “هيئة إدارة المخيمات”، والتوازن بين خضوع اللاجئين للقوانين وتأمين حقوقهم المدنية والاجتماعية، إلى جانب تحديث اتفاقية المقر مع الأونروا، وإصلاح اللجان الشعبية لتصبح هيئات تمثيلية وتنموية منتخبة، تحت مظلة الرفض القاطع للتوطين وصون حق العودة.

وفي الاتجاه نفسه، تجسدت رؤية منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية لحوكمة المخيمات، كما ظهرت في القمم المشتركة التي جمعت الرئيسين محمود عباس وميشال عون، بالالتزام الكامل بحصرية السلاح بيد الدولة والجيش اللبناني والتأكيد على خضوع المخيمات للسيادة والقانون اللبنانيين، مقابل العمل التكاملي مع اللجان المشتركة لمعالجة الملفات الأمنية والإنسانية وتحسين الظروف المعيشية للاجئين.

وقد تُرجم هذا المسار بالفعل في تسليم السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وبدء تسليم السلاح الثقيل والمتوسط داخلها. وعلى الرغم من الموقف الرسمي الداعم لتسليم السلاح، تشهد الساحة الفلسطينية تباينات واجتهادات؛ حيث تدعو بعض الفصائل الأخرى إلى “تنظيم السلاح” بدلاً من إنهائه فوراً، خشية انعكاس ذلك على التوازنات الأمنية أو فتح باب التوطين.

إن تشخيص الواقع الميداني يُظهر أن الأزمة الأساسية لا تكمن في جغرافيا المخيم بحد ذاته، بل في نمط إدارته الذي تشكل عبر عقود ضمن تراكم ترتيبات استثنائية فرضها واقع “الإدارة بالأزمات”، ليتكرس المشهد عبر سلطة أمنية فصائلية، وسلطة إدارية تتمثل باللجان الشعبية، وسلطة خدماتية لوكالة الأونروا التي تواجه استنزافاً وتراجعاً مالياً حاداً.

غير أن التوجهات العملية الأخيرة التي أشار إليها رئيس دائرة شؤون اللاجئين د. أحمد أبو هولي، خلال اجتماعه برؤساء اللجان الشعبية في مقر السفارة ببيروت، بشأن تطوير عمل اللجان الشعبية واستكمال إجراءات انتخابها وفق نظام داخلي معدل ينسجم مع التفاهمات اللبنانية-الفلسطينية، تُعد مؤشراً إيجابياً على بدء خطوات تنفيذية ملموسة في مسار الحوكمة.

لكن الحديث عن حوكمة رشيدة لا يمكن أن يستقيم بمعزل عن البيئة التشريعية والحقوقية؛ فجمود المسار التشريعي وتعثر إقرار المبادرات التي تضمن للاجئ الفلسطيني حق العمل والتملك، يرسخ واقع التهميش ويفرغ مفهوم الحوكمة من محتواه الإنساني.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الواقع المعاش لا يتأسس دائماً على نصوص حظر صريحة، بل على “منظومة قيود حادة وإجراءات إدارية قاسية” تؤدي عملياً إلى النتيجة ذاتها. والمستغرب ميدانياً اليوم هو أنه كإجراء موازٍ لخطوات تسليم السلاح، يُلاحظ زيادة وتيرة التضييقات الأمنية على المخيمات ولا سيما مخيم البداوي، بدلاً من تقديم التسهيلات وتأمين الحقوق وتفكيك القيود الإدارية، فضلاً عن استمرار غياب المعالجة الحقوقية لغالبية اللاجئين المقيمين خارج المخيمات!.

أرى أن حوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان ليست خياراً تفاضلياً، بل هي مسار استراتيجي يستدعي تضافر الجهود وبناء رؤية مستقبلية قائمة على جملة من الركائز الأساسية. ويأتي في مقدمة ذلك فتح قنوات حوار حقيقي مع كافة مكونات المجتمع الفلسطيني لتطوير الأطر القانونية والإدارية الناظمة لحياة المخيمات، والعمل في مسارين متوازيين بين خطوات تنظيم السلاح وإحلال الأمن من جهة، وإقرار الحقوق المدنية والاجتماعية للاجئين من جهة أخرى، مع التأكيد الصارم على أن الحقوق الأساسية هي استحقاق قانوني وإنساني أصيل ومستقل، ولا يجوز إخضاعها للمقايضة أو جعلها مقابلاً للملف الأمني، بل يسير المساران جنباً إلى جنب بشكل متوازٍ لضمان استقرار المجتمع وصون الكرامة الإنسانية.

كما يتطلب هذا المسار التأكيد على المسؤولية الدولية تجاه وكالة الأونروا لتوفير التمويل الكافي للخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والبنية التحتية كعنصر استقرار رئيسي، إلى جانب إدماج القوى الحية والنقابية والشبابية داخل المخيمات في صنع القرار الإداري والخدماتي لضمان استجابة الخطط للاحتياجات الفعلية.

إن الوصول إلى مخيمات ببيئة آمنة ومُنظمة ومتمتعة بالحقوق الأساسية يشكل مصلحة مشتركة للجانبين اللبناني والفلسطيني، والركيزة الأساسية لحفظ الكرامة الإنسانية لحين تحقق حق العودة.

موضوعات ذات صلة