| |

الهروب الكبير من الكيان الصهيوني… سقوط أسطورة دولة الرفاه

تشير المعطيات الحالية إلى استمرار عمليات الهروب الجماعي من إسرائيل، ووفق أحدث الأرقام فإن هناك أكثر من ربع مليون إسرائيلي فروا من دولة الاحتلال خلال السنوات الثلاث الماضية، ويؤكد الواقع أن ظاهرة الهروب الكبير شملت أيضا أثرياء الدولة العبرية والمستثمرين الأجانب الذين تسابقوا لتهريب أموالهم وأصولهم إلى الخارج، وأن ظاهرة هروب مليارات الدولارات وتصفية الأنشطة الاستثمارية باتت تُقلق النظام الفاشي في تل أبيب، خاصة مع ما يصاحبه من نزيف مالي، وعجز مؤلم للميزانية الإسرائيلية، وخسائر فادحة للاقتصاد وقطاعاته المختلفة، وتوقف عشرات من المشروعات الجديدة، وتقليص حجم الاستثمارات القائمة، بل وانسحاب شركات وصناديق عالمية كبرى منها الصندوق السيادي النرويجي، وهو أكبر الصناديق العالمية، إلى جانب هروب بنوك ومؤسسات مالية وتكنولوجية عالمية من أسواق الاحتلال منها صندوق الاستثمار السيادي الأيرلندي الذي سحب استثماراته من شركات وبنوك إسرائيلية، وصناديق تقاعد أوروبية أخرى مثل صندوق التقاعد الدنماركي الذي اتخذ خطوات لاستبعاد أصول إسرائيلية من محفظته الاستثمارية، وصندوق التقاعد النرويجي.

كما صاحب تلك المؤشرات الخطيرة هروب ودائع مليارية من البنوك الإسرائيلية، وأموال ضخمة من بورصة تل أبيب، وتوسع الفارين والهاربين من دولة الاحتلال في البحث عن جنسيات أخرى، وفتح حسابات مصرفية في الخارج، وشراء عقارات في دولة أجنبية عدة منها الولايات المتحدة وفرنسا وكندا وقبرص واليونان وجورجيا وأرمينيا والبرتغال.

ولا أحد يعرف مصير مشروعات واستثمارات كبرى استقطبتها دولة الاحتلال قبل العام 2023 منها صندوق استثمار إماراتي بقيمة 10 مليارات دولار كان من المخطط أن يستثمر أمواله في القطاعات الاستراتيجية داخل الدولة العبرية، وإعلان شركة إنتل العالمية عن إقامة مصنع للرقائق بقيمة 25 مليار دولار في “أكبر استثمار على الإطلاق”، ثم تراجعت عنه في وقت لاحق، وهو ما دفع حكومة الاحتلال لإلغاء منح وحوافز مالية ضخمة كانت مخصصة للشركة.

قبل سنوات قليلة، كانت الهجرة إلى إسرائيل حلماً يراود عشرات الآلاف حول العالم سواء أكانوا أفراداً أم حتى مليونيرات وأصحاب أموال وأدمغة وخبرات؛ فدولة الاحتلال كانت تتمتع بتفوق أمني وعسكري وتكنولوجي، واستقرار سياسي إلى حد ما، وبيئة جاذبة للاستثمار، وحديث متنام عن تحقيق معجزات اقتصادية، ونمو متسارع، ودخول مرتفعة مع حديث عن تحول دولة الاحتلال إلى “واحة الاستثمار” في منطقة الشرق الأوسط المليئة بكل أنواع الاضطرابات والمخاطر، وأنها البيئة المفضلة لأصحاب الأموال والمستثمرين وصناديق الاستثمار وشركات التكنولوجيا الكبرى، مع استقطاب مليارات الدولارات من دول الخليج عقب موجة التطبيع والتوقيع على اتفاقية أبراهام، وتدفق استثمارات أجنبية ضخمة خاصة على قطاع التقنية والصناعات الاستراتيجية مثل الأدوية والأسلحة.

بل إن حكومات الاحتلال المتعاقبة كانت تتفاخر بأن إسرائيل تُعد من أغنى دول العالم، مستندةً إلى تقرير الثروة العالمي الصادر عن بنك UBS السويسري، وأنه يعيش بها نحو 186 ألف مليونير، بأصول تقترب من 800 مليار دولار، وأن متوسط دخل الفرد يبلغ 284 ألف دولار، ما يضع إسرائيل في المرتبة الـ17 عالميا من حيث معدل الثروة الشخصية وفق الدعاية العبرية.

لكن بعد ما حدث في السنوات الأخيرة، وتحديدا منذ أكتوبر 2023 وعقب الانقلاب القانوني الذي قادته الحكومة المتطرفة بقيادة نتنياهو ضد مؤسسة القضاء، بتنا أمام دولة طاردة للسكان والمستثمرين والخبرات والشركات والأدمغة، كيان يشهد موجة هجرة غير مسبوقة تعترف سلطات الاحتلال بأنها الأخطر على مستقبل الدولة العبرية، بعد تسجيل مغادرة أكثر من ربع مليون إسرائيلي خلال السنوات الثلاث الماضية، لدرجة أن رئيس الدولة العبرية إسحاق هرتسوغ خرج علينا هذا الأسبوع قائلا: “أدعو الإسرائيليين إلى عدم مغادرة البلاد والتمسك بالبقاء فيها وسط التحديات والأزمات الراهنة”، والتأكيد أنه يشعر بألم في قلبه تجاه كل فرد أو عائلة تقرر مغادرة إسرائيل والعيش في مكان آخر، ومؤكدًا ضرورة مواصلة ما وصفه بـ”المهمة التاريخية المتمثلة في بناء دولة اليهود”.

بل إن جامعة تل أبيب رفعت أعداد الإسرائيليين الذين غادروا البلاد خلال السنوات الأخيرة، إلى ما يقرب من 270 ألف إسرائيلي، معتبرة أن ما جرى هو بمثابة مستويات قياسية غير مسبوقة لها مخاطرها الشديدة، فحسب الأرقام فقد تضاعفت الخسائر الضريبية الناتجة عن هجرة الأثرياء والميسورين لتصل إلى نحو 1.2 مليار شيكل سنوياً في 2023 و2024 مقابل 500 مليون شيكل في 2019، وأن تقارير اقتصادية ورسمية حذرت من مخاطر تفاقم “هجرة الأدمغة” وتأثيرها المباشر على قطاعات حيويّة مثل صناعة الصحة والتقنية الحديثة والرقائق وأدوات الذكاء الاصطناعي.

ما يزيد الوضع ضبابية هو أن من بين الفارين أكثر 11 ألف عالم وباحث إسرائيلي هربوا لأكثر من 30 دولة منها أميركا وكندا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وأستراليا وسويسرا والنمسا، وأن أعداداً كبيرة من المهاجرين تركزت بين الأطباء، والأكاديميين، والعلماء، وحاملي شهادات الدكتوراه، وأن الاستطلاعات الحديثة كشفت عن أن نحو 20% من الإسرائيليين فكروا في مغادرة البلاد خلال الفترة الأخيرة.

ومع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران زادت موجة الهجرة من الدولة العبرية مع زيادة المخاطر الأمنية والجيوسياسية وتدفق الصواريخ الإيرانية على المدن الإسرائيلية، وتراجع خرافة ودعاية “المعجزة الاقتصادية الإسرائيلية” التي لم تعد تنطلي على أحد بمن فيهم المؤسسات المالية الداعمة لهذا الاقتصاد.

وزادت الأزمة تأزما اهتزاز الثقة بالاقتصاد الإسرائيلي، وزيادة حدة المقاطعة للسلع الإسرائيلية داخل دول العالم والأسواق الكبرى، وزيادة المخاطر السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعدم اليقين السياسي والأمني والمالي، وخفض التصنيف الائتماني أكثر من مرة، مع توسّع جبهات الحرب، واستمرارها، وتزايد ظاهرة “الدولرة” في المجتمع في ظل تخلص الإسرائيليين من عملة الشيكل وتحويلها إلى الدولار، باعتباره العملة الأقوى في العالم، والارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة مع قفزة الأسعار.

إسرائيل بحاجة إلى سنوات طويلة لإعادة الفارين منها سواء أكانوا أفراداً أم مستثمرين وشركات، وربما لا يعود هؤلاء من الأصل بعدما كشفت التطورات الأخيرة أن إسرائيل دولة هشة أمنياً وسياسياً واقتصادياً ومجتمعياً، وأن حلمها بأن تتحول إلى الدولة الأكثر استقطابا للأموال الأكثر أمنا في العالم تحول إلى سراب بعدما تلوثت صورتها الذهنية ودعايتها بسبب حرب الإبادة الجماعية على غزة، وسقطت مقولة أنها صاحبة “الجيش الذي لا يُقهر” أيضا بعدما قهره بضعة آلاف من مقاومي قطاع غزة يوم السابع من أكتوبر 2023.

موضوعات ذات صلة