| |

عقدة عكا في زمن التطبيع كيف تحرق إسرائيل الشرق الأوسط لإبقاء أمريكا رهينة؟

الكاتبخالد نزال

لم يعد الخوف الإسرائيلي من تكرار سيناريو “عكا 1291” مجرد هاجس دفاعي يُقرأ في غرف العمليات الاستراتيجية في تل أبيب لقد تحول، في العقد الأخير، إلى محرك رئيسي لسياسة عدوانية متعددة الجبهات، هدفها المعلن غير المعلن حرق كل جسور الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط، وتوريط واشنطن في شبكة أزمات لا مفر من بقائها فيها.

النظرية التي تناولناها حول “عقدة عكا” – أي خوف الكيان الذي يعتمد على دعم خارجي من تخلي حاضنته – لم تعد مجرد عدسة لقراءة القلق الإسرائيلي، بل أصبحت مفتاحاً لفهم سلوكياته التدميرية الممنهجة من تخريب المصالحة الإيرانية-الأمريكية، إلى حرق غزة وتجويعها، إلى التوسع الاستيطاني الجنوني في الضفة، وصولاً إلى إعادة هيكلة الاحتلال عبر تحويل مسؤوليات الجيش للشرطة.

هذا المقال يعيد هيكلة هذه المعادلة المعقدة، ليُظهر كيف أن إسرائيل، بدلاً من بناء سلام يضمن بقاءها، تختار حرق المنطقة لتظل أمريكا سجينة دفاعاتها.

أولاً: من “الخوف من التخلي” إلى “استراتيجية الإغراق”

في التحليل الكلاسيكي لنظرية التحالفات، هناك خوفان أساسيان لدى الحلفاء الصغار: التخلي، الهجر والتوريط والجر إلى حرب لا يريدونها تقليدياً، تخشى الدول الصغيرة من تخلي الدول الكبرى عنها ولكن ما تفعله إسرائيل اليوم هو قلب المعادلة رأساً على عقب إنها تُغرِق أمريكا في المنطقة عمداً، لتجعل تكلفة التخلي أعلى من تكلفة البقاء.
إذا كانت “عقدة عكا” هي الخوف من أن يصبح الداعم مشغولاً بحروبه الداخلية (كما حدث مع أوروبا في القرن الثالث عشر)، فإن الحل الإسرائيلي اليوم هو جعل المنطقة مشتعلة باستمرار، لكي لا تملك أمريكا رفاهية الانشغال بعيداً عنها.

ثانياً: تخريب المصالحة الإيرانية – تفكيك “العدو المشترك” قبل ولادته

أخطر ما يهدد النظرية الإسرائيلية هو اتفاق أمريكي-إيراني. فإذا زال شبح الملف النووي، فإن الذريعة الأساسية لوجود الأسطول الخامس والقواعد الأمريكية في المنطقة تتبخر، وتتحول إسرائيل من “درع أمريكا في الشرق” إلى “عبء دبلوماسي يمنع انفتاح أمريكا على آسيا”.

آلية التخريب:
• الضربات الاستباقية: اغتيال العلماء وقصف المنشآت النووية ليس لمنع إيران من السلاح فحسب، بل لتفجير أي مناخ ثقة بين واشنطن وطهران.
• كشف “المفاجآت”: كل تسريب عن تقدم إيراني يتم توقيته بدقة لإفشال أي جولة مفاوضات إيجابية.
• خلق المعادلة الصلبة: فرض شعار “إما الاستسلام الإيراني الشامل أو الحرب”، مما يضع الإدارة الأمريكية في زاوية ضيقة، ويجعل أي تنازل أمريكي لإيران يُقرأ في الداخل الأميركي على أنه “خيانة للحليف”.
الهدف: تحويل الملف الإيراني من ملف دبلوماسي قابل للحل، إلى ملف أمني وجودي لا تنفك أمريكا بحاجة إلى إسرائيل لإدارته.

ثالثاً: غزة والجنوب اللبناني – جبهات الإغراق المفتوحة

الحرب على غزة والتصعيد في جنوب لبنان ليسا مجرد ردود فعل على أحداث 7 أكتوبر أو صواريخ حزب الله، بل هما جزء من استراتيجية توريط طويلة المدى.

في غزة: مسرحية الموافقة المبدئية والرفض النهائي
• لعبة إسرائيل ذكية وماكرة توافق مبدئياً على المفاوضات لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، لكنها تضع شروطاً ميدانية (البقاء في محور فيلادلفيا، نتساريم، وعدم السماح بعودة النازحين بالكامل ونزع السلاح الثقيل والمتوسط والخفيف ) تعلم يقيناً أن حماس والفصائل سترفضها.
• عندما تنهار المفاوضات، تظهر إسرائيل أمام الكونغرس والإدارة كـ”الطرف المعتدل”، بينما تُحمَّل حماس مسؤولية الفشل والنتيجة استمرار القصف والتجويع، واستمرار تدفق الأسلحة الأمريكية، واستمرار انشغال واشنطن في إدارة أزمة هي من صنع إسرائيل.
في الجنوب اللبناني: استدراج الردع المباشر
• ليس المطلوب إسقاط حزب الله (وهو هدف صعب)، بل المطلوب خلق جبهة نار مفتوحة تتطلب تدخلاً أمريكياً لحماية الملاحة في البحر المتوسط، وتفعيل أنظمة الدفاع الجوي المشتركة، وإبقاء القيادة الوسطى الأمريكية في حالة تأهب دائم. كل صاروخ يتجه نحو حيفا هو ورقة ضغط تقول لواشنطن “انظروا، بدون وجودكم، ستضيع المنطقة”.
رابعاً: الضفة الغربية – حرق حل الدولتين بتشريعات استيطانية وعدوان شرطي
لكن أخطر ما تفعله إسرائيل هو في الضفة الغربية، لأنها تضرب العصب السياسي لأي تسوية مستقبلية، وتجهز لنموذج احتلال دائم لا رجعة فيه:

أولاً: 104 مستوطنات جديدة

هذا الرقم ليس زيادة عددية عابرة إنه إعلان سياسي بأن الضفة أصبحت أرضاً إسرائيلية بحكم الأمر الواقع، وأن أي نقاش حول دولة فلسطينية هو مجرد سراب كل بيت استيطاني يُقام هو “قنبلة موقوتة” لأي إدارة أمريكية تحاول العودة إلى مسار السلام، لأن تفكيك هذه المستوطنات يعني حرباً أهلية في إسرائيل، وضغطاً لا يحتمل على واشنطن.

ثانياً: نقل المسؤولية من الجيش إلى الشرطة (الجوهر الأعمق)

هنا تكمن العبقرية الاستراتيجية الخبيثة في نظرية “عقدة عكا”
• الجيش هو قوة احتلال مؤقتة بموجب القانون الدولي، وجودها يعني أن الوضع قابل للتغيير.
• الشرطة هي قوة تطبيق قانون داخلي، وجودها يعني أن المنطقة أصبحت جزءاً من السيادة الإسرائيلية الداخلية.
• بهذه الخطوة، تحوّل إسرائيل الصراع من “صراع تحرر وطني” إلى “قضية أمن داخلي”، مما يلزم أمريكا بالدفاع عن “النظام العام” لإسرائيل، وليس فقط عن حدودها.
• هذا التغيير يستفز الفلسطينيين والأردن ومصر، مما يخلق موجات احتقان أمني، تجبر أمريكا على التدخل المستمر لـ”تهدئة الأوضاع”، وهكذا تظل واشنطن رهينة لإدارة احتلال لا تريد الاعتراف به علناً، لكنها مضطرة لإدارته أمنياً.

خامساً: المفارقة القاتلة – متى يتحول التوريط إلى تخلي؟

رغم ذكاء هذه الاستراتيجية الإغراقية، فإنها تنطوي على مفارقة تاريخية قاتلة تعيدنا مباشرة إلى روح “عقدة عكا”
الصليبيون لم يسقطوا لأن أوروبا لم ترد إرسال الدعم، بل لأن أوروبا أُرهِقَت من إرسال الدعم استنزاف الموارد البشرية والمالية جعل الأوروبيين ينظرون إلى المشرق على أنه “ثقب أسود” يلتهم أبناءهم وذهبهم.
ما تفعله إسرائيل اليوم – من تخريب للمفاوضات، وخلق أزمات متعددة، وتوسع استيطاني استفزازي – يزرع بذور النفور الأميركي العميق، خصوصاً مع صعود تيارات يسارية وتقدمية في الحزب الديمقراطي تنظر إلى نتنياهو وحكومته كقوة مارقة تهدد المصالح الأميركية في آسيا وأوكرانيا.

السيناريو المحتمل:
• على المدى القصير: ستزداد المساعدات الأمريكية، لأن الإدارة لا تريد أن تُتهم بالتخلي عن إسرائيل في وقت حرب.
• على المدى المتوسط: سينمو الصوت المطالب بـ”ربط المساعدات بسلوك إسرائيل”، وستتضيق مساحة المناورة الدبلوماسية الإسرائيلية.
• على المدى الطويل: إذا استمرت إسرائيل في سياسة “الإغراق” دون تقديم أي رؤية سلام مقبولة، فقد تصل واشنطن إلى قناعة بأن المنطقة ستستقر بشكل أفضل بدون وجود إسرائيلي معطل، أو بتقليص الضمانة الأمنية، تماماً كما فعلت أوروبا مع مملكة بيت المقدس عندما أدركت أن تكلفة الإنقاذ تفوق عائداتها الروحية والمادية.
عكا الجديدة: موتها ليس على رماح الفرسان بل الاستنزاف الهائل لموارد الضامن
إن إسقاط نظرية “عقدة عكا” على السلوك الإسرائيلي الحالي يمنحنا استنتاجاً مأساوياً إسرائيل، في محاولتها يائسة لتجنب مصير الممالك الصليبية، تتبع سياسات تجعل ذلك المصير أقرب، وليس أبعد.
السلام الإقليمي الشامل مع الدول العربية (عبر حل الدولتين أو أي ترتيب آخر يمنح الفلسطينيين حقوقهم) هو السبيل الوحيد لفك الارتباط الممرض بالضمانة الأمريكية، وجعل إسرائيل قائمة بذاتها لكن القيادة الإسرائيلية الحالية، التي تؤمن بأن القوة وحدها هي لغة المنطقة، ترفض هذا الطريق، وتفضل بدلاً من ذلك إحراق المنطقة بأكملها لتظل أمريكا ملزمة بالبقاء.
لكن التاريخ يعيد نفسه بطريقة ساخرة:
الصليبيون سقطوا حين توقف الدعم. لكنهم كانوا سبباً في إرهاق الداعم حتى توقف عن دعمهم.
فإذا استمرت إسرائيل في تخريب المصالحة مع إيران، وحرق غزة، وتجويع المدنيين، وتوسيع الاستيطان، وتحويل الضفة إلى مسرح احتلال شرطي، فإنها ستنجح في إبقاء أمريكا في المنطقة لبعض الوقت لكنها في النهاية ستُنهك خزان الصبر الأميركي، وتُقنع واشنطن بأن هذا الحليف أصبح عبئاً ثقيلاً لا يُطاق. وعندها، لن تكون عكا مجرد ذكرى من تاريخ الفرنجة، بل نبوءة يكتبها الإسرائيليون بأيديهم، تحت وطأة هوسهم بعدم تكرار الماضي.

موضوعات ذات صلة