| |

المخيمات ليست الخطر: الحرمان هو الجريمة

الكاتبخالد بركات

لا يمر يوم تقريبًا من دون أن تتعرض المخيمات الفلسطينية في لبنان لحملة جديدة من التحريض والتشويه. فالإعلام اليميني العنصري لا يتوقف عن تقديم المخيمات باعتبارها «جزرًا أمنية» أو «بؤرًا للمخدرات» أو مصادر دائمة للخطر، في محاولة متواصلة لتحويل اللاجئ الفلسطيني من ضحية إلى متهم، وتحويل المخيم من شاهد على جريمة تاريخية إلى «مشكلة» ينبغي عزلها ومراقبتها. غير أن الحقيقة أبسط وأعمق من كل هذه الفبركات: المخيم ليس المشكلة، بل السياسات الرسمية اللبنانية التي صنعت التهميش، ومعها قوى فاشية تشيطن المخيم، ثم، بكل وقاحة، تتهم ضحاياها!

لم يختر أهالي المخيم اللجوء، ولا اختاروا الفقر أو البطالة أو الاكتظاظ أو الحرمان. لقد اقتُلع شعب من أرضه، ومُنع من العودة إليها، ثم وجد نفسه، بعد عقود طويلة، يواجه أشكالًا متعددة من الإقصاء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وبعد أكثر من سبعة عقود على النكبة، ما زال الفلسطيني في لبنان يدفع ثمن اقتلاعه من فلسطين، ويدفع في الوقت نفسه ثمن سياسات الحرمان التي تحد من قدرته على العمل والتملك، وتحرمه حقوقه الإنسانية في أبسط صورها.

خذوا نتائج المسح الاجتماعي والاقتصادي للأونروا، الذي استند إلى بيانات جُمعت بين أواخر عام 2022 وبداية عام 2023؛ فقد بلغت نسبة الفقر بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان 83 في المئة. أي إن أربعة من كل خمسة فلسطينيين في لبنان يعيشون تحت خط الفقر. كما بلغت البطالة 32.3 في المئة. أما بين الشباب، فالصورة أكثر قسوة: بلغت البطالة 41.7 في المئة للفئة العمرية بين 15 و19 عامًا، و45 في المئة للفئة بين 20 و29 عامًا. وترتفع البطالة داخل المخيمات إلى 34.9 في المئة. (إن الحقيقة أكثر سوءًا مما تورده التقارير الدولية).

والأخطر أن القيود لا تصيب غير المتعلمين فقط. فحتى أصحاب المؤهلات التقنية والجامعية يواجهون معدلات بطالة مرتفعة، وهو ما يعكس وجود حواجز أعمق من مجرد نقص التعليم أو الكفاءة. إن الرسالة التي يجب أن تصل إلى الجهات الرسمية هي: أنتم تحاصرون جيلًا قد تسألوه، بعد فترة، لماذا ثار وانتفض عليكم. فلا تغلقوا أبواب المستقبل ثم تتحدثوا عن الأمن. واعلموا أن الحصار والحرمان جريمة، ولا يصنعان استقرارًا، بل يصنعان المزيد من الغضب والاحتقان. بل حتى ظاهرة انتشار المخدرات في بعض المخيمات أنتم مسؤولون عنها.

المجتمعات البشرية لا تستطيع العيش إلى الأبد تحت ضغط الفقر والبطالة وانعدام الأفق من دون أن تتراكم فيها التوترات. ولن تنطلي عليها الخديعة والأكاذيب في كل مرة، هذه حقيقة اجتماعية وسياسية. لذلك فإن تجاهل أسباب الأزمة هو أشبه بالتواطؤ والمشاركة في الجريمة. فكلما استمر التمييز العنصري، واستمرت السياسات التي تدفع الناس إلى اليأس، زاد الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي. ولا نعرف كيف يمكننا إفهام السلطة اللبنانية أن الحقوق ليست خطرًا على الاستقرار؛ بل العنصرية هي الآفة الكبرى. أما حق العمل فهو حق، وليس منّة من أحد.

اللاجئون الفلسطينيون في لبنان لا يستطيعون العمل، بقرار سياسي وقانوني، في عدد من المهن الأساسية، كما أنهم مستبعدون من الوظائف العامة، في حين يواجهون قيودًا واسعة على الوصول إلى عدد من المهن المنظمة بالنقابات المهنية. ويواجهون عقودًا من الفصل والإقصاء الاجتماعي والاقتصادي.

من غير المعقول أن يكون الأوروبي والأمريكي أقدر على التملك في لبنان من الفلسطيني. ففي قضية التملك تظهر واحدة من أكثر المفارقات قسوة: يصبح الأجنبي الذي وصل للتو إلى البلد قادرًا، وفق القواعد القانونية المطبقة، على امتلاك العقار في لبنان، بينما يُحرم الفلسطيني من هذا الحق؟ أي منطق يقبل بأن يعيش الإنسان في بلد لعقود طويلة، وأن تعمل فيه أجيال من عائلته، ثم يبقى محرومًا من أبسط حقوقه؟

استخدام فزّاعة التوطين لتبرير الحرمان الدائم أمر يجب رفضه. فحق العودة لا يُحمى بإفقار اللاجئ. ولا يُصان بحرمانه من العمل. ولا يصبح أقوى كلما أصبح الفلسطيني أكثر بؤسًا!

لا يمكن فصل أمن لبنان واستقلاله عن الصراع ضد المشروع الاستعماري الصهيوني في المنطقة. إن قوة لبنان لا تتحقق بمحاصرة الفلسطيني، كما أن أمنه لا يُبنى بعزل المخيمات، واستقراره لا يتعزز بتحويل اللاجئ إلى هدف سهل للتحريض العنصري. مرة أخرى نقول: تصوير الفلسطيني باعتباره «مشكلة» داخلية، وعزل المخيمات عن محيطها، لا يخدم سوى القوى التي تريد تحويل التناقض بعيدًا عن العدو الحقيقي.

لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم لا يُوجَّه فقط إلى اليمين الفاشي العنصري في لبنان، فموقف هذا الطرف، الذي على يديه دماء فلسطينية، معروف وقديم. السؤال الحقيقي موجّه إلى الحلفاء، إلى القوى والأحزاب والشخصيات الوطنية اللبنانية التي تتحدث صباح مساء عن فلسطين. (نستثني حواضن المقاومة ومن يستشهدون كل يوم في ساحة المعركة على أرض الجنوب دفاعاً عن لبنان وفلسطين وشعوب الأمة).

أين أنتم من المخيمات؟ كم مرة دخلتم أزقتها لكي تستمعوا إلى أهلها؟ كم مرة جلستم مع شاب فلسطيني يبحث عن عمل؟ كم مرة استمعتم إلى طالبة تسأل عن مستقبلها؟ كم مرة ناقشتم أوضاع العمال الفلسطينيين، أو المرضى، أو العائلات التي تواجه الفقر والموت كل يوم؟ يبدو أن هناك نوعًا من الصمم السياسي أصاب كثيرًا من الذين يحبون الحديث عن فلسطين.

الميكروفونات في لبنان تعمل عندما تكون فلسطين على شاشة التلفزيون، لكن الصوت يختفي عندما تصبح فلسطين شابًا عاطلًا عن العمل في عين الحلوة، أو عائلة تواجه المرض في برج البراجنة، أو طالبًا يبحث عن فرصة في شاتيلا أو البداوي أو نهر البارد. وهنا يظهر الفرق بين من يحب فلسطين ومن يحب الحديث عن فلسطين. إن معيار التضامن مع فلسطين وشعبها في أي بقعة من هذا العالم يبدأ من سؤال: كيف تُعامل اللاجئ الفلسطيني في بلدك؟

موضوعات ذات صلة