رأت عضو لجنة المتابعة المركزية في حركة المسار الثوري البديل، خالدية أبو بكرة، أن حركات التضامن مع فلسطين شهدت خلال السنوات الثلاث الماضية تحولًا كبيرًا، ليس فقط من حيث اتساعها وانتشارها، بل أيضًا من حيث وعيها السياسي.
وقالت أبو بكرة لموقع صدى الشتات إن ملايين الناس خرجوا إلى الشوارع في مختلف أنحاء العالم منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ومع استمرار حرب الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني في غزة، وشهد العالم تحركات طلابية ونقابية وشعبية، واحتلال الجامعات، وحملات المقاطعة، والتحركات ضد شركات السلاح، والمبادرات البحرية لكسر الحصار عن غزة، وغير ذلك من أشكال الفعل المباشر.
وأضافت أن الأهم هو أن قطاعات واسعة من هذه الحركات بدأت تتجاوز خطاب «التعاطف الإنساني» مع الفلسطينيين نحو فهم أعمق لطبيعة القضية الفلسطينية نفسها، مشيرة إلى وجود أعداد متزايدة من الناس تتحدث اليوم عن الاستعمار الاستيطاني، والنكبة، وحق العودة، والأسرى، والصهيونية، وحق الشعب الفلسطيني في المقاومة.
واعتبرت عضو لجنة المتابعة المركزية في حركة المسار الثوري البديل، أن هذا تطور مهم جدًا، لكنها أكدت في الوقت نفسه أنه لا ينبغي المبالغة في تقييم ما تحقق، موضحة أن الحركة واسعة جدًا لكنها ما زالت متفاوتة في مستوى تنظيمها وقدرتها على تحويل التعبئة الشعبية إلى قوة سياسية مستدامة وقادرة على فرض أثمان حقيقية على الحكومات والمؤسسات المتواطئة مع الاحتلال.
وترى أبو بكرة أن التحدي اليوم يتمثل في الانتقال من التضامن بوصفه رد فعل على المجازر إلى حركة منظمة ومستمرة، مرتبطة بمشروع تحرري واضح.
وفي ما يتعلق بالملاحقات التي تتعرض لها حركات التضامن، أكدت أنها أثرت عليها بالتأكيد، معتبرة أن ذلك أصلًا أحد أهداف هذه الملاحقات.
وقالت أبو بكرة لصدى الشتات: «نحن نتحدث عن حظر منظمات، واعتقالات ومحاكمات، وملاحقة ناشطين وناشطات، وفصل طلاب من الجامعات، وضغوط في أماكن العمل، ومنع فعاليات وتظاهرات، ومحاولات مستمرة لتجريم الشعارات والرموز وحتى الخطاب السياسي الداعم للمقاومة الفلسطينية».
ورأت أن هذه الملاحقات ليست دليلًا على ضعف حركة التضامن، بل إن فيها جانبًا يدل على أن السلطات بدأت تنظر إليها باعتبارها قوة لا يمكن تجاهلها، موضحة أن تحرك الحكومات وأجهزة الأمن والجامعات والمؤسسات لقمع حركة ما يعني أنها تريد منعها من التطور ومن التحول إلى قوة أكثر تأثيرًا.
وأشارت إلى أن هناك من تراجع بسبب الخوف أو حجم الضغوط، وهو أمر لا يمكن إنكاره، لكنها لفتت في المقابل إلى أن كثيرًا من الناس الذين تعرضوا للاعتقال أو الملاحقة أو الاعتداء عادوا إلى النشاط بإصرار أكبر.
واعتبرت عضو لجنة المتابعة المركزية في حركة المسار الثوري البديل، أن تجربة أساطيل كسر الحصار مثال واضح على ذلك، مؤكدة أن الاعتقال والتعذيب والترحيل لم يمنع كثيرًا من المشاركين من الإصرار على مواصلة المحاولات.
وشددت على أن المطلوب ليس التقليل من خطورة القمع، وإنما بناء أدوات جماعية لمواجهته، قانونيًا وسياسيًا وإعلاميًا وشعبيًا، وعدم السماح بتحول استهداف الأفراد إلى وسيلة لعزلهم أو إسكات الحركة بأكملها.
وحول مستقبل هذه الحركات، رأت أبو بكرة أن مستقبلها يتوقف على قدرتها على الانتقال من مرحلة التعبئة إلى مرحلة التنظيم.
وقالت إن التظاهرات الجماهيرية مهمة، «ولكن لا يمكن أن يكون دورنا أن نخرج إلى الشوارع بعد كل مجزرة ثم نعود إلى بيوتنا وننتظر المجزرة التالية».
وأضافت أن هناك حاجة إلى بناء حركة قادرة على الاستمرار والعمل في الجامعات والنقابات والأحياء والمؤسسات الثقافية وبين العمال والشباب، وأن تربط فلسطين بالنضالات المناهضة للاستعمار والعنصرية والإمبريالية والحروب.
ودعت إلى تطوير أدوات الضغط والفعل المباشر، بما في ذلك المقاطعة، ومواجهة شركات السلاح والمؤسسات المتورطة في دعم الاحتلال، والضغط على الحكومات، والعمل في الموانئ والجامعات والنقابات، ودعم الأسرى، وتنظيم المبادرات التي تتحدى الحصار فعليًا.
كما شددت على ضرورة الحفاظ على استقلالية حركة التضامن، مؤكدة أن فلسطين لا يمكن أن تتحول إلى ورقة انتخابية تستخدمها الأحزاب عندما يناسبها ذلك ثم تتخلى عنها عندما تصبح كلفة الموقف مرتفعة.
واعتبرت أن قوة الحركة تأتي من تنظيمها الشعبي ومن قدرتها على فرض القضية على المجال السياسي، لا من انتظار أن تمنحها الحكومات مساحة للتحرك.
وفي ما يتعلق بدور الشتات الفلسطيني، قالت أبو بكرة إن هناك حاجة إلى الحديث عن هذه المسألة بصراحة، مشيرة إلى وجود طاقات فلسطينية هائلة في الخارج وأجيال جديدة استعادت ارتباطها بفلسطين بقوة كبيرة، وخاصة خلال السنوات الأخيرة.
لكنها أكدت أن ذلك لا يلغي حقيقة أن الدور السياسي المنظم للشتات لا يزال دون مستوى إمكاناته ودون المكانة التي يجب أن يحتلها في الحركة الوطنية الفلسطينية.
وأرجعت ذلك إلى أسباب تاريخية وسياسية وتنظيمية، معتبرة أن مسار أوسلو ساهم في نقل مركز الثقل السياسي نحو مؤسسات محصورة في الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما جرى تهميش ملايين اللاجئين الفلسطينيين في الشتات تدريجيًا من عملية صنع القرار الوطني.
وأضافت أن قطاعات من الشتات تحولت من مكوّن سياسي أساسي في حركة التحرر إلى جاليات يُطلب منها التضامن أو جمع الدعم، بدل المشاركة في صياغة المشروع الوطني نفسه.
وقالت: «نحن في الشتات لسنا متضامنين مع فلسطين. نحن جزء من الشعب الفلسطيني، واللاجئون وقضية عودتهم إلى فلسطين ليست ملفًا جانبيًا، بل تقع في قلب القضية الفلسطينية».
وأكدت أن تفعيل دور الشتات يتطلب إعادة بناء الأطر الشعبية الفلسطينية المستقلة والديمقراطية في أماكن وجود الفلسطينيين، وإشراك الشباب والنساء والأجيال الجديدة، وربط التجمعات الفلسطينية بعضها ببعض، واستعادة ثقافة التنظيم السياسي والعمل الجماعي.
كما شددت على ضرورة أن يكون للشتات صوت حقيقي في تحديد المشروع الوطني والقرار الفلسطيني، لا أن يُستدعى فقط عندما تكون هناك حاجة إلى تظاهرة أو حملة دعم.
وحول واقع اللجوء الفلسطيني في لبنان، قالت أبو بكرة إنه لا يمكن الحديث عن اللاجئين الفلسطينيين باعتبارهم مجرد «ملف لجوء» أو مشكلة اجتماعية وأمنية تحتاج إلى إدارة.
وأضافت أن الفلسطينيين في لبنان جزء أصيل من الشعب الفلسطيني هُجّر من وطنه بفعل النكبة والاستعمار الصهيوني، ولا يزال ينتظر ممارسة حقه في العودة إلى فلسطين.
ورأت أن المخيم الفلسطيني في لبنان ليس مجرد مكان للفقر والحرمان، كما يجري تصويره في كثير من الأحيان، بل هو شاهد سياسي على جريمة اقتلاع لم تنتهِ نتائجها، ومساحة حافظ فيها اللاجئون على هويتهم الوطنية وعلى ارتباطهم بقراهم ومدنهم الأصلية وعلى ثقافة العودة والمقاومة عبر أجيال متعاقبة.
ولفتت إلى القلق من أي مقاربة تريد اختزال الوجود الفلسطيني في لبنان في مسألة السلاح أو الأمن أو المساعدات الإنسانية، معتبرة أن المطلوب أولًا الاعتراف باللاجئين الفلسطينيين كجزء فاعل من الشعب الفلسطيني، وضمان حقوقهم المدنية والاجتماعية وكرامتهم، وفي الوقت نفسه حماية حق العودة ورفض كل مشاريع التوطين والتهجير.
وأكدت أن المسؤولية فلسطينية أيضًا، موضحة أنه جرى تهميش مخيمات لبنان، مثل بقية تجمعات الشتات، في النظام السياسي الفلسطيني الذي تشكل بعد أوسلو.
وقالت إن المطلوب اليوم ليس إدارة هذا التهميش، بل إنهاؤه وإعادة اللاجئين إلى موقعهم الطبيعي في قلب الحركة الوطنية الفلسطينية وفي صناعة القرار المتعلق بمستقبل شعبهم وقضيتهم.
وفي ما يتعلق بالدعوة إلى انتخابات المجلسين الوطني والتشريعي، أكدت عضو لجنة المتابعة المركزية في حركة المسار الثوري البديل، خالدية أبو بكرة أن اختيار الشعب الفلسطيني ممثليه ومحاسبتهم حق أساسي له، ولا يمكن لأي جهة أن تحتكر تمثيل الشعب الفلسطيني أو قراره الوطني.
لكنها رأت أن السؤال المطروح اليوم ليس ببساطة ما إذا كان الفلسطينيون مع الانتخابات أو ضدها، بل أي انتخابات، ولأي مؤسسات، ومن يحق له المشاركة فيها، وتحت أي برنامج سياسي، وفي ظل أي ظروف.
وأشارت إلى أن الشعب الفلسطيني ما زال يعيش مرحلة تحرر وطني، ويواجه حرب إبادة جماعية في غزة، واحتلالًا واستعمارًا استيطانيًا متصاعدًا في الضفة والقدس، فيما يعيش ملايين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 وفي مخيمات اللجوء وفي المنافي والشتات.
وشددت على أنه لا يمكن اختزال الشعب الفلسطيني في سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا يمكن لانتخابات تشريعية تجري تحت الاحتلال وضمن المؤسسات التي أفرزها مسار أوسلو أن تعالج أزمة التمثيل الوطني الفلسطيني.
وأضافت أن الاحتلال يملك القدرة المادية على التحكم في شروط العملية الانتخابية، من خلال إغلاق المدن والطرق والحواجز، واعتقال المرشحين والناشطين، ومنع الحركة والتنقل، وتقرير ما إذا كان الفلسطيني يستطيع الوصول إلى صندوق الاقتراع أم لا.
وقالت إن الحديث عن انتخابات في غزة في ظل استمرار الإبادة والحصار والدمار يصبح مفارقة أكثر وضوحًا، فيما الأولوية هي وقف الإبادة وكسر الحصار وحماية الشعب الفلسطيني وتعزيز صموده ومقاومته.
واستعادت أبو بكرة تجربة انتخابات العام 2006، معتبرة أنه عندما جاءت نتائج صناديق الاقتراع بما لم تقبله «إسرائيل» والولايات المتحدة والقوى الغربية، لم يُحترم خيار الشعب الفلسطيني، بل فُرض الحصار والعقاب لأن النتيجة لم تكن متوافقة مع الإرادة السياسية للقوى المهيمنة.
وأضافت أنه تُفرض اليوم كذلك شروط سياسية مسبقة على القوى والمرشحين الذين يسمح لهم بالمشاركة، داعية إلى التساؤل عما إذا كان يُسمح للشعب الفلسطيني فعلًا باختيار مشروعه السياسي، أم يُسمح له فقط بالاختيار داخل حدود سياسية مرسومة سلفًا.
وفي ما يتعلق بانتخابات المجلس الوطني، أكدت أن الأمر لا يمكن فصله عن أزمة التمثيل الفلسطيني نفسها، معتبرة أن أي تمثيل وطني حقيقي يجب أن يشمل الشعب الفلسطيني كله، في فلسطين التاريخية وفي مخيمات اللجوء وفي المنافي والشتات.
وقالت إنه لا يمكن أن يكون مجرد إعادة توزيع للمقاعد داخل المؤسسات القائمة أو محاولة لإعادة إنتاجها ومنحها شرعية جديدة.
ومن هذا المنطلق، أكدت أبو بكرة أن الأولوية ليست إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية أو إعادة إنتاج مؤسسات مرحلة أوسلو بأشكال جديدة، بل بناء جبهة وطنية فلسطينية موحدة وواسعة تضم قوى المقاومة والقوى الشعبية الفلسطينية المتمسكة بالتحرير والعودة، وتعيد توحيد الشعب الفلسطيني حول مشروع تحرر وطني ومقاومة الاستعمار والاحتلال.
وختمت بالتأكيد أن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى إطار وطني جامع يعبّر عن إرادته ومقاومته، ويعيد اللاجئين والشتات إلى قلب الفعل والقرار الوطني، ويجمع الطاقات الفلسطينية في مواجهة المشروع الصهيوني بدل إخضاعها لشروط أوسلو والاحتلال والقوى الإمبريالية.
وشددت أبو بكرة على أن المسألة بالنسبة لحركة المسار الثوري البديل ليست البحث عن آلية أفضل لإدارة واقع الاحتلال، ولا عن انتخابات تمنح شرعية جديدة لمؤسسات فقدت قدرتها على تمثيل الشعب الفلسطيني، بل بناء أدوات ومؤسسات حركة تحرر وطني فلسطينية جديدة، وفي مقدمتها جبهة وطنية موحدة وواسعة للمقاومة، على أساس وحدة الشعب الفلسطيني، والتحرير والعودة، ومواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني.