| | | |

تعرف على سيرته
“أبو رعد” شهيداً.. الاحتلال يطوي بالدم سيرة الأب الذي قدّم أبناءه لفلسطين

استشهد فتحي زيدان خازم، المعروف بـ”أبو رعد”، فجر الجمعة، برصاص قوات الاحتلال خلال اقتحامها منزله في مدينة جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة، بعد سنوات تحول خلالها إلى واحد من أبرز رموز المقاومة في الضفة الغربية.

وقالت مصادر محلية إن خازم رفض الخضوع لاعتقاله خلال مداهمة قوات الاحتلال لمنزله، كما رفض محاولات التنكيل به، قبل أن يطلق جنود الاحتلال النار عليه مباشرة داخل منزله، ما أدى إلى استشهاده.

وبرحيل “أبو رعد”، يُسدل الستار على مسيرة رجل تجاوزت قصته حدود الأب الذي فقد أبناءه في مواجهة الاحتلال، ليصبح رمزاً شعبياً ووطنياً ارتبط اسمه بجنين ومخيمها، وبمرحلة عادت فيها صورة المقاتل والمطارد إلى صدارة المشهد الفلسطيني.

ولد فتحي زيدان خازم في 9 أيلول/سبتمبر 1966 في مخيم جنين، لعائلة تعود جذورها إلى قباطية، قبل أن تمر العائلة بمحطات نزوح واستقرار بين شفا عمرو وخان يونس ومخيم جنين. نشأ في المخيم، وغادر مقاعد الدراسة في سن الخامسة عشرة بعد إنهائه الصف التاسع، ليعمل في البناء ومهن مختلفة لمساعدة عائلته.

اعتقل أبو رعد خلال الانتفاضة الأولى لخمسة أعوام، قبل أن ينضم بعد قيام السلطة الفلسطينية إلى قوات الأمن الوطني، ويتدرج في صفوفها حتى أصبح ضابطاً برتبة عقيد ونائباً لقائد منطقة نابلس.

لكن اسم فتحي خازم لم يلمع على نطاق واسع إلا في 7 نيسان/أبريل 2022، بعد استشهاد نجله رعد، منفذ عملية ديزنغوف في تل أبيب، والتي أدت إلى مقتل ثلاثة مستوطنين وإصابة آخرين. ومنذ اللحظة الأولى لاستشهاد نجله، ظهر أبو رعد أمام الفلسطينيين بصورة الأب المتماسك الذي لم ينكسر.

وبعد أشهر قليلة، ودع نجله الثاني عبد الرحمن، الذي استشهد خلال اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال في مخيم جنين في أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، فيما اعتقل الاحتلال نجله الثالث همام. وخلال أقل من ستة أشهر، قدمت العائلة شهيدين وأسيراً، فيما تعرض منزلها للهدم، وتحول أبو رعد نفسه إلى مطارد دائم للاحتلال.

لم يكن أبو رعد مجرد والد لشهيدين؛ فقد أصبح واحداً من أبرز الوجوه التي خرجت من قلب مخيم جنين في تلك المرحلة. ظهر في الجنازات والمهرجانات الوطنية، وخاطب الحشود بلغة مباشرة وحادة، داعياً إلى وحدة المقاتلين والتمسك بالمقاومة ورفض تسليم السلاح.

وعُرف عنه إصراره على عدم تسليم نفسه، رغم أن الاحتلال وضعه على رأس قائمة المطلوبين، وهدد مراراً باقتحام مخيم جنين للوصول إليه. فتحولت مطاردته إلى معركة مفتوحة بين رجل ارتبط اسمه بالمخيم وبين جيش يمتلك كل أدوات القوة العسكرية والتكنولوجية.

ومع تصاعد الاقتحامات الإسرائيلية، كان أبو رعد حاضراً في المشهد الشعبي والميداني، محاطاً بالمقاتلين وأبناء المخيم. وفي إحدى كلماته التي بقيت حاضرة في الذاكرة الشعبية، خاطب الشبان داعياً الكبار إلى التقدم لحمايتهم، في صورة جسدت المكانة التي بلغها الرجل بين أبناء جنين.

وتعود جذور المقاومة في عائلته إلى أجيال سابقة؛ إذ كان خاله عثمان السعدي، المعروف بـ«أبو العواصف»، أحد قادة الثورة الفلسطينية، واستشهد في جنوب لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، فيما استشهد خاله الآخر محمد السعدي، أحد قادة «الفهد الأسود»، في اشتباك مع قوات الاحتلال بمدينة جنين عام 1992.

وفي السنوات الأخيرة، ابتعد أبو رعد عن الأضواء نسبياً وانشغل بأرضه وزراعتها ورعاية أشجار الزيتون، قبل أن تعيده أحداث عام 2022 إلى قلب المشهد الفلسطيني، لا كمسؤول أمني سابق، بل كأب لشهيدين ومطارد للاحتلال ووجه شعبي خرج من بين أزقة مخيم جنين.

على مدى السنوات الماضية، لم يكن ظهوره في جنين مجرد حضور عابر. تحول إلى رمز شعبي تجاوز حدود المخيم والضفة الغربية، وظهرت جداريات تحمل صورته في قطاع غزة وفي مخيمات اللجوء الفلسطينية في لبنان، حيث رُسمت في مخيم برج البراجنة، جدارية كبيرة على حائط في المخيم، تحمل صورة أبو رعد وقد كُتب عليها: “إنّا منتقمون”.

ومع استشهاده فجر الجمعة، ينضم فتحي خازم إلى ابنيه رعد وعبد الرحمن، بعد مسيرة امتزجت فيها تجربة الأسير والضابط والمطارد والأب الذي ودع أبناءه، قبل أن يصبح هو نفسه شهيداً برصاص الاحتلال.

رحل «أبو رعد» من المنزل الذي اقتحمه الاحتلال، لكن صورته ستبقى مرتبطة بمرحلة كاملة من تاريخ جنين: رجل فقد ابنين، ورفض أن يرفع يديه، وظل اسمه حتى اللحظة الأخيرة عنواناً للتحدي في مدينة لم تتوقف عن إنجاب المقاومين.

موضوعات ذات صلة