|

الضفّة الغربية… الجبهة التي تختبر وعي الأمة ومعنى الصمود

 

بقلم: سمر حمد – كاتبة وباحثة فلسطينية

في مساءٍ رماديٍّ من أمسيات نابلس، تنطفئ الكهرباء، لكنّ الشوارع لا تُظلم تمامًا.

 

على شرفةٍ تطلّ على الجبل الشمالي، يواصل شابٌ في أوائل العشرينات تصفّح الأخبار على هاتفٍ يتّصل بالإنترنت عبر بطاريةٍ صغيرة اشتراها في السوق المستعمل. يتنقّل بين صورِ اعتقالاتٍ جديدة، وأخبارٍ عن توسّعٍ استيطانيٍّ في قرية قريبة، ثم يتوقّف عند صورةٍ لطفلٍ يحمل علمًا صغيرًا في جنازة شهيدٍ آخر.

 

يهزّ رأسه، ويتمتم: “غدًا سيقتحمون المخيم… وسنقاوم كالعادة.” بهذه البساطة تختصر الضفة الغربية واقعها: شعبٌ يمارس الحياة والمقاومة في اللحظة نفسها، ليس لأنّ لديه خياراتٍ متعددة، بل لأنّ الصمود صار عنده غريزةً بيولوجيةً لا يحتاج إلى تنظيرٍ أو قرار.

 

منذ عامين والضفة الغربية تعيش تحت قوسٍ من النار البطيئة.

 

تقدّمت آلة الاحتلال في كلّ اتجاهٍ وهي تحمل هدفًا مزدوجًا: تفريغ الأرض من سكّانها الأصليين عبر التهجير الممنهج، وتفريغ النفوس من الإيمان بالجدوى للمقاومة عبر الإنهاك المعيشيّ والتنكيل المتواصل.

 

لكنّ هذا المشروع الذي يبدو متماسكًا على الورق، يصطدم كلّ يومٍ بواقعٍ آخر أكثر تعقيدًا، لأنّ الإنسان الفلسطيني – كما تعلّمه التاريخ – لا يُقهر بالقوة ولذلك فإنّ المعركة في الضفة اليوم ليست فقط معركة الأرض، بل معركة الذاكرة والوعي. يتصرّف الاحتلال كما لو أنّه يعيد رسم الخريطة بخيوطٍ من الحديد والأسفلت.

 

يجعل من الطريق التي تصل قريتين ساحة تفتيش، والتنقل رحلة محفوفة بالخطر والموت ، ومن المزرعة موقعًا عسكريًا، ومن الجبل برج مراقبة، ومن الليل ممرًّا للمدرّعات. لكنّ الفلسطيني هناك لا يتقن الجغرافيا بحدودها العسكرية، بل بحدود القلب الذي يؤمن بأنه صاحب الحق فيعرف أين يبدأ وطنه، ولا يعرف أين ينتهي، لأنّ الأرض عنده ليست ملكًا، بل عهدٌ بين الأجيال.

 

يُقال في علم السياسة إنّ السيطرة تُقاس بالقدرة على فرض النظام، لكن في الضفة تُقاس بالقدرة على تحمّل الفوضى دون أن تفقد إيمانك بأن الحق عائد لا محال !!!!

 

في مدن الضفة وقراها تتكرّر مشاهد الاحتلال كل يوم: جنودٌ يقتحمون بيتًا مع الفجر، مستوطنون يهاجمون قريةً نائية، حاجزٌ يقطع الطريق على عمّالٍ في طريقهم إلى رزقهم، طفلٌ يحمل حقيبته ويسير بجوار جدارٍ إسمنتيٍّ يفصل مدرسته عن الحقول.

 

هي تفاصيل يومية تبدو عادية لكثرتها، لكنها في جوهرها محاولةٌ دؤوبة لإعادة تعريف الإنسان الفلسطيني. فالاحتلال لا يريد فقط أن يحتلّ الأرض، بل أن يحتلّ الإدراك، أن يجعل الفلسطيني يرى نفسه من خلال عيون الجنديّ الذي يفتّشه.ومن هنا تبدأ المقاومة الحقيقية: حين يرفض الإنسان أن يرى ذاته كما يرسمها عدوه.

 

الاقتصاد في الضفة ليس محاصرًا فحسب، بل مُصمَّمٌ ليكون أداة إخضاعٍ باردة. أموال المقاصة تُحتجز كلّما أراد الاحتلال معاقبة السلطة، والمساعدات تُفتح وتُغلق وفق إيقاع السياسة الدولية، وفرص العمل داخل الخط الأخضر تُقدَّم كمنّةٍ اقتصادية مشروطةٍ بالهدوء الأمني.

 

في هذا السياق يصبح الرغيف نفسه جزءًا من منظومة السيطرة. لكن المفارقة أن الفلسطيني – رغم ضيقه وقهره – يرفض أن يُسلِّم لليأس مقاليده. ما زال يزرع الزيتون على حدود المستوطنات، وما زال الأطفال يلعبون في الأزقة تحت عيون القناصة .

 

في العامين الأخيرين، سجّلت منظمات دولية أكثر من ألفَي اعتداءٍ نفّذه المستوطنون ضد الفلسطينيين في الضفة، تحت حمايةٍ مباشرة من الجيش.المستوطنون لم يعودوا مجرد متطرفين على الهامش، بل صاروا ذراعًا تنفيذية لسياسة دولةٍ تتبنّى “التطهير الهادئ”.

 

لا تُصدر أوامر عسكرية بالتهجير، لكنها تسمح لعنف المستوطنين أن يقوم بالمهمة نيابة عنها. وهكذا يتحوّل العنف الفردي إلى هندسةٍ ديموغرافيةٍ ممنهجة، تدفع الناس إلى الرحيل من دون إعلانٍ رسميٍّ بالطرد.

 

أما القدس، فتبقى القلب الذي يُعيد تعريف العلاقة بين الدين والسياسة في هذا الصراع. كلّ اقتحامٍ للأقصى ليس حادثًا عابرًا في جدول الاحتلال، بل جزءٌ من مشروعٍ يريد نزع القداسة عن المكان ليُعيد تشكيل الوعي من جذوره.

 

لكنّ كلّ اقتحامٍ هناك يُولّد في الضفة غضبًا يُعيد ربط الفلسطينيين بهويتهم ،الأقصى، بهذا المعنى، لم يعد مجرّد معلمٍ ديني، بل هو الذاكرة المركزية للأمة، الميزان الذي يختبر حرارة الإيمان وبرودة الحسابات السياسية.

 

وحين نقرأ المشهد بعينٍ استراتيجية، نكتشف أن الضفة الغربية هي أكثر من مجرد ساحةٍ جغرافية، إنها عقدة القضية الفلسطينية وميزان مستقبلها. فمن يسيطر على الضفة يملك القدرة على تحديد مصير المشروع الوطني برمّته.

 

الاحتلال يدرك ذلك جيدًا، ولذلك يسعى لإبقاء الوضع في “منطقة الرمادي”: لا سلام يريح الفلسطينيين، ولا حرب تزعج الإسرائيليين.

 

يريدها منطقة توازنٍ هشٍّ بين الإخضاع والمراوغة، بين الخنق والإغراء، بحيث تُدار القضية لا لتُحلّ، بل لتُستنزف. لكنّ الميدان لا يطيع دائمًا قوانين المهندسين السياسيين.فمن رحم الضعف يولد ما لا يُتوقّع.

 

الجيل الجديد في الضفة يعيش في واقعٍ يائسٍ ظاهريًا، لكنه في الوقت نفسه جيلٌ حرّ من أوهام التسوية ومن عقدةالهزيمة  يخلق أدواته بوسائل بسيطةٍ ومُدهشة.

 

يُقاوم بالكلمة والصورة والحجر وبالوعي الجمعيّ الذي بدأ يتجاوز الخوف.وهذا الوعي – كما يعلّمنا التاريخ – هو أخطر ما يواجه أيّ احتلال، لأنه حين يصبح الصمود ثقافةً لا ردّ فعل، تفقد القوة المادية معناها.

 

من رحم هذه المعاناة تولد المقاومة بوصفها موقفًا قبل أن تكون فعلًا. حين يخرج شابٌّ أعزل في مواجهةِ دبابة، فهو لا يسعى إلى تسجيل انتصارٍ عسكريٍّ مستحيل، بل إلى إعلانِ حقّه في المعنى والوجود يقول للدبابة: “أنا لستُ عددًا في الإحصاء، بل روحٌ لا تملك مفاتيحها”. ولذلك فإنّ الاحتلال، مهما انتصرَ في الميدان، يبقى خاسرًا في اللغة التي لا يفهمها: لغةُ المعنى الذي اصله التجذر بالأرض والتشبث بالحق .

 

السلطةُ الفلسطينية في هذا السياق تبدو عالقةً بين لغتين؛ لغةُ الواقعية السياسية التي تُبرّر كلَّ تنازلٍ باسم الممكن، ولغةُ الشعب التي ما زالت تحتفظ بالوضوح الفطريّ لمعنى التحرّر. وإنّ أخطر ما تواجهه السلطة اليوم ليس ضعفها الإداريّ ولا فسادها الماليّ، بل انقطاعُها عن الضمير الجمعيّ الذي أنشأها. فحين تتحوّل مؤسسات التحرّر إلى أدواتِ ضبطٍ اجتماعيٍّ باردة، ينهارُ الرابطُ الأخلاقيّ الذي يجعل الناسَ يطيعونها طاعةَ الواجب، لا طاعةَ الخوف.

 

ليست المشكلة في أنّ الضفّة ضعيفة، بل في أنّ بعضَ النخب استمرأت هذا الضعف كخيارٍ دائم، فصار الاستسلامُ يُقدَّم بلبوس الحكمة.

 

من جهةٍ أخرى، فإنّ الاستراتيجية الإسرائيلية – القائمة على “الضغط دون الانفجار” – بلغت حدَّها الأقصى. فكلُّ ضغطٍ طويلٍ يولّد ردَّ فعلٍ لا يمكن التنبؤ به.

 

والاحتلالُ الذي يراهن على تفكيكِ المجتمعِ الفلسطينيّ نسي أنّ المعاناةَ الطويلة تصنع هويةً أكثر صلابةً مما يتخيّل. قد يُهزمُ الفلسطينيُّ في معركة، لكنه لا يُهزم في الذاكرة.

 

وحين يتحوّل الوعي إلى ذاكرةٍ حارسة، تفقد السياسةُ قدرتها على الإخضاع.

 

الضفّة الغربية اليوم بحاجةٍ إلى مشروعٍ يُعيد ترتيب العلاقة بين ثلاثةِ عناصر: المقاومة، والسلطة، والمجتمع. فالمقاومةُ من دون مشروعٍ سياسيٍّ تتحوّل إلى طاقةٍ متبدّدة، والسياسةُ من دون روح المقاومة تصبحُ وظيفةً بيروقراطية، والمجتمعُ من دون الاثنين يتحوّل إلى جمهورٍ متفرّج.

 

التحدّي هو في بناءِ عقدٍ جديدٍ بين هذه الأضلاع الثلاثة، يقومُ على الشراكة لا على الوصاية، وعلى الوعي لا على الولاء.

 

لكنّ هذا البناء لا يبدأ من القمم، بل من القاعدة. من الفلاح الذي يزرع أرضه رغم الجدار، من المعلّم الذي يدرّس تلاميذه تاريخ بلادهم رغم المناهج المحرّفة، من الأمّ التي تروي لأبنائها حكايات القرى المهدّمة كي لا تُمحى الذاكرة.

 

فهؤلاء جميعًا هم “السلطة الحقيقية” التي لا تسقط بالانقلاب ولا بالتآكل، لأنّها مغروسةٌ في الوعي الجمعيّ فيمكن القول إنّ الضفّة الغربية ليست مجرّد ساحةٍ جغرافيةٍ متوترة، بل وثيقةُ اختبارٍ كبرى للعقل العربيّ والإرادة الفلسطينية. هناك، في المسافة بين الرصاص والدعاء، تتشكّلُ ملامحُ النهضة المقبلة.

 

لأنّ الذين يربّون الأمل في أرضٍ محاصرة، قادرون غدًا على أن يزرعوا الحرية في عالمٍ مأزوم.

 

وحين يُخيَّر الفلسطيني بين العيش بلا كرامةٍ والموت بمعنى، يختار المعنى، لأنّ المعنى هو الحياة.

 

فسلامٌ على الضفّة وهي تمشي في ليلها الطويل، تحملُ مفاتيح النهار القادم، وتُذكّرنا جميعًا أن الطريقَ إلى القدس تمرُّ أولاً عبر الوعي، ثم عبر الإرادة، ثم عبر الدم الطاهر الذي يوقظ الأرض من سباتها.

 

التحدّي هو في بناءِ عقدٍ جديدٍ بين هذه الأضلاع الثلاثة، يقومُ على الشراكة لا على الوصاية، وعلى الوعي لا على الولاء.

 

لكنّ هذا البناء لا يبدأ من القمم، بل من القاعدة. من الفلاح الذي يزرع أرضه رغم الجدار، من المعلّم الذي يدرّس تلاميذه تاريخ بلادهم رغم المناهج المحرّفة، من الأمّ التي تروي لأبنائها حكايات القرى المهدّمة كي لا تُمحى الذاكرة.

 

فهؤلاء جميعًا هم “السلطة الحقيقية” التي لا تسقط بالانقلاب ولا بالتآكل، لأنّها مغروسةٌ في الوعي الجمعيّ فيمكن القول إنّ الضفّة الغربية ليست مجرّد ساحةٍ جغرافيةٍ متوترة، بل وثيقةُ اختبارٍ كبرى للعقل العربيّ والإرادة الفلسطينية. هناك، في المسافة بين الرصاص والدعاء، تتشكّلُ ملامحُ النهضة المقبلة.

 

لأنّ الذين يربّون الأمل في أرضٍ محاصرة، قادرون غدًا على أن يزرعوا الحرية في عالمٍ مأزوم.

 

وحين يُخيَّر الفلسطيني بين العيش بلا كرامةٍ والموت بمعنى، يختار المعنى، لأنّ المعنى هو الحياة.

 

فسلامٌ على الضفّة وهي تمشي في ليلها الطويل، تحملُ مفاتيح النهار القادم، وتُذكّرنا جميعًا أن الطريقَ إلى القدس تمرُّ أولاً عبر الوعي، ثم عبر الإرادة، ثم عبر الدم الطاهر الذي يوقظ الأرض من سباتها.

 

موضوعات ذات صلة