تهدف هذه المقالة لمناقشة قضية مقاومة الاحتلال التي أصبحت بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو سنة 1993 قضية خلافية في الساحة الفلسطينية على الرغم من أنها قضية مشروعة ومشرعة دوليًا، ومبرر ممارستها هو استمرار الاحتلال بعد أوسلو.
وعلى الرغم من ذلك عملت قيادة السلطة الفلسطينية على معاقبة كل من يقوم بعمل عسكري حتى خارج نطاق مناطق السلطة أي في المنطقة “ج وب”، فقد أجمع المجتمع الدولي والقانون الدولي على أن الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل سنة 1967 “الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة” هي أراضٍ محتلة، وأن هذا الاحتلال يولد حقاً طبيعياً ومشروعاً للشعب الفلسطيني في المقاومة لاستعادة حقوقه.
حيث تُصنف هذه الأراضي دولياً كـ “أراضٍ محتلة” بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، مما يعني أن السيادة عليها لا تنتقل للمحتل، وأن وجوده فيها يجب أن يكون مؤقتاً، وكان واضحًا في 19 تموز/يوليو 2024، عندما أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً تاريخياً أكدت فيه أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، ويجب إنهاؤه بأسرع وقت ممكن، وشددت على أن هذه الأراضي (الضفة، القدس، غزة) تشكل وحدة سياسية واحدة، ويذكر أنه حتى لو تم الضم فهو باطل ولا يعترف المجتمع الدولي بأي إجراءات إسرائيلية لضم القدس الشرقية أو توسيع المستوطنات، ويُعتبرها إجراءات باطلة ومخالفة لمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة.
وعليه، جاء حق المقاومة في القانون الدولي النابع من حق تقرير المصير، فالمقاومة هي الأداة التي تمارس بها الشعوب حقها في تقرير المصير عندما يُسلب منها بالقوة.
وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مراراً على “شرعية كفاح الشعوب من أجل الاستقلال والتحرر من السيطرة الاستعمارية والأجنبية بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلح”.
بالإضافة إلى الحق الواجب بالدفاع عن النفس، حيث يُعتبر التصدي لجيش الاحتلال وللمستوطنين المسلحين شكلاً من أشكال الدفاع عن النفس والمال والأرض، وهو حق مكفول في القوانين الوضعية والشرائع السماوية والشرعية الدولية، فاعتراف الأمم المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي، واعترافها لاحقاً بـ “دولة فلسطين” كعضو مراقب، يعزز من الموقف القانوني لهذا الكفاح كحركة تحرر وطني معترف بها دولياً، فبموجب رأي محكمة العدل الدولية الأخير، فإن جميع الدول ملزمة بـعدم الاعتراف بشرعية الوضع الناشئ عن الاحتلال، وعدم تقديم العون أو المساعدة في الحفاظ على هذا الوضع بما في ذلك الاستيطان، والعمل على ضمان ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير مصيره. وهنا لابد من إعادة التذكير بأهم الركائز الأساسية لحق المقاومة في القانون الدولي:
أولها، حق تقرير المصير، حيث أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة (مثل القرار 37/43 عام 1982) على الحق غير القابل للتصرف للشعوب الخاضعة للاستعمار في تقرير مصيرها، مما يضفي شرعية على مقاومة الاحتلال.
وثانيها، المشروعية الدولية التي تنص على أن مقاومة الاحتلال ليست إرهاباً بل نضالاً مشروعاً، ويُعتبر منع الشعوب من هذا الحق إنكاراً للمساواة والكرامة الإنسانية.
وثالثها، الدفاع الجماعي عن النفس حيث يُنظر للمقاومة، وفقاً لـ ميثاق الأمم المتحدة (1970)، كشكل من أشكال الدفاع الوطني عن النفس في مواجهة العدوان والاحتلال.
وتتجسد الرابعة، في حدود المقاومة فالقانون الدولي الإنساني يقر هذا الحق، ولكنه يشدد على ضرورة التزام حركات المقاومة بقوانين الحرب وأعرافها (مثل التمييز بين المدنيين والمقاتلين).
أما بخصوص الأسس القانونية والشرعية لحق المقاومة فهي تعتمد على ميثاق الأمم المتحدة الذي يعترف بالحق الأصيل في الدفاع عن النفس (المادة 51) وبحق الشعوب في تقرير مصيرها، بالإضافة إلى قرارات الجمعية العامة حيث أصدرت الأمم المتحدة عدة قرارات تؤكد شرعية كفاح الشعوب من أجل الاستقلال والتحرر من السيطرة الاستعمارية والأجنبية “بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلح” (مثل القرار رقم 2625 والقرار 3246)، والقانون الدولي الإنساني الذي يحمي المقاتلين -الأسرى- المشاركين في حركات المقاومة والمدنيين، (اتفاقيات جنيف).
وبناء على ما سبق يمكن الحديث عن أشكال المقاومة الفلسطينية وغيرها، حيث تتعدد الأساليب التي تمارسها الشعوب لاستعادة حقوقها، وتشمل: المقاومة المسلحة، العمليات العسكرية الموجهة ضد قوات الاحتلال ومنشآته، والمقاومة الشعبية والمدنية، وتشمل المظاهرات، والإضرابات، والعصيان المدني، والتخريب الشعبي، والمقاومة السياسية والدبلوماسية، والتحرك في المحافل الدولية لانتزاع اعتراف بالحقوق الوطنية وفرض عقوبات على المحتل.
فتُعتبر مقاومة الاستيطان والمستوطنين جزءاً لا يتجزأ من حق تقرير المصير والدفاع عن الحقوق الوطنية، وهي مكفولة بموجب القانون الدولي نظراً لعدم شرعية وجود المستوطنات في الأراضي المحتلة من حيث المبدأ حيث يستند هذا الحق إلى الأسس القانونية في أولها، عدم شرعية الاستيطان (الجريمة الأصلية)، ففي اتفاقية جنيف الرابعة (المادة 49): تحظر بوضوح على قوة الاحتلال نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، وقرار مجلس الأمن 2334 (2016): أكد أن المستوطنات الإسرائيلية “ليس لها أي شرعية قانونية وتُشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي”، بالإضافة إلى رأي محكمة العدل الدولية عام 2024: حيث أكدت أن وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، ويجب إنهاؤه بأسرع وقت ممكن، وشددت على ضرورة إخلاء جميع المستوطنات وتفكيكها.
وثانيها، شرعية مقاومة المستوطنين كأدوات للاحتلال بما أن المستوطنات تُعتبر “تغييراً دائم الأثر” في أرض محتلة بالقوة، فإن مقاومتها تُعد دفاعاً عن الإقليم الوطني ضد الضم غير القانوني.
وفي القانون الدولي، لا يتمتع المستوطنون بحماية “المدنيين” التقليدية إذا شاركوا في أعمال عدائية أو إذا كان وجودهم جزءاً من عملية عسكرية للسيطرة على الأرض.
وبما أن المستوطنين مسلحون ويشاركون في اعتداءات منظمة تحت حماية جيش الاحتلال، فإن التصدي لهذه الاعتداءات يُصنف كـدفاع عن النفس، ويجب استخدام المقاومة بكل أشكالها لمواجهة قطعان المستوطنين.
فالحق في مقاومة الاستيطان هو رد فعل مشروع على فعل غير قانوني (الاستيطان) يهدف إلى الاستيلاء على الأرض ومنع الشعب من تقرير مصيره، ففي الضفة الغربية هناك أكثر من 200مستوطنة ومثيلها بؤر استيطانية وأيضًا مثيلها بؤر رعوية. وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مراراً على حق الشعوب في الكفاح ضد السيطرة الاستعمارية والأجنبية بكل الوسائل المتاحة.
فحق المقاومة من خلال التخريب الشعبي ضد الاحتلال لتعطيل بنيته التحتية أو إفشال مخططاته تحت مسمى “المقاومة الشعبية” أو “التخريب الشعبي المشروع” يندرج ضمن سياق حركات التحرر الوطني، ولها أبعاد قانونية وواقعية محددة:
من منظور القانون الدولي، وتحديداً بروتوكولات اتفاقيات جنيف، هناك فرق بين “الإرهاب” وبين “مقاومة الاحتلال”.
فالتخريب الذي يستهدف المستوطنات والأهداف العسكرية أو المنشآت التي تخدم المجهود الحربي للاحتلال يُعتبر عملاً مشروعاً في إطار الكفاح المسلح أو الشعبي، ويستهدف بنية السيطرة: مثل تعطيل طرق إمداد الجيش، تخريب جدران الفصل، أو تعطيل تقنيات المراقبة والقمع، والتخريب كأداة في المقاومة الشعبية. تاريخياً، استخدمت الشعوب المحتلة (مثل المقاومة الفرنسية ضد النازية أو حركة مناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا) أساليب “التخريب” لشل قدرة المحتل على الإدارة والسيطرة، ومن أمثلتها:
تعطيل البنية التحتية للاستيطان: مثل إعاقة بناء الطرق الالتفافية أو تخريب المعدات التي تستخدم في هدم المنازل، والمقاطعة الاقتصادية الشاملة: مثل تخريب المصالح الاقتصادية التي تدر ربحاً للمحتل من الأرض المحتلة، والعصيان المدني النشط: تعطيل الأوامر العسكرية والأنظمة الإدارية التي يحاول الاحتلال فرضها.
أما من ناحية الحماية القانونية للمشاركين في هذه الأعمال، فيعتبرون في نظر القانون الدولي “مقاتلين” أو “أفراد حركات تحرر”، ولهم الحق في معاملة “أسرى الحرب” عند الاعتقال، رغم أن قوة الاحتلال ترفض هذا التصنيف وتصفهم بـ “المخربين” للتهرب من التزاماتها الدولية.
ومن حيث الفاعلية السياسية، فهذا النوع من المقاومة يهدف إلى رفع كلفة الاحتلال، بحيث يصبح استمرار الاحتلال عبئاً اقتصادياً وأمنياً يفوق الفوائد التي يجنيها منه، مما يدفعه في النهاية للانسحاب.
فكل ما سبق من حق للشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال وواجبه في مقاومة الاحتلال ومواجهة الاستيطان والمستوطنين بكل الوسائل، ولكن انقلب الدور وتغيرت الحالة وأخذت قطعان المستوطنين في القيام بأعمال التخريب وكل الأشكال الممنوحة للشعب الفلسطيني في طرد الاحتلال والمستوطنين.
حيث استولى المستوطنون على أدوات النضال الوطني الفلسطيني المشروع، وقلبوا غاياتها، فمارسوها بأقصى درجات العنف ضد أصحاب الأرض الحقيقيين، في انتهاكٍ صارخٍ لحقوق الشعب الفلسطيني وقواعد القانون الدولي.
فتجد المستوطن يقوم بسرقة الأغنام وحرق البيوت والسيارات وقطع الأشجار وحرق المزروعات والممتلكات العامة وإغلاق الطرقات والاستيلاء على الأرض والمياه والينابيع وقطعها عن الأهالي وإلقاء الحجارة والملتوف على الشعب الفلسطيني في الطرقات وسرقة ممتلكات الشعب وصولًا إلى الاعتقال والقتل والإرهاب والترهيب وطرد المواطنين من بيوتهم والاستيلاء عليها وطردهم من أراضيهم وإنشاء بور استيطانية عليها ورعي المواشي المسروقة من المواطنين في أراضي المواطنين وتهجير البدو ورفع الأعلام على جميع الطرقات وكأن الضفة جميعها تحت العلم الإسرائيلي، وتطويق القرى الفلسطينية في بؤر استيطانية رعوية وزراعية لمنع الحركة وحشر المواطنين في الهيكل السكني للقرى فقط وخنقها اقتصاديًا.
بالإضافة إلى حرب إبادة الزيتون من قبل الجيش والمستوطنين وكل ذلك بتمويل من الحكومة وحراسة الجيش الإسرائيلي للبؤر التي أُقيمت على أراضي المواطنين، والحكومة تقوم بسن القوانين لتشريع عشرات البؤر الاستيطانية حتى غدت شوارع وجبال وسهول الضفة الغربية تعج في المستوطنين، وفي كل يوم يمارس المستوطنون أعمال التخريب والاعتداءات والسرقات الممنهجة، والمنظمة والممولة، من أجل إفراغ الضفة من الوجود الفلسطيني وضمّها إلى دولة الاحتلال.
ويذكر أن هناك مجموعات من المستوطنين منظمة ومدربة ومجهزة وتمتلك كل الإمكانيات لتنفيذ الجرائم في القرى الفلسطينية وأطراف المدن، يمارسون الإجرام والقتل ولديهم جمعيات تدعمهم بكل الإمكانيات لمواصلة هذه الهجمات ضد الشعب الفلسطيني، وكل الممارسات والمعطيات تشير إلى أن هذه العصابات سوف ستنفذ المجازر في القرى بظل الدعم اللامحدود من قبل الجيش الإسرائيلي والحكومة التي توفر لهم كل الدعم من خلال وزير المالية سموتريتش ووزير الأمن الداخلي بن غفير الذي سلحهم ومازال يشجعهم ويدعمهم ويعطيهم الغطاء القانوني، وفي ظل عجز السلطة عن حماية المواطنين وحتى عدم التحرك الدولي والقيام بخطوات تمنع الاعتداءات اليومية على المواطنين سنكون أمام عملية نزوح كبيرة من القرى الفلسطينية والمناطق المحاذية لتواجد المستوطنين وسوف ينحصر الوجود الفلسطيني في المناطق ذات الكثافة السكانية في المدن والبلدات الكبيرة.