لوحة «جمل المحامل» للفنان الفلسطيني سليمان منصور ليست مجرد لوحة تشكيلية؛ قصتها تكاد تكون حكاية اللوحة الفلسطينية نفسها: كيف تحوّل مشهد بسيط من شوارع القدس إلى رمز لشعب يحمل وطنه فوق كتفيه.

كيف بدأت الفكرة؟
في أواخر الستينيات كان منصور يرى في البلدة القديمة في القدس العتّالين، وهم رجال ينقلون البضائع والأثاث على ظهورهم. لفت نظره بشكل خاص أن بعض هؤلاء الرجال كانوا كباراً في السن، ومع ذلك يحملون أشياء ضخمة تفوق أجسادهم حجماً. حاول في البداية رسم عتّال يحمل خزانة أو ثلاجة.
ثم جاءت حرب تشرين/أكتوبر 1973، وهنا تغيرت الفكرة جذرياً: بدلاً من أن يحمل العتّال أثاثاً أو بضائع، قرر منصور أن يجعله يحمل القدس نفسها؛ فوضع قبة الصخرة فوق ظهره.
وهكذا وُلدت النسخة الأولى من «جمل المحامل» عام 1973.
المفارقة الجميلة أن منصور لم يسمِّ اللوحة بهذا الاسم.
عندما كانت اللوحة تُحضّر للطباعة في القدس، كان الكاتب الفلسطيني الكبير إميل حبيبي موجوداً في المكان، ودار نقاش حول اختيار اسم للعمل. اقترح حبيبي اسم «جمل المحامل»، فأُعجب به الحاضرون واعتمدوه.
والاسم بالغ الدلالة: فالعتّال أصبح مثل الجمل الذي يحمل الأثقال، لكن الحمل هنا ليس أثاثاً أو بضائع، بل مدينة ووطن وتاريخ وذاكرة.
كيف تحولت إلى أيقونة؟
الحدث الأهم لم يكن عرض اللوحة في معرض فني فقط، بل طباعتها كملصق وانتشارها الشعبي.
طُبعت اللوحة وانتشرت في المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، حتى أصبحت موجودة في بيوت الفلسطينيين ومكاتبهم. وفي منتصف السبعينيات وصلت إلى الأردن وانتشرت هناك أيضاً.
واللافت أن انتشارها لم يكن مقتصراً على جمهور الفن؛ فقد أصبحت الصورة نفسها جزءاً من الذاكرة السياسية والشعبية الفلسطينية.
ومن هنا يمكن فهم سبب أن كثيراً من الفلسطينيين يعرفون صورة «جمل المحامل» حتى لو لم يعرفوا اسم الفنان الذي رسمها.
وماذا حدث للوحة الأصلية؟
هذه واحدة من أكثر فصول القصة إثارة.
في عام 1976 أُقيم معرض في لندن، وكانت اللوحة موجودة فيه. اشتراها السفير الليبي في لندن، بحسب رواية منصور، لتقديمها هدية إلى معمر القذافي بمناسبة عيد ميلاده. ومنذ ذلك الوقت لم يعرف منصور مصير النسخة الأولى.
في 2015 أعلنت دار كريستيز أن النسخة الأصلية التي رسمها منصور عام 1973 موجودة لدى مقتنٍ للأعمال الفنية في لندن، وبعد الفحص جرى التحقق من أنها النسخة الأصلية.
لماذا توجد أكثر من نسخة؟
منصور أعاد رسم «جمل المحامل» لاحقاً، ولذلك توجد نسخ متعددة للعمل، وليست كل صورة نراها اليوم هي اللوحة الأصلية الأولى.
ومن أبرزها نسخة 2005، التي أدخل فيها الفنان بعض التغييرات والعناصر الجديدة.