انطلاقًا من تجربته وتخصصه الرياضي، أصدر الباحث والكاتب الرياضي هليل العلي كتابه الجديد «الباحة النبوية في الأحاديث الرياضية»، جامعًا فيه الأحاديث النبوية المتعلقة بالرياضة، ومقدّمًا لها بأسلوب مبسّط يربط بين الممارسة الرياضية والهدي النبوي.
وقال العلي في مقابلة مع موقع «صدى الشتات» إن فكرة الكتاب جاءت من خلال تخصصه الرياضي، سواء من خلال عمله في إدارة المؤسسة الفلسطينية للشباب والرياضة في لبنان، أو من خلال الاتحادات الرياضية الفلسطينية والأندية.
وأوضح أنه وجد في هدي النبي صلى الله عليه وسلم الكثير من الأحاديث الرياضية التي كانت قولًا أو فعلًا أو أمرًا، مشيرًا إلى أن من يقرأ في الهدي النبوي يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان «رياضيًا قويًا وفارسًا وراميًا وخيّالًا ومسابقًا وسابحًا ومصارعًا وغيرها».
وأضاف أن قراءته في الهدي الرياضي للنبي صلى الله عليه وسلم كوّنت لديه فكرة إصدار كتاب بعنوان «الرياضة رؤية إسلامية»، وهو كتاب شامل يتناول الرياضة وأهميتها في الإسلام وشرعيتها، لكنه اختار الأحاديث النبوية الواردة في أبوابه وخصصها في كتاب «الباحة النبوية في الأحاديث الرياضية».

لماذا «الباحة النبوية»؟
وعن اختيار اسم الكتاب، قال العلي إن كلمة «باحة» في اللغة تعني المكان المتسع والواسع، موضحًا أنه وجد في الأحاديث الرياضية عند النبي صلى الله عليه وسلم الكثير، «كالباحة الواسعة»، فاختار هذا المصطلح، معتبرًا أنه أعطى الكتاب قوة أكبر.
ويقدّم الكتاب طرحًا مبسّطًا وسهلًا للأحاديث النبوية المتعلقة بالرياضة، من خلال روايتها وشرح معانيها بأسلوب واضح بعيد عن التعقيد والتوسع. وحرص العلي على أن يكون الكتاب منهاجًا نبويًا عمليًا يستفيد منه الشباب الرياضيون، ولا سيما الذين يتخذون من الرياضة وسيلة للدعوة إلى الله ورسوله ﷺ، فيجمعون بين ممارسة الرياضة والاقتداء بالهدي النبوي.
وبيّن أن «الباحة النبوية» هو في الأساس كتاب أحاديث نبوية ذات صلة مباشرة بالتخصص الرياضي، لذلك لم يتوسع في الجوانب الفكرية والفقهية والتربوية المرتبطة بالرياضة في الإسلام، تاركًا هذا التوسع لكتابه القادم بعنوان «الرياضة رؤية إسلامية»، الذي سيتناول الموضوع بصورة أشمل وأعمق.
المنهج والمصادر
وفي ما يتعلق بالمنهج الذي اتبعه في إعداد الكتاب، أوضح العلي أن منهجه لم يكن منهج المحدّث المتخصص، وإنما اعتمد على الرجوع إلى المصادر الإسلامية وكتب الحديث وشروح العلماء والمراجع المتخصصة، واختيار الأحاديث ذات الصلة بموضوع الكتاب، مع الحرص على توثيقها قدر الإمكان وعدم الاعتماد على مصادر مجهولة أو غير موثوقة.
وأضاف أنه يدرك أن الحكم على صحة الحديث وضعفه من اختصاص أهل علم الحديث، ولذلك كان دوره جمع الأحاديث المتعلقة بالرياضة وترتيبها وتصنيفها وبيان دلالاتها التربوية والرياضية، بينما ترك التحقيق الحديثي الدقيق لأهل الاختصاص، الذين قال إنهم لم يبخلوا بوقتهم وجهدهم في المراجعة والتحقيق.
من الرماية والفروسية إلى الرياضات الحديثة
ورأى العلي أن الرياضة في عصرنا الحاضر تمثل امتدادًا متطورًا للرياضات التي كانت معروفة وممارسة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال إنه من خلال ما وقف عليه في السيرة العطرة والهدي الشريف، لم يجد رياضة من تلك الرياضات قد توقفت أو اندثرت، وإنما تطورت أشكالها ووسائل ممارستها بما يتناسب مع تطور الحياة، مع بقاء أصل النشاط الرياضي حاضرًا حتى يومنا هذا.
ومن الأمثلة التي أوردها حديث «تربيع الحجر»، الذي يمكن النظر إليه بوصفه صورة قديمة من النشاط البدني القائم على حمل الأثقال ورفعها، وهو ما تطور في عصرنا الحديث إلى رياضة رفع الأثقال بمفهومها وقواعدها المعروفة اليوم.
وأشار إلى أنه يمكن فهم هذه الأحاديث على أنها أصول أو صور مبكرة لأنشطة رياضية كانت تعتمد لأغراض تخدم الدولة، وتطورت لاحقًا في الشكل والقواعد والوسائل، مع بقاء جوهر النشاط البدني أو المهاري موجودًا.
وبيّن أن الرماية التي كانت قديمًا تقوم على استعمال القوس والسهم والتدريب على إصابة الهدف، أصبحت اليوم رياضة الرماية الحديثة بأقواس ومعدات وقواعد ومسابقات منظمة، فيما تطور ركوب الخيل والتدرب عليه إلى رياضات الفروسية المتعددة، مثل قفز الحواجز والترويض وسباقات القدرة.
أما السباحة، التي كانت معروفة قديمًا بوصفها مهارة بدنية نافعة، فقد أصبحت اليوم رياضة تنافسية لها مسافات وقواعد وأحواض وبطولات، كما يمكن فهم المسابقات في الجري والرمي والركوب وغيرها باعتبارها أصلًا لفكرة التنافس الرياضي المنظم، وإن اختلفت صورها الحديثة وقوانينها.
مواجهة الخمول وإعادة الاعتبار للحركة
وتحدث العلي عن إمكانية الاستفادة من الهدي النبوي في مواجهة قلة الحركة والخمول في المجتمع، من خلال إعادة تقديم النشاط البدني بوصفه سلوكًا نافعًا للجسم والنفس، وليس مجرد ممارسة رياضية.
وقال إن الهدي النبوي شجّع على القوة والرماية والفروسية والسباحة والمشي والجري والمسابقات، وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان كثير المشي والحركة، وقد وصف الإمام علي رضي الله عنه مشيته بقوله: «إذا مشى توكّأ»، أي أسرع في مشيه، وهو ما يعكس نشاطًا وحيوية في الحركة.
ودعا إلى تحويل هذه القيم إلى برامج رياضية بسيطة ومتاحة للجميع، وخاصة للأطفال والشباب، وتشجيع الأسرة والمدرسة والمؤسسات الرياضية على جعل الحركة جزءًا من الحياة اليومية لأهميتها في الحفاظ على صحة البدن والفكر.
المنافسة المشروعة والتعصب المرفوض
وفي حديثه عن المنافسة الرياضية، أكد العلي أن الهدي النبوي يقر المنافسة الرياضية المشروعة ويجعلها وسيلة للقوة والتدريب، مع الالتزام بالعدل واحترام المنافس وقبول النتيجة.
واستشهد بمسابقة النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها، وتنظيمه سباقات الخيل وتحديد مسافاتها وغاياتها، معتبرًا أن ذلك يدل على تنظيم المنافسة وضبط نتائجها.
وأضاف أن التعصب يبدأ عندما يتحول التنافس من الرغبة في الفوز إلى كراهية المنافس، أو الغش، أو ظلم الحكم، أو رفض النتيجة والإساءة للآخر.
وفي ضوء القيم الإسلامية، رأى أن العنف والشغب والتعصب في الملاعب يمثل خروجًا بالرياضة عن رسالتها التربوية، لأن الإسلام يدعو إلى ضبط النفس والعدل واحترام الآخرين وينهى عن الاعتداء والإساءة.
وقال: «فالرياضة منافسة وليست عداوة، والفوز لا يبرر إهانة المنافس أو الحكم، ولا الاعتداء عليه»، معتبرًا أن القوة الحقيقية من المنظور النبوي ليست في التغلب على الآخرين فقط، بل في ضبط الغضب والنفس.
وختم هذه الفكرة بالقول إن التعصب يبدأ عندما يصبح انتماء المشجع لفريقه أقوى من التزامه بأخلاقه، وعندها يتحول الملعب من مساحة للتنافس الشريف إلى ساحة للصراع، «والغالب الحقيقي هو من يفوز بأخلاقه قبل نتيجته».
ضوابط ممارسة الرياضة للرجل والمرأة
وأكد العلي وجود ضوابط شرعية عامة لممارسة الرياضة للرجل والمرأة، لكنه شدد على أن الشريعة لا تمنع الرياضة في أصلها، بل تضبطها بما يحفظ الدين والكرامة والآداب.
وأوضح أن ضوابط الرياضة للرجل تتمثل في أن تكون الرياضة مباحة، وألا يترتب عليها كشف العورة أو ترك الصلاة أو أذى النفس أو الآخرين، وألا تصاحبها محرمات.
أما بالنسبة للمرأة، فأشار إلى أن الأصل في الرياضة الإباحة أيضًا، مع مراعاة الستر والحشمة وعدم إظهار العورة، وتجنب الاختلاط المحرم، وأن تكون البيئة مناسبة وآمنة، مستشهدًا بمسابقة النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة دون وجود الصحابة.
مصارعة رُكانة.. القوة والأمانة والأخلاق
واختار العلي حديث مصارعة النبي ﷺ مع رُكانة بوصفه من الأحاديث القريبة إلى نفسه، لأنه يجمع بين القوة البدنية ومشروعية المصارعة والروح الرياضية والدعوة إلى الله بالحكمة وحسن المعاملة.
وقال إن الأجمل في هذا الموقف أن النبي ﷺ عندما علم أن الشاة التي جُعلت في الرهان ليست ملكًا لرُكانة، لم يأخذها لنفسه، بل ردّها إلى صاحبها، ليؤكد أن القوة والفوز لا يبرران تجاوز الحق.
وبحسب العلي، تتجلى في هذا الموقف عظمة الهدي النبوي من خلال «قوة في البدن، وأمانة في المنافسة، وأخلاق في التعامل، ودعوة إلى الله بالفعل قبل القول».