لم يكن قرار الولايات المتحدة فرض عقوبات على “حركة المسار الفلسطيني الثوري البديل” قراراً مفاجئاً لكوادر الحركة وأنصارها، بل كان متوقعاً؛ فالحركة تقترب من عامها الخامس، أي الانتقال، وفق استراتيجيتها المعلنة، إلى طور ثوري جديد. وقد ناقشت الهيئة التنفيذية للحركة إمكانية صدور مثل هذا القرار قبل أسبوع واحد من إعلانه.
لماذا تخشى واشنطن وتل أبيب وباريس وبرلين ولندن وغيرها من دور حركة المسار الثوري البديل؟ وكيف يصل الأمر بوزارة الخزانة ووزارة الخارجية وأجهزة أساسية في واشنطن والدول الغربية إلى فرض عقوبات على حركة فلسطينية أممية لا تمارس العنف، وتعمل أساساً في الحقل الشعبي والنقابي والحقوقي؟ الإجابة لا تكمن في القرار نفسه، ولا في اللغة القانونية التي تحاول واشنطن تغليفه بها، بل في طبيعة المشروع الثوري التحرري الذي تمثله حركة المسار الثوري البديل: استعادة الفلسطينيين في الشتات دورهم في المعركة من أجل التحرير والعودة، وبناء حركة دولية مناهضة للإمبريالية بقيادة الولايات المتحدة.
فالولايات المتحدة ترى أنها تواجه فكرة «متطرفة وخطيرة»، كما تقول المنظمات الصهيونية، أي رؤية حركة المسار البديل التي ترى في فلسطينيي الشتات جزءاً أصيلاً من الشعب الفلسطيني، وأن لهم حقاً كاملاً في المشاركة وفي بناء المؤسسات والأطر التي تعبّر عن حقوقهم الوطنية والسياسية. لقد توهم العدو الصهيوني أن رؤية غسان كنفاني قد انتهت وشبعت موتاً وإذ بها تولد وتبدأ من جديد.
من هنا تحديداً يصبح استهداف «المسار» منطقياً ومفهوماً. فالمسألة بالنسبة إلى واشنطن وحلفائها ليست مجرد خلاف سياسي مع حركة فلسطينية أممية، بل تتصل بمحاولة إعادة فتح مساحة ظن معسكر العدو أنها أُغلقت أمام الفلسطينيين في الشتات منذ عقود. لقد جرى، خصوصاً بعد مؤتمر مدريد عام 1991 واتفاق أوسلو عام 1993، تهميش الدور السياسي للفلسطينيين في المنافي، وسلخ الشتات عن دوره التاريخي، وتحويل قضية ملايين اللاجئين إلى ملف إنساني وإغاثي منفصل عن جوهر القضية الفلسطينية: التحرير والعودة وحق تقرير المصير.
كان المطلوب أن يبقى الشتات بعيداً عن السياسة، وأن يتحول اللاجئ الفلسطيني إلى متلقٍ للمساعدة بدلاً من أن يكون صاحب قضية وحقوق، وأن تُختزل فلسطين في حدود سلطة الحكم الذاتي وإدارتها ومؤسساتها، بينما يجري التعامل مع ملايين الفلسطينيين خارج فلسطين باعتبارهم كتلة سكانية هامشية تنتظر «حلاً نهائياً» لن يأتي.
وتدرك حركة المسار الثوري البديل أن مواجهة الكيان الصهيوني وأنصاره في العالم، بصورة مؤثرة وفاعلة، غير ممكنة من دون استعادة الشعب الفلسطيني في الشتات لموقعه ودوره المُصادَر، وتحرير صوته، ومن دون مشاركته الحقيقية في بناء المؤسسات والمنظمات التي تستجيب لمتطلبات معركة التحرر الوطني والاجتماعي. فالارتباط بين دور الشتات ومهمة بناء جبهة وطنية للتحرير ليس تفصيلاً تنظيمياً، بل هو جزء أساسي من المعركة، ومن رؤية الحركة وقناعة قواعدها.
المسألة الثانية التي تثير القلق لدى دوائر الاحتلال وحلفائه هي رؤية المسار الثوري البديل لمعنى “التضامن الدولي”؛ إذ لا تعتبره الحركة مجرد مجموعة من المهرجانات والمواقف الموسمية، بل تسعى إلى نقل معنى «التضامن الدولي» من حيّز الشعار العام الفضفاض إلى مستويات أكثر تقدماً من المشاركة الفعلية والوضوح السياسي والتنظيم الشعبي. وهذا التحول تحديداً هو ما يثير القلق في واشنطن: بناء حركة فلسطينية أممية مناهضة للإمبريالية والصهيونية. وقد تضاعف هذا القلق بعد تجدد الثورة الفلسطينية فجر السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
إن التضامن الشكلي الذي يكتفي بالتعاطف مع الفلسطينيين يمكن احتواؤه بسهولة. ويمكن تحويله إلى صور وشعارات ومناسبات سنوية. أما حين يتحول التضامن إلى حراك ثوري، وجزء لا يتجزأ من حركة التحرر الفلسطينية، فإن المسألة تصبح مختلفة تماماً. وتخشى الحركة الصهيونية من صور “حنظلة” و”أبو عبيدة” و”باسل الأعرج” و”السيد حسن” في غرف الشباب والطلبة داخل الجامعات والمعاهد الأمريكية.
ولهذا يمكن فهم حالة الاستنفار التي نشهدها في عدد من الدول الغربية ضد الحركات الفلسطينية وحركات التضامن مع فلسطين. إذ تتزايد مستويات القمع والضغوط السياسية والإعلامية على القوى التي تعمل على توسيع دائرة التضامن الثوري مع الشعب الفلسطيني. وتتحدث بعض المنظمات الصهيونية عن «اليسار المتطرف» وعن أولئك الذين يريدون «إعادتنا إلى المربع الأول».
فما هذا «المربع الأول» الذي يخشونه؟
إنه المربع الذي كان يكتب فيه غسان كنفاني رؤيته عن تحرير فلسطين، المربع الذي يكون فيه لطلائع الشعب الفلسطيني في المخيمات الحق والدور الذي لا يحتمل التأجيل. المربع الذي تكون فيه العودة ليست شعاراً، بل قضية وطن تستحق النضال من أجلها بكل الوسائل، المربع الذي ينتمي للمستقبل وليس للماضي، أي سؤال: ما بعد اسرائيل والصهيونية.
الولايات المتحدة ليست طرفاً محايداً عندما يتعلق الأمر بفلسطين. إنها العدو رقم واحد لشعوب العالم، وأبرز الداعمين السياسيين والعسكريين لحروب الإبادة وللكيان الصهيوني، وتستخدم نفوذها الدولي لحمايته من الضغوط والمساءلة. وفي الوقت نفسه، تستخدم سلاح العقوبات والخنق الإقتصادي ضد مختلف الدول وقوى التحرر التي ترى فيها تهديداً وخطراً على الكيان الصهيوني وعلى مصالح طبقة استعمارية حاكمة تمثلها الشركات الناهبة لثروات الشعوب.
تطرح حركة المسار الثوري البديل تحدياً يتجاوز حدود الحركة نفسها: استعادة الفلسطينيين في الشتات لدورهم، واستعادة المخيمات لمكانتها ومشروعها التحرري، وربط الفلسطينيين في المنافي بالحركة الشعبية العالمية المناهضة للاستعمار. هذا تحديداً ما يجعل المعركة أكثر من مجرد معركة قانونية أو سياسية؛ إنها معركة على مستقبل القضية الفلسطينية، تحاول فيها الحركة الصهيونية اجهاض ولادة جيل ثوري جديد من الفلسطينيين يكون طرفاً فاعلاً ومقرراً في الصراع. لهذه الاسباب وغيرها يجري تجريم حركة المسار الثوري البديل. وهذه حركة ثورية كلما حاصروها كبرت وأصبحت أكثرة قوة وتأثيراً.