محمد نور تميم – صدى الشتات
لم يكن انتهاء الحرب بالنسبة إلى الفلسطينيين في جنوب لبنان يعني انتهاء المعاناة. فبعد أسابيع من القصف والنزوح والقلق عام 2024، عادت عائلات فلسطينية إلى مخيماتها، لكنها عادت إلى واقع مثقل بالدمار والفقر وفقدان مصادر الرزق، قبل أن تعيد جولة جديدة من التصعيد في عام 2026 فتح أبواب النزوح من جديد.
في جنوب لبنان، حيث تتركز نسبة كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين، تبدو تداعيات الحرب أكثر قسوة. فبحسب أحدث بيانات الأونروا، جرى التحقق من بيانات أكثر من مئتين وواحد وثلاثين ألف فلسطيني في لبنان حتى حزيران/يونيو 2025، يقيم نحو نصفهم في محافظة الجنوب. وتضم منطقة صور ثلاثة مخيمات رئيسية هي الرشيدية والبرج الشمالي والبص، ويبلغ مجموع سكانها نحو ثمانية وعشرين ألفًا.
حربٌ ضربت مجتمعًا مثقلًا أصلًا
وصل الفلسطينيون إلى حرب عام 2024 وهم يعانون واحدة من أصعب مراحلهم الاقتصادية. فقد أظهر المسح الاجتماعي الاقتصادي للأونروا أن نحو ثلاثة وثمانين في المئة من الفلسطينيين في لبنان يعيشون تحت خط الفقر، فيما تعتمد نسبة كبيرة من الأسر على مساعدات الأونروا لتأمين احتياجاتها الأساسية.
لذلك لم يكن القصف وحده هو المشكلة، فإغلاق الطرق والمناطق الزراعية، وتعطل الأعمال، وتراجع الحركة التجارية، حرم آلاف العمال من مصادر دخلهم، بينما وجد أصحاب المحال والمهن الصغيرة أنفسهم أمام سوق شبه متوقفة.
وفي مخيمات الجنوب، تحولت الحرب إلى أزمة يومية: مياه وكهرباء وخدمات صحية محدودة، ومدارس اضطرت إلى تعليق عملها، وعائلات تبحث عن مكان أكثر أمانًا.
المخيمات نفسها لم تعد بمنأى عن الحرب
لم يكن الفلسطينيون في المخيمات بمنأى عن تداعيات الحرب، فبينما اضطر كثيرون إلى البحث عن مصادر رزق خارج المخيمات وفي المناطق الزراعية والبلدات الجنوبية، تحوّل العمل إلى مخاطرة يومية، وسقط عدد من الشهداء أثناء توجههم إلى أعمالهم أو خلال ممارستهم لها. وبين القصف والنزوح وضيق الخيارات، وجد اللاجئ الفلسطيني نفسه أمام معادلة قاسية: إما التوقف عن العمل وتأمين لقمة العيش، أو الخروج إلى مناطق قد تطالها الغارات والقصف.
وخلال الحربين، ارتقى أكثر من مئة وثلاثين شهيداً فلسطينياً، بينهم خمسة وأربعون شهيداً خلال حرب ألفين وأربعة وعشرين، ونحو خمسة وثمانين شهيداً خلال حرب ألفين وستة وعشرين. أرقام تعكس حجم الكلفة التي دفعها اللاجئون الفلسطينيون، الذين لم يجدوا في المخيمات ملاذاً آمناً من تداعيات الحرب، بل عاشوا النزوح والخوف وفقدان الأحبة، فيما كان بعضهم يخرج يومياً بحثاً عن عمل ويعود شهيداً إلى المخيم.
وبسبب الوضع الأمني، اضطرت الأونروا إلى تعليق جزء كبير من خدماتها في منطقة صور، فيما أغلقت مراكز صحية ومدارس، لتصبح العائلات أمام معادلة قاسية: البقاء تحت الخطر أو النزوح من جديد.
بعد وقف إطلاق النار.. عودة بلا تعافٍ
دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وعادت غالبية العائلات الفلسطينية التي نزحت إلى منازلها.
لكن العودة لم تكن تعني أن الحياة عادت إلى طبيعتها.
فالجنوب خرج من الحرب مثقلًا بدمار هائل، واحتاج لبنان، وفق تقديرات البنك الدولي، إلى نحو أحد عشر مليار دولار للتعافي وإعادة الإعمار، بينها مليارات الدولارات لتعويض الأضرار والخسائر في القطاعات المختلفة.
بالنسبة إلى الفلسطينيين، انعكس ذلك على فرص العمل والخدمات والبنية التحتية، في وقت كان فيه المجتمع الفلسطيني يعاني أصلًا من مستويات مرتفعة من الفقر والبطالة.
ولهذا كانت عودة النازحين عودة إلى المكان، لا إلى الحياة التي كانت قبل الحرب.
2026.. نزوحٌ للمرة الثانية
المشهد لم يستقر طويلا…
مع تجدد التصعيد في عام 2026، وجد فلسطينيون كانوا قد عادوا إلى مخيماتهم أنفسهم أمام خطر النزوح مجددًا.
وفي أيار/مايو 2026، شملت تحذيرات الإخلاء مناطق في جنوب لبنان تضم منطقة صور والمخيمات الفلسطينية الثلاثة، ما دفع آلاف السكان إلى المغادرة.
وتشير بيانات الأونروا إلى أن نحو تسعة آلاف وثلاثمئة شخص، أي قرابة ثلث سكان مخيمات الرشيدية والبرج الشمالي والبص، غادروا مناطقهم بعد تحذيرات الإخلاء.
وبحلول حزيران/يونيو، كان أكثر من ألفي نازح فلسطيني مسجلين في مراكز إيواء تابعة للأونروا.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: عائلات لم تكن قد انتهت بعد من آثار نزوحها الأول، وجدت نفسها مضطرة إلى خوض تجربة النزوح مرة أخرى.
حياة معلقة
القصة الفلسطينية في جنوب لبنان ليست قصة مخيمات تتعرض للقصف فحسب، بل قصة مجتمع يعيش منذ عقود في مساحة ضيقة بين الفقر والحرب.
فحين تهدأ الجبهة، تبدأ معركة أخرى: كيف يجد رب الأسرة عملًا؟ كيف تُرمم المنازل؟ كيف يحصل الأطفال على تعليم منتظم؟ وكيف تؤمَّن الرعاية الصحية في ظل تراجع الخدمات وارتفاع كلفتها؟
وفي ظل اعتماد نسبة كبيرة من اللاجئين على الأونروا، فإن أي نقص في التمويل ينعكس مباشرة على تفاصيل حياتهم اليومية.
اليوم، تقف المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان أمام مرحلة ما بعد حربين متتاليتين، بعدما تركتا آثارًا مباشرة على المساكن ومصادر الدخل والخدمات. ومع انتهاء التصعيد الأخير، تبدأ أمام آلاف العائلات مرحلة أكثر صعوبة: استعادة الحياة اليومية، وترميم ما تضرر، وتعويض ما فقدته خلال سنوات من عدم الاستقرار.