منذ عام 2007، خضعت أنظمة المياه والصرف الصحي في مخيم البص للاجئين الفلسطينيين بجنوب لبنان لإعادة تأهيل شاملة بدعم من وكالة الأونروا، لتأسيس شبكة مياه وإمدادات خدمية متكاملة صُممت لتغطي كافة منازله وأحيائه، إلا أن هناك واقعاً مأساوياً معقداً يفرغ هذه البنية التحتية من قيمتها الفعالة اليوم، لتتحول المياه من قوام للحياة إلى مصدر رئيسي للمشقة والقلق اليومي.
تتداخل في مخيم البص، الذي يضم آلاف اللاجئين المنحدرين من قرى الجليل الغربي، أزمة طاقة مستعصية مع انهيار اقتصادي ، مما جعل تدفق المياه عبر هذه الشبكة معلقاً بجدول تقنين الكهرباء وتكاليف تشغيل المولدات الباهظة، فضلاً عن كون المياه المستخرجة غير صالحة للشرب نتيجة لارتفاع نسبة الكلس ومخاوف التلوث، ما يضع العائلات أمام عبء مالي مستمر لتأمين بدائل صحية ونقية لشربها.
ترتبط مشكلة انقطاع المياه في المخيم ارتباطاً وثيقاً بأزمة الكهرباء العامة التي يعاني منها لبنان؛ حيث يعتمد تشغيل مضخات الآبار الارتوازية وضخ المياه إلى الخزانات على توفر التيار الكهربائي العام أو القدرة على تشغيل المولدات الكبيرة التي تتطلب تكاليف وقود عالية جداً.
وتعتمد شبكة الأونروا، سواء القديمة أو الجديدة المُعاد تأهيلها، على الضخ من هذه الآبار بالتعاون مع مؤسسة مياه لبنان الجنوبي وبلدية صور، ورغم أن شبكة الخدمات موجودة وتغطي المخيم جغرافياً، إلا أن استمرار تدفقها للمنازل يظل مرهوناً كلياً بوضع الطاقة المتقلب، مما يضطر الأهالي لتخزين المياه في خزانات منزلية كحل مؤقت لمواجهة شح الإمدادات وتقادم أجزاء من شبكة التوزيع.
وفي ظل هذه التحديات الحادة، يشكل بئر المياه الارتوازي الواقع في منطقة حي الآثار شريان حياة أساسي لتأمين المياه لشريحة واسعة من سكان المخيم ومؤسساته التعليمية بإشراف الجمعية الإنسانية للإغاثة والتنمية.
وأوضحت الجمعية الإنسانية للإغاثة والتنمية لصدى الشتات أن عمق هذا البئر يبلغ 35 متراً، وهو مجهز بطلمبة غاطسة بقوة 17.5 حصان وبقطر 3 إنشات.
وبحسب تقديرات الجمعية، فإن القدرة الإنتاجية اليومية للمضخة تبلغ نحو 120 متراً مكعباً من المياه، غير أن هذه القدرة تعتمد بشكل أساسي على نوع التغذية الكهربائية المتوفرة وساعات التشغيل المتاحة.
وفي ظل أزمة الكهرباء المستمرة والمزمنة التي يشهدها لبنان، تشير الجمعية الإنسانية للإغاثة والتنمية إلى أن آلية تشغيل البئر تعتمد حالياً على نظام متقطع يواكب توفر الطاقة؛ حيث يتم استغلال كهرباء الدولة التي تأتي لفترة تتراوح بين 3 إلى 5 ساعات خلال النهار بفعل التقنين.
وتبين الجمعية أنها تعتمد على الطاقة الشمسية كبديل نهاراً عند انقطاع التيار الكهربائي، على الرغم من مواجهة بعض المشاكل التقنية في منظومة الطاقة الشمسية التي تجري معالجتها حالياً.
ويأتي ذلك بعد أن أوقفت الجمعية تماماً الاعتماد على المولدات الكهربائية الخاصة نتيجة التكلفة الباهظة لمادة المازوت والأعطال المتكررة للمولد.
ومن خلال هذه المصادر المتاحة، تؤكد الجمعية أن البئر يستطيع في الوضع الطبيعي تأمين حوالي 6 ساعات ضخ يومياً للمخيم، مقسمة بالتساوي بين 3 ساعات في الفترة الصباحية و3 ساعات أخرى في الفترة المسائية.
وبحسب الجمعية الإنسانية للإغاثة والتنمية، تخدم شبكة التوزيع الداخلية المرتبطة بالبئر عدداً كبيراً من الأحياء والمرافق عبر مسارين رئيسيين؛ حيث ينطلق الأول من حرم الجمعية ليغطي منطقة حي شارع الآثار ويمتد غرباً حتى أطراف المخيم لتأمين المياه للمنازل الواقعة ضمنه. أما المسار الثاني فيمتد باتجاه الشمال ليغطي حي الدوامنة ويصل إلى تجمع مدارس وكالة الأونروا، مؤمناً المياه لـ 3 مؤسسات تعليمية كبرى هي مدرسة دير ياسين، ومدرسة الشجرة، ومدرسة نمرين.
كما شددت الجمعية إلى أن البئر يُعد من المصادر الأساسية في المخيم، حيث يستفيد منه مباشرة أو غير مباشرة أكثر من 200 منزل مغذى من الشبكة، بالإضافة إلى الطلاب والهيئات التعليمية والإدارية في المدارس الـ 3 المذكورة، وهو ما يغطي ما يقارب ربع سكان مخيم البص.
وعن آلية توزيع المياه، أفادت الجمعية الإنسانية بأن الأسر تعتمد على شبكة توزيع داخلية تضخ المياه مباشرة إلى خزانات التغذية ومنها إلى المنازل دون اعتماد نظام تقسيم أو مناوبات بين الأحياء، لضمان استفادة الجميع بشكل متساوٍ ووفق القدرة التشغيلية للمحطة وساعات عمل المضخات.
ونظراً لتقادم أجزاء من الشبكة والانقطاع المتكرر للكهرباء، تذكر الجمعية أن المياه لا تتوفر بشكل مستمر مما يضطر الأهالي لتخزينها في خزانات منزلية.
كما تؤكد الجمعية أن هذه المياه المستخرجة تُستخدم بصورة أساسية للأغراض المنزلية والخدماتية فقط، ولا يعتمد عليها السكان كمصدر آمن للشرب بسبب ارتفاع نسبة العسر (الكلس) والمخاوف المرتبطة باحتمالات التلوث الناتجة عن تقادم البنية التحتية وتداخل بعض شبكات الصرف الصحي، مما يضطر غالبية الأسر إلى تكبد أعباء مالية لشراء المياه المفلترة أو المعبأة للشرب.
وفيما يتعلق بواقع جودة المياه واستخداماتها في المخيم، فإن مياه الشفة التي تتوفر في مخيم البص لا تصلح للشرب بسبب ارتفاع نسبة الكلس فيها، وهي مخصصة للاستعمال المنزلي فقط، وتستلزم الخضوع لعمليات تعقيم وتنقية من الشوائب حفاظاً على الصحة العامة.
ونتيجة لعدم صلاحية هذه المياه للاستخدام المباشر كشراب، فإن معظم الأهالي يعتمدون على شراء مياه الشفة من محلات تكرير المياه المتواجدة في المخيم وعددها 4 محلات، بالإضافة إلى ذلك هناك عدد من الأهالي لديهم آبار صغيرة داخل منازلهم يعتمدون عليها لتأمين جزء من احتياجاتهم.
وفي المقابل، توضح الجمعية أنه لا توجد حالياً أي رسوم صيانة تُفرض على الأهالي بعد عدم التزام المستفيدين بالرسوم الزهيدة التي وضعت مع بداية الحفر، لتصبح الخدمة مجانية بالكامل.
وتواجه استمرارية عمل البئر عقبات وتحديات جمة تحددها الجمعية الإنسانية في الارتفاع الحاد لتكاليف التشغيل بسبب أزمة الطاقة والوقود، والأعطال المتكررة للمعدات والمضخات، وتقادم الشبكة الذي يؤدي إلى تسرب المياه وفقدانها، فضلاً عن الحاجة الدائمة للصيانة الدورية والتمويل المستدام وإجراء الفحوصات المخبرية المنتظمة.
يتضاعف هذا الضغط بشكل ملحوظ خلال فصل الصيف بفعل ارتفاع معدلات الاستهلاك، وتوضح الجمعية أنها تحاول التعامل مع الطلب المتزايد عبر زيادة ساعات التشغيل عند توفر مصادر الطاقة.
بدورها تشدد الجمعية الإنسانية على أن زيادة ساعات التشغيل لتصل إلى 8 أو 10 ساعات يومياً عبر نظام طاقة شمسية يُعد أحد الحلول العملية لرفع كميات المياه وتقليل الضغط الصيفي، لكن ذلك يظل مرتبطاً بإنهاء تطوير وإصلاح شبكة الطاقة الشمسية المتوفرة وتوفير مولد ذي قدرة استيعابية أكبر مع الوقود المناسب له، وهو أمر تحرص الجمعية على تنسيقه بشكل مستمر مع اللجان المحلية في المخيم ووكالة الأونروا لضمان تكامل الخدمات.