المعتدي والمعتدى عليه أوروبا بين شعارات القيم ومنطق المصالح

الكاتبخالد نزال كاتب وباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية

 

منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تأسست المنظومة الدولية على أسس نظرية سامية الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، والمساواة بين الدول، وحظر تغيير الحدود بالقوة تجسدت هذه المبادئ في ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقيات جنيف، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

غير أن هذه المنظومة حملت في طياتها تناقضًا بنيويًا منذ اللحظة الأولى فالمنتصرون في الحرب العالمية الثانية هم أنفسهم القوى الاستعمارية التي قسمت العالم واحتلّت الشعوب ونهبت ثرواتها هؤلاء كتبوا القوانين الدولية بأيديهم، ورسموا حدودها بما يخدم مصالحهم، وأبقوا لأنفسهم حق تطبيقها بشكل انتقائي.

وبعد أكثر من سبعة عقود، لم يتغير شيء جوهري فما زالت القوى الغربية ترفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان عندما تستهدف خصومها الجيوسياسيين، وتطبقها بشكل انتقائي صارخ عندما يتعلق الأمر بحلفائها، بل وتقوضها علنًا عندما تتعارض مع مصالحها المباشرة.

إن المقارنة بين الموقف الأوروبي من العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2022، والموقف نفسه من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران عام 2024، تكشف عن انهيار أخلاقي كامل في المنظومة الدولية، وعن أزمة مصداقية عميقة تضرب أسس “النظام القائم على القواعد” الذي يتشدق به الغرب.

أولاً: المعتدي الروسي: حين تقوم القيامة الأوروبية

حين اندلعت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا في فبراير 2022، انطلقت ماكينة الإعلام والسياسة الغربية في تعبئة غير مسبوقة تحولت العواصم الأوروبية إلى منصات لإدانة “عدوان بوتين”، وتصدرت افتتاحيات الصحف الكبرى عناوين من قبيل “بوتين هتلر القرن” و”يجب ألا تُغيَّر الحدود بالحروب”.

التصريحات النارية

تسابق القادة الغربيون في إطلاق التصريحات الشديدة ضد روسيا وبوتين قال الرئيس الأمريكي جو بايدن إن “بوتين مجرم حرب” و”لا يمكنه البقاء في السلطة” ووصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين العملية الروسية بأنها “وحشية لم تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية” أما وزيرة الخارجية البريطانية آنذاك ليز تراس فقد صرّحت بأن “بوتين هو هتلر القرن الحادي والعشرين”.

ولم تكن رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا أقل حدة، إذ قالت: “إن ما يحدث في أوكرانيا ليس مجرد حرب بين دولتين، بل هو هجوم على كل ما نؤمن به الديمقراطية، والحرية، وسيادة القانون إن بوتين يريد تدمير أوروبا وتفريقها، ويجب أن نواجهه بكل قوتنا”.

وفي إيطاليا، وقف الرئيس سيرجيو ماتاريلا ليقول حرفيًا “الأوروبيون لا يخفضون رؤوسهم أمام منطق القوة اليوم دور أوكرانيا، وغدًا لا نعرف ما الأهداف الأخرى” وشبه روسيا بالرايخ الثالث وبوتين بهتلر، داعيًا إلى “التعبئة العامة للجميع في أوروبا للوقوف في وجه المعتدي”.

ثورة العناوين

وتنافست الصحف الغربية الكبرى في عنونة افتتاحياتها بعبارات درامية كتبت “ذا تايمز” البريطانية “بوتين: الرجل الذي أعاد الحرب إلى أوروبا” وعنونت “وول ستريت جورنال” “على العالم أن يوقف هتلر الجديد” بينما كتبت “لوموند” الفرنسية” بوتين والجنون الإمبراطوري”.

العقوبات والمقاطعة الشاملة

فرض الغرب حزم عقوبات غير مسبوقة على روسيا، شملت تجميد أصول البنك المركزي الروسي، واستبعاد بنوك روسية من نظام سويفت، وحظر استيراد النفط والغاز الروسي وصرحت فون دير لاين “سنقطع التمويل عن آلة الحرب الروسية”.

ولم تقف الأمور عند الحدود الاقتصادية، بل امتدت إلى المجالات الثقافية والرياضية طُرد الرياضيون الروس من الأولمبياد والبطولات العالمية، ومُنع الفنانون والموسيقيون الروس من المشاركة في الفعاليات الغربية، وسُحبت الأفلام الروسية من المهرجانات، بل وحتى القطط الروسية استُبعدت من المسابقات .

وترجمت هذه الشعارات إلى حزمة عقوبات هي الأضخم في التاريخ الحديث، إذ تجاوز إجمالي العقوبات المفروضة على روسيا منذ فبراير 2022 أكثر من 21,500 عقوبة، شملت أكثر من 3,500 شخصية بينهم الرئيس بوتين ووزير خارجيته، وأكثر من 4,200 كيان اقتصادي وعسكري وإعلامي وجُمدت أصول روسية دولية تقدر بنحو 300 مليار دولار، واستُبعدت سبعة بنوك روسية كبرى من نظام سويفت، وفُرض حظر شبه كامل على استيراد النفط والغاز والفحم الروسي، مع سقف سعري على النفط المنقول بحرًا قدره ستون دولارًا للبرميل كما أُغلق المجال الجوي والموانئ الغربية أمام روسيا، وطُرد أكثر من 400 دبلوماسي روسي، وعُلقت عضوية موسكو في مجلس أوروبا ومجلس حقوق الإنسان وبالمقارنة، فإن هذا الرقم يتجاوز بأكثر من أربعة أضعاف مجموع العقوبات المفروضة على إيران منذ عام 1979.

المساعدات غير المسبوقة

تدفقت المساعدات الغربية على أوكرانيا بمئات المليارات. بلغ إجمالي المساعدات العسكرية والمالية والإنسانية أكثر من 400 مليار دولاروفُتحت الأبواب الأوروبية على مصراعيها لاستقبال اللاجئين الأوكرانيين وتقديم الدعم النفسي والتعليمي لأطفالهم، في مشهد إنساني قلّ نظيره.

وفي كل المحافل الدولية، ترددت الشعارات نفسها: “لا تفاوض مع مجرم الحرب”، “يجب هزيمة روسيا وإسقاط نظامها”، “لا يجوز تغيير الحدود بالقوة”، “نحتاج إلى سلام عادل يحفظ حقوق الإنسان والمرأة والطفل”.

ثانياً: المعتدى عليه الإيراني: حين يصبح الضحية هو المذنب

على الجانب الآخر من المتوسط، وفي المشهد ذاته الذي يتحدث فيه الغرب عن “النظام القائم على القواعد”، كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تمارسان ما يمكن وصفه بالعدوان المؤسسي المتمادي، دون أن يحرك ذلك ساكنًا في العواصم الأوروبية.

الحرب على غزة: إبادة تحت مرأى العالم

منذ أكتوبر 2023، شنت إسرائيل حربًا على قطاع غزة أوقعت أكثر من 45,000 قتيل فلسطيني، غالبيتهم من النساء والأطفال، وفق تقارير الأمم المتحدة ووزارة الصحة في غزة  ووفق إحصاءات وزارة الصحة في غزة المعتمدة أمميًا حتى إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في 15 يناير 2025:

 

  • القتلى: أكثر من 46,700 شهيد
  • الجرحى: أكثر من 110,000 مصاب
  • الأطفال: أكثر من 17,500 طفل
  • النساء: أكثر من 11,000 امرأة
  • النساء والأطفال معًا: نحو 61% من إجمالي الضحايا
  • المفقودون تحت الأنقاض: نحو 10,000 مفقود لا يُحتسبون بعد ضمن القتلى الموثقين

هذه الأرقام تعد متحفظة، إذ لا تشمل آلاف الجثث التي يتعذر انتشالها.

وقد وثقت منظمات حقوقية دولية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وطلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان إصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت.

ورغم ذلك، لم يصدر عن القادة الأوروبيين تصريحات توازي في حدتها تلك التي استهدفت روسيا. لم يوصف نتنياهو بأنه “هتلر القرن”، ولم تُفرض عقوبات على إسرائيل، ولم تُقطع المساعدات العسكرية عنها، بل استمرت بعض الدول الأوروبية في تزويدها بالأسلحة رغم الدعوات الدولية لوقفها.

وعندما قصفت إسرائيل مدرسة التابعين التي تؤوي نازحين في غزة وأوقعت أكثر من 100 شهيد، لم تتصدر هذه المجزرة افتتاحيات الصحف الغربية كما فعلت مجازر أوكرانيا وعندما دمرت إسرائيل أكثر من 30 مستشفى وقتلت مئات الأطباء والممرضين، لم يتحرك لسان القادة الأوروبيين بالمطالبة بمحاكمة المسؤولين.

 

 

الهجمات على إيران: عودة البلاهة الاوروبية

وفي أكتوبر 2024، شنت إسرائيل هجمات واسعة على إيران، استهدفت منشآت عسكرية ومدنية، وأسفرت عن مقتل المئات بينهم أطفال ونساء كما نفذت الولايات المتحدة ضربات على أهداف إيرانية، بما في ذلك اغتيال قادة عسكريين كبار.

لكن رد الفعل الأوروبي كان مخزيًا في تناقضه فبدلاً من وصف الهجمات الأمريكية الإسرائيلية بأنها “عدوان وحشي”، اكتفت روبرتا ميتسولا بالدعوة إلى “نزع التوتر من جميع الأطراف” وبدلاً من مطالبة إسرائيل والولايات المتحدة بوقف العدوان، طالبت إيران بـ”الامتناع عن أي تصعيد آخر” وذهبت إلى أبعد من ذلك، فصرحت بأن “هجمات النظام الإيراني على دول مجلس التعاون الخليجي غير مبررة ولا تغتفر، وعلى هذا النظام الامتناع فورًا عن أي تصعيد آخر”.

أما وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، الذي كان في 2022 من أشد المنتقدين لروسيا، فقد اكتفى بعبارات دبلوماسية فارغة “الوضع معقد، ونأمل أن ينتهي بسرعة”.
ترامب و”الضغط الأقصى”: حين يكون التجويع سياسة تحرير

لم يكن العدوان العسكري على إيران هو الوجه الوحيد للسياسة الأمريكية، بل سبقه عدوان اقتصادي شامل أطلقه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بعد انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018 فقد هدد ترامب حينها باستهداف 52 موقعًا إيرانيًا “بما فيها مواقع ثقافية”، في خرق صريح لاتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية، مما اضطر وزير دفاعه مارك إسبر إلى التراجع العلني عن التهديد بقوله “سنلتزم بقوانين النزاعات المسلحة”.

أما سياسة “الضغط الأقصى” التي انتهجتها إدارته، فقد استهدفت تجويع الشعب الإيراني بأكمله تحت ذريعة تحريره حيث انهارت العملة الإيرانية بأكثر من 80%، وتجاوز التضخم 50%، ونشأ نقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية بسبب الحظر المصرفي الشامل الذي جعل استيراد حتى المواد الغذائية شبه مستحيل وقد أكدت تقارير الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية أن العقوبات الأمريكية، رغم استثنائها النظري للمواد الإنسانية، تسببت عمليًا في موت مرضى إيرانيين ونقص حاد في الأدوية المنقذة للحياة.

الموقف الأوروبي من هذه السياسة كان نموذجًا مصغرًا لكل التناقضات السابقة فالاتحاد الأوروبي أعلن رفضه للانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، وأطلق آلية “إنستكس” لتسهيل التجارة الإنسانية مع إيران، لكنها فشلت فشلاً ذريعًا الشركات الأوروبية الكبرى انسحبت من السوق الإيرانية خوفًا من العقوبات الأمريكية، والحكومات الأوروبية استمرت في فرض عقوباتها الخاصة على إيران، بينما كانت تكرر في بياناتها الرسمية أن “عقوباتنا لا تستهدف الشعب الإيراني”.

وهنا تكتمل المفارقة في أوضح صورها عندما تفرض روسيا حصارًا على مدن أوكرانية، تصفه أوروبا بأنه “جريمة حرب” و”عقاب جماعي”. وعندما يهدد ترامب بتدمير مواقع الحضارة الفارسية، تلتزم أوروبا الصمت المحرج وعندما يموت إيرانيون بسبب نقص الأدوية الناتج عن العقوبات، لا يجدون حتى سطرًا في الصحف الأوروبية إنها الازدواجية نفسها، تتكرر في كل مشهد، وتكشف أن ما يحرك السياسة الأوروبية ليس المبادئ بل المصالح.

الرد على العدوان جريمة

السخرية الكبرى تكمن في أن الرد الإيراني على العدوان، وهو حق مكفول بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تقر “الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن النفس فرديًا أو جماعيًا”، يتحول في الخطاب الأوروبي إلى “جريمة كبرى بحق البشرية”.

فعندما قصفت إيران قاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق ردًا على اغتيال قاسم سليماني، وصفت ميتسولا هذا الرد بأنه “استفزاز غير مقبول” وعندما أطلقت إيران صواريخ على أهداف عسكرية إسرائيلية ردًا على قصف القنصلية الإيرانية في دمشق، وصفت ذلك بأنه “تصعيد خطير يهدد الأمن الإقليمي” لكنها لم تصف أبدًا الهجمات الأمريكية والإسرائيلية التي سبقت الردود الإيرانية بأنها “استفزاز غير مقبول” أو “تصعيد خطير”.

ثالثاً: قتل الأطفال: هذا هو التحرير

في الهجوم الأمريكي على المدرسة الإيرانية، الذي أودى بحياة 168 طفلاً، لم يكن الأطفال مجرد ضحايا عرضيين، بل كانوا هدفًا مقصودًا في استراتيجية “الصدمة والترويع” التي طورها الجيش الأمريكي.

وهنا يفرض السؤال نفسه بكل قسوته هل كان هؤلاء الأطفال يشكلون تهديدًا أمنيًا للولايات المتحدة؟ هل كانت الطفلة ذات الثماني سنوات التي كانت تتعلم الحساب تخطط لضرب المصالح الأمريكية؟ أم أن القتل العشوائي هو رسالة أخرى من رسائل الهيمنة “نحن نستطيع أن نقتل أطفالكم، ولن يستطيع أحد أن يمنعنا”؟

قتل الأطفال باسم تحرير النساء

المفارقة الكبرى تكمن في أن الغرب يبرر عدوانه على إيران بحماية النساء من “الحجاب الإجباري”، وبتحرير الشباب من “الاستبداد” لكن كيف يتحقق تحرير النساء بقتل أطفالهن؟ وكيف يتحقق تحرير الشباب بتدمير مدارسهم ومستشفياتهم؟

إن استهداف المدارس والمستشفيات ومحطات الكهرباء والجسور ليس له أي علاقة بالتحرير أو الديمقراطية إنه استهداف للحياة نفسها، وإعادة للشعوب إلى عصور ما قبل الحداثة، حيث لا كهرباء ولا ماء نظيف ولا رعاية صحية إنه مشروع استعماري قديم بثوب جديد، يستخدم شعارات حقوق الإنسان كقنابل دخانية تخفي وراءها شهية لا تشبع للموارد والأسواق والهيمنة الاستراتيجية.

لماذا تقاوم الشعوب؟

رغم كل هذا الدمار، تستمر المقاومة فالشعب الفلسطيني يقاوم الاحتلال منذ أكثر من 75 عامًا، والشعب الإيراني صمد أمام العقوبات والحروب والتهديدات منذ أكثر من أربعة عقود.

لماذا تقاوم هذه الشعوب؟ لأنها تدرك أن الاستسلام يعني العبودية، وأن “التحرير” الذي يقدمه الغرب على ظهر الدبابات ليس تحريرًا بل احتلالًا جديدًا لقد جرب العراقيون “التحرير الأمريكي” فحصدوا مليون قتيل وخمسة ملايين نازح ودمارًا شاملاً وجرب الليبيون “التدخل الإنساني” فتحولت بلادهم إلى ساحة حرب أهلية وفوضى عارمة.

رابعاً: جذور الازدواجية: لماذا تخشى أوروبا قول الحقيقة؟

لا يمكن فهم هذا التفاوت في ردود الفعل الأوروبية بمعزل عن المصالح الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية.

البعد الجيوسياسي

روسيا تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الأوروبي وللنظام الليبرالي الغربي، بينما إسرائيل حليف استراتيجي للغرب في الشرق الأوسط، والولايات المتحدة هي القوة العظمى الحامية لأوروبا في إطار الناتو. لذا فإن ما يصدر عن الحلفاء يُغضى عنه أو يُبرر، بينما ما يصدر عن الخصوم يُضخم ويُدان.

البعد الاقتصادي

روسيا منافس اقتصادي وعسكري مباشر للغرب، وإضعافها يخدم المصالح الأوروبية والأمريكية. أما إيران فمعزولة اقتصاديًا أصلاً، ولا تشكل تهديدًا وجوديًا مماثلاً. كما أن الهيمنة على مصادر الطاقة العالمية تتطلب إبقاء الشرق الأوسط تحت السيطرة الغربية.

التبعية الأمنية المطلقة

أوروبا لا تملك قدرة عسكرية مستقلة تمكنها من مواجهة التهديدات دون الاعتماد على الولايات المتحدة. وقد صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن “الناتو في حالة موت سريري”، ودعا إلى “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي” لكن هذه الدعوات تظل حبرًا على ورق، لأن أي تحرك أوروبي نحو الاستقلال يصطدم بالمصالح الأمريكية المباشرة.

الأزمة الديموغرافية والوجودية

تعاني أوروبا من أزمة ديموغرافية حادة، حيث تتراجع معدلات الخصوبة إلى ما دون مستوى الإحلال، وتتقدم أعمار السكان بشكل متسارع وقد حذر تقرير للمفوضية الأوروبية من أن “أوروبا تسير بسرعة نحو الانقراض الديموغرافي”.

هذه الأزمة تنعكس على القدرة العسكرية والاقتصادية لأوروبا، حيث تتقلص القوى العاملة، ويزداد العبء على أنظمة الرعاية الاجتماعية، وتتراجع القدرة على الابتكار والإنتاج وقد لاحظ الباحث الفرنسي إيمانويل تود أن “أوروبا تموت ديموغرافيًا، وهذا الموت يفسر خنوعها السياسي”.

الأزمة العسكرية البنيوية

الجيوش الأوروبية تعتمد بشكل شبه كامل على الولايات المتحدة في مجالات الاستخبارات واللوجستيات والقدرات الاستراتيجية وقد كشفت الحرب في ليبيا عام 2011 عن هذا العجز، حين نفدت ذخيرة الطائرات الأوروبية بعد أيام قليلة من بدء العمليات، واضطرت إلى طلب إمدادات أمريكية.

خامساً: من يحاسب القتلة؟

في النظام الدولي الحالي، هناك محكمة جنائية دولية تحاكم قادة العالم المتهمين بجرائم الحرب. وقد أصدرت هذه المحكمة مذكرة اعتقال بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتهمة ارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم تصدر مذكرة اعتقال بحق جورج بوش وتوني بلير بعد غزو العراق؟ ولماذا لم يحاكم باراك أوباما على غارات الطائرات المسيرة التي قتلت آلاف المدنيين؟ ولماذا لم يحاكم دونالد ترامب على اغتيال قاسم سليماني؟ ولماذا لم يحاكم جو بايدن على تسليم الأسلحة التي قتلت عشرات الآلاف في غزة؟

الجواب بسيط: لأن القانون الدولي لا يطبق على الأقوياء، ولأن المحكمة الجنائية الدولية تبقى أداة في يد الغرب تستخدمها ضد أعدائه وتتجاهلها عندما يتعلق الأمر بحلفائه وقد هددت الولايات المتحدة بفرض عقوبات على المحكمة وموظفيها إذا ما أصدرت مذكرات اعتقال بحق مسؤولين أمريكيين أو إسرائيليين.

موت النظام القائم على القواعد

إن ما يجري في العالم اليوم ليس صراعًا بين الديمقراطية والاستبداد، ولا بين الحرية والقمع، بل هو صراع بين مشروعين مشروع الهيمنة الغربية الذي يسعى إلى إخضاع العالم وموارده لمصالحه، ومشروع المقاومة الذي يرفض الاستسلام لهذه الهيمنة.

وفي هذا الصراع، تقف أوروبا في موقع مخزٍ فهي تتشدق بالقيم والمبادئ حين يتعلق الأمر بخصومها، وتخرس وتتجاهل حين يتعلق الأمر بحلفائها إنها شريك في الجريمة بمواقفها المنحازة وصمتها المطبق، وستتحمل يومًا مسؤولية هذا الصمت أمام التاريخ.

أما الشعوب، فإنها ستبقى تدفع الثمن أطفال يقتلون في المدارس، ومرضى يموتون في المستشفيات، وعائلات تشرد من بيوتها، ومجتمعات تتفكك تحت وطأة الحروب وكل ذلك باسم “التحرير” و”الديمقراطية” و”حقوق الإنسان”.

إن المنظومة الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية على مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والقيم، قد تحولت إلى أداة في يد الهيمنة الغربية وهذه المنظومة لن تستعيد مصداقيتها إلا إذا طُبقت معاييرها على الجميع بالتساوي، دون تمييز بين حليف وخصم، ودون انتقائية تفرغ المبادئ من مضمونها.

وحتى ذلك الحين، ستبقى شعارات “النظام القائم على القواعد” مجرد كلمات جوفاء، ترددها أوروبا العجوز وهي تخفض رأسها أمام القوة الأمريكية، وتغض الطرف عن جرائم حلفائها، بينما تقصف الطائرات الأمريكية والإسرائيلية مدارس الأطفال ومستشفيات المرضى، في أصدق تجسيد لمقولة الشاعر: “قتلوا أطفالنا ليحررونا، فماذا ننتظر من الأموات؟”

 

موضوعات ذات صلة