| |

على أبواب المدارس.. أهالي مخيم الجليل أمام عام دراسي مثقل بالغلاء

الكاتبحسين منصور - بعلبك

في مخيم الجليل بالبقاع، لا تبدو العودة إلى المدرسة هذا العام مناسبة عادية تنتظرها العائلات والأطفال. فمع اقتراب موعد انطلاق العام الدراسي، تتحول الحقيبة والقرطاسية والملابس المدرسية من احتياجات أساسية إلى أعباء يصعب على كثير من الأهالي تأمينها، في ظل وضع اقتصادي يزداد صعوبة وارتفاع متواصل في الأسعار.

داخل أزقة المخيم، تتكرر الحكاية بأشكال مختلفة، لكن القاسم المشترك بينها هو القلق من كلفة العام الدراسي، ومحاولة تدبير الاحتياجات بالحد الأدنى، حتى لا يشعر الأطفال بأن ظروف أهلهم حرمتهم من أبسط متطلبات المدرسة.

حقيبة العام الماضي

طفلة من المخيم اعتادت في كل عام أن تبدأ عامها الدراسي بحقيبة وقرطاسية جديدة، لكنها هذا العام ستستخدم حقيبتها القديمة، بعدما أصبح شراء حقيبة جديدة أمرًا يفوق قدرة عائلتها.

أما طفل في الصف الرابع، فلا يملك حتى الآن حقيبة مدرسية، فيما لم يبقَ على موعد بدء الدراسة سوى أيام قليلة. يقول إنه يتمنى أن يتمكن من الذهاب إلى المدرسة مثل بقية الأطفال، لكن الظروف الاقتصادية الصعبة لأسرته تحول دون تأمين الحقيبة والقرطاسية.

تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها بالنسبة إلى أطفال يعيشون ظروفًا اقتصادية قاسية باتت تمثل أمنيات مؤجلة. فالحقيبة الجديدة والدفاتر والأقلام والملابس المدرسية، التي كانت من أساسيات كل بداية عام، أصبحت اليوم تحتاج إلى حسابات دقيقة لدى الأسرة.

زمان كانت تكفي لأربعة أو خمسة

جمانة محمود، وهي أم لطفلة، تقول إن الوضع المعيشي والاقتصادي بات “صعبًا جدًا”، في ظل ارتفاع الأسعار المستمر.

وتوضح أن الأسرة، رغم أن لديها طفلة واحدة، تجد نفسها في سباق دائم لتأمين متطلباتها المدرسية، مشيرة إلى أن ما كان ممكنًا في السابق لتجهيز أربعة أو خمسة أطفال، أصبح اليوم بالكاد يكفي لتجهيز طفل واحد.

وتقول إن مستلزمات المدرسة كثيرة، وكل واحدة منها تحتاج إلى مبلغ إضافي، فيما تحاول الأسرة تأمين ما تستطيع لطفلتها، وسط ارتفاع كلفة المعيشة بشكل عام.

أما غدير الشياح، وهي أم لثلاثة أطفال، فتواجه العبء نفسه ولكن بثلاثة أضعاف.

كان يفترض أن تكون قد جهزت أبناءها للعام الدراسي قبل نحو 25 يومًا، لكنها حتى الآن لم تتمكن من تأمين مستلزماتهم.

وتقول إن المعاناة تتكرر كل عام، لكن المصاريف تزداد، وإنها كأم تجد نفسها أمام سؤال صعب: كيف يمكنها تجهيز ثلاثة أطفال للمدرسة في ظل هذا الوضع؟

وناشدت الأونروا وكل من يستطيع تقديم المساعدة الوقوف إلى جانب العائلات، مؤكدة أن الأطفال لا يجب أن يدفعوا ثمن الظروف الاقتصادية، وأن الجيل الجديد يحتاج إلى الدعم حتى يتمكن من متابعة تعليمه.

نحو 830 طالبًا ينتظرون العودة

وتزداد صعوبة الاستعداد للعام الدراسي في مخيم الجليل، حيث من المقرر أن يعود نحو 830 طالبًا وطالبة إلى مقاعد الدراسة في مدرسة القسطل في 21 من الشهر الجاري.

ومع اقتراب الموعد، تواجه عائلات كثيرة صعوبة في تأمين المستلزمات الأساسية لأبنائها، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية وتتزايد فيه كلفة الاحتياجات اليومية.

فالمدرسة بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال ليست مجرد بداية عام جديد، بل مساحة يتمسكون من خلالها بحقهم في التعليم، رغم الظروف التي تحيط بعائلاتهم.

الغلاء يصل إلى السوق

الأزمة لا تظهر داخل المنازل فقط، بل تنعكس أيضًا على حركة السوق في المخيم، وخصوصًا المحال التي ترتبط مباشرة بالموسم الدراسي.

خالد عسال، صاحب مكتبة بالقرب من مدرسة القسطل، يقول إن الحركة هذا العام “خجولة جدًا”، مقارنة بما اعتادت عليه المكتبات في مثل هذه الفترة.

ويشير إلى أن الأسعار ارتفعت بشكل كبير، وأن المكتبة كانت في مثل هذه الأيام تشهد حركة نشطة مع اقتراب موعد المدارس، بينما تبدو الحركة اليوم محدودة، نتيجة الوضع الاقتصادي الصعب وارتفاع الأسعار وتراجع قدرة الأهالي على الشراء.

ويؤكد عبد الناصر كايد، صاحب مكتب هديل عند مدخل المخيم، أن الوضع الاقتصادي يتراجع من عام إلى آخر، وأن حركة السوق اليوم أضعف بكثير مما كانت عليه في السابق.

ويقول إن الناس لم تعد تملك الأموال نفسها لتدبير احتياجاتها، وإن الحركة التجارية تتراجع تدريجيًا، مضيفًا أن العام الماضي كان أفضل من الحالي من حيث العمل وحركة السوق وقدرة الناس على تدبير أمورها.

ومع اقتراب الموسم الدراسي، يأمل كايد أن تكون بداية العام الدراسي فرصة لتحريك السوق، لكنه لا يخفي قلقه من استمرار الظروف الاقتصادية الصعبة.

كيف بدنا نأمّن لكل واحد؟

وبالنسبة إلى أرباب الأسر، لا تتوقف الحسابات عند مستلزمات المدرسة، إذ تتزامن بداية العام الدراسي مع أعباء المعيشة اليومية من إيجار وطعام وشراب ومصاريف أساسية.

أبو كفاح، وهو لاجئ فلسطيني من المخيم، يقول إن المسؤولية تصبح أكبر بكثير لدى العائلات التي لديها أربعة أو خمسة أطفال، متسائلًا كيف يستطيع رب الأسرة تأمين حقيبة وقرطاسية وملابس وسائر المتطلبات لكل طفل.

ويشير إلى أن مصاريف المدارس تأتي فوق التزامات أساسية أخرى، ما يجعل الوضع “صعبًا جدًا”، مطالبًا أصحاب القرار بالنظر إلى أوضاع الأهالي، ومناشدًا الأونروا والجهات القادرة توفير الحقائب والمستلزمات المدرسية للعائلات المحتاجة.

في مخيم الجليل، لا ينتظر الأطفال العام الدراسي بالحماس وحده. خلف كل حقيبة قديمة، ودفتر لم يُشترَ بعد، وأم تحاول تدبير ما تستطيع، قصة عائلة تحاول أن تحافظ على حق أبنائها في التعليم، رغم أن كلفة هذا الحق باتت أثقل من قدرة كثيرين.

ومع بقاء أيام قليلة على قرع جرس المدرسة، يبقى الأمل بأن يجد الأطفال حقائبهم ودفاترهم جاهزة، وأن لا يكون الفقر هو ما يحدد شكل عامهم الدراسي.

موضوعات ذات صلة