في لحظة تاريخية بالغة الخطورة والتعقيد، يواجه الشعب الفلسطيني استحقاقاً وطنياً مفصلياً يتمثل في إعادة بناء مؤسساته التمثيلية، وعلى رأسها المجلس الوطني الفلسطيني.
غير أن هذا الاستحقاق، الذي كان يُفترض أن يشكل بوابة للخروج من حالة التفرّد واحتكار القرار، وإعادة الاعتبار للشرعية الشعبية، تحول إلى نقطة خلاف حادة بين مختلف أطياف المشهد الفلسطيني. فبدلاً من أن يكون المدخل نحو توحيد الصف الوطني، أضحى ملف إعادة تشكيل المجلس الوطني ساحة جديدة للصراع حول الشرعية والتمثيل، وكشف عن شقوق عميقة في بنية النظام السياسي الفلسطيني.
يُجمع الفلسطينيون في الداخل وبلدان اللجوء على أن إعادة بناء المجلس الوطني ضرورة وطنية ملحّة ومصلحة عامة، خاصة في ظل ما تتعرض له القضية الفلسطينية من مخاطر وجودية. لكن ما كان يُفترض أن يكون خطوة نحو لمّ الشمل وتوحيد الصف، تحوّل إلى ساحة خلاف مفتوح، بعد أن بدأت عمليات اختيار ممثلي الشتات تجري بآليات أثارت أسئلة كبيرة بشأن الشرعية والتمثيل؛ فالمسألة ليست مجرد تفاصيل إجرائية، بل تتعلق بجوهر العلاقة بين القيادة وقواعدها الشعبية.
في شهر حزيران/يونيو 2026، أُقرّ نظام انتخابي جديد يقضي بتشكيل مجلس وطني من 350 عضواً: 200 من الأراضي الفلسطينية و150 من الشتات، على أن تُجرى الانتخابات في تشرين الثاني/نوفمبر 2026.
وعلى الورق، يبدو النظام عصرياً: اقتراع مباشر، قوائم نسبية، وتمثيل للخارج. لكن المشكلة كامنة في بند واحد: السماح باستخدام “المجمع الانتخابي” أو التوافق أو التعيين في المناطق التي يتعذر فيها الاقتراع المباشر. هذا البند، الذي صيغ بلغة تبدو عملية، فتح الباب أمام ممارسات أثارت استنكاراً وغضباً واسعاً.
ما القصة؟
“المجمع الانتخابي” يعني ببساطة أن الفلسطيني في الشتات لا يختار ممثله بنفسه، بل توجد مجموعة صغيرة تقوم بهذا الدور نيابة عنه، ودون موافقته. السؤال الذي يفرض نفسه: من اختار هذه المجموعة؟ وكيف وصلت إلى موقعها؟
إذا كان أفراد “المجمع الانتخابي” منتخبين من الفئة نفسها، فالسلسلة تبقى سليمة وإن كانت غير مباشرة. أما إذا كانت جهات أو مؤسسات أو فصائل هي التي عيّنتهم، فالشرعية تسقط من أساسها، ويتحول المجمع إلى أداة لتمرير أسماء بعينها تحت غطاء الانتخاب.
ما حدث في الكويت يوضح الصورة: انتخابات جرت داخل صالة السفارة، بمشاركة تسعة مرشحين، اختاروا بدورهم عضوين للمجلس الوطني. لا إعلان مسبق، لا تعريف بأسماء المشاركين، ولا توضيح لآلية اختيارهم. التجربة تكررت في البحرين وقطر، ما دفع لاجئين فلسطينيين في أكثر من دولة إلى رفع الصوت احتجاجاً.
رفض واسع
الرفض لا يقتصر على فصيل دون آخر، بل يمتد عبر طيف واسع من القوى والشخصيات والمؤسسات في دول اللجوء. رفض واحتجاجات تتلخص في نقاط واضحة:
الشرعية تأتي من الناس لا من التعيين: المجلس الوطني يستمد وزنه من كونه يعبّر عن إرادة الشعب، وإذا جاء عبر ترتيبات مغلقة، فإنه يفقد هذه الصفة ويصبح مجرد واجهة.
أصوات ملايين تُختزل في مجموعة صغيرة: فلسطينيو الشتات يُعدّون بالملايين، ولا يمكن قبول أن يقرر عنهم عدد محدود لم يمنحه أحد تفويضاً حقيقياً.
الإقصاء يعمّق الخلافات: الحديث عن “التفرد” و”الإقصاء” ليس اتهاماً عابراً، بل يعكس قلقاً من أن تُكرّس هذه الممارسات الخلافات القائمة بدلاً من معالجتها.
البديل موجود: الطرف الرافض يؤكد أن الانتخابات المباشرة ممكنة، خاصة في أوروبا وأمريكا اللاتينية، حيث تتوفر البنية اللازمة، وحيث يمكن إعداد سجل انتخابي حقيقي وإشراف مستقل.
في ظل الإبادة
لا يمكن النظر إلى هذا الجدل بمعزل عن السياق؛ فغزة تتعرض لحرب إبادة، والضفة تشهد تصاعداً في الاستيطان والاعتداءات، والشتات يواجه ضغوطاً متزايدة. في لحظة كهذه، يحتاج الفلسطينيون إلى مؤسسات قوية وموحدة، لا إلى هيئة يُطعَن في شرعيتها قبل أن تبدأ عملها.
مجلس وطني يضم ممثلين لم ينتخبهم أحد، سيُضعِف ولا يُقوّي، وسيزيد الشقوق بدلاً من أن يرأبها. وإذا كانت إعادة التشكيل ستنتج الهيئة ذاتها بوجوه جديدة وأسماء متبدلة، فما الجدوى؟
أين الحل؟
المشكلة ليست في مبدأ الانتخابات، بل في طريقة تنفيذها. والحل يبدأ من الاعتراف ببساطة:
الانتخاب هو الأصل، وأي بديل يجب أن يبقى استثناءً ضيقاً ومبرراً.
تشكيل هيئة تحضيرية وطنية تضم القوى والجاليات الفلسطينية والمستقلين، تضع قواعد واضحة للتمثيل وآليات الإشراف.
إشراك الجاليات في تحديد كيفية تمثيلها، لا فرض ترتيبات جاهزة عليها.
إجراء اقتراع مباشر حيثما أمكن، مع ضمان الشفافية والرقابة.
وقف التعيينات الفردية التي لا تحظى بتوافق واسع.
ختاماً، إن قضية المجلس الوطني ليست تفصيلاً تنظيمياً، بل اختبار حقيقي لنوايا القيادة الفلسطينية. فالشعب الذي يقدّم الشهداء والأسرى والتضحيات في كل مكان، لا يمكن أن يَقبل بأن يُفرض عليه ممثلون عبر صالات مغلقة وقوائم تُعدّ بعيداً عن عينه.
الشرعية لا تُبنى بالتعيين، والوحدة لا تُصنع بالإقصاء والتفرّد. وإذا كان هناك طريق واحد لتجديد المجلس الوطني وإنقاذ منظمة التحرير من مأزقها، فهو صندوق الاقتراع، حيث يقول الناس كلمتهم بحرية وشفافية. ما عدا ذلك، لن يكون سوى إعادة تدوير وإنتاج للأزمة بثوب جديد.