في مخيم الجليل بمدينة بعلبك، لا يبدأ صباح هذا اليوم كغيره؛ فمنذ ساعات الفجر الأولى، تتعالى أصوات الحافظات بآيات القرآن الكريم، في مجلس يمتد حتى المغرب، وتجتمع فيه 31 حافظة لسرد كتاب الله كاملًا غيبًا، في جلسة واحدة، ضمن مشروع «نخبة الحفاظ»
للسنة الثالثة على التوالي، يُقام مشروع “سرد القرآن الكريم”، هذا العام برعاية من جمعية الإمام الشاطبي ومركز بلال بن رباح رضي الله عنه لتحفيظ القرآن الكريم.
وفي جلسة واحدة، تجتمع الحافظات مع معلماتهن لسرد كتاب الله كاملًا، اعتمادًا على ما حفظته الصدور، في مشهد يجسد سنوات من الحفظ والمراجعة والمثابرة، ويعكس مكانة القرآن في حياة هؤلاء الحافظات.
ولا تتوقف قيمة السرد عند اختبار ثبات المحفوظ، بل تتجاوز ذلك إلى تجديد الصلة بكتاب الله، واستحضاره في القلب والذاكرة، بعد سنوات من الحفظ والتعلم والمراجعة.
31 حافظة.. وكتاب واحد
لا يقتصر المشهد على عدد الحافظات أو طول ساعات السرد، بل تتجلى خصوصيته في اجتماع أجيال مختلفة تحت سقف واحد؛ فأصغر المشاركات تبلغ 12 عامًا، فيما تبلغ أكبر الحافظات 67 عامًا.
وبين العمرين، تتلاقى تجارب ومسارات مختلفة، لكن الفارق في السن يتوارى أمام كتاب واحد جمعهن، ورحلة واحدة بدأت بالحفظ وتمتد بالمراجعة والتثبيت.
وتوضح شيماء، عضو مجلس إدارة معهد بلال بن رباح، أن المشروع يأتي للعام الثالث، ليشكل محطة تجمع الحافظات ومعلماتهن في تجربة قرآنية جماعية، تؤكد أن حفظ كتاب الله ليس نهاية الطريق، بل بداية لمسيرة طويلة من المراجعة والتثبيت والصلة بالقرآن.
أمٌّ ترافق ابنتها في طريق القرآن
ومن أجمل مشاهد هذا المجلس حضور المعلمة تهاني الصباغ، التي تجتمع فيه مع ابنتها في رحلة واحدة مع كتاب الله؛ فهي أم اختارت أن تربي ابنتها على القرآن، ومعلمة تشاركها في مسيرتها القرآنية، لتصبح هذه اللحظة امتدادًا لسنوات من التشجيع والمتابعة والدعاء.
وتروي تهاني أن اختيارها طريق القرآن لبناتها جاء إيمانًا منها بأن القرآن لا يعلّم الإنسان الحفظ فحسب، بل يهديه إلى أصول الحياة وقيمها. وترى في أن أكرمها الله بأن تكون معلمة لابنتها شرفًا كبيرًا وتجربة تختصر كيف يمكن للقرآن أن يجمع الأم وابنتها على طريق واحد وغاية واحدة.
وفي هذا المشهد، تبدو العلاقة بالقرآن عابرة للأجيال؛ أم تحمل رسالة، وابنة تحمل الآيات في صدرها، ومعلمة تواصل ما بدأته الأسرة بالتربية والتشجيع.
خلف كل حافظة حكاية
أما تسنيم محمد سلام، فتستحضر في حديثها دور والدتها في مسيرتها مع الحفظ، موجهة شكرها إلى المعلمات وكل من ساعدها، وفي مقدمتهم أمها التي بقيت إلى جانبها، تنصحها وتشجعها وتشد على يدها، وتفتح أمامها الطريق نحو القرآن.
كلمات تسنيم تختصر جانبًا من الحكاية التي لا تظهر في لحظة السرد؛ فخلف كل حافظة أسرة شجعتها، ومعلمة رافقتها، وساعات طويلة من المراجعة والتكرار حتى يصبح القرآن حاضرًا في الذاكرة والقلب.

رحلة تتجاوز اختبار الحفظ
وتنظر آلاء سكري إلى هذا اليوم من زاوية أعمق، فتصفه بأنه رحلة إيمانية نورانية تتجدد فيها الصلة بكلام الله.
فالسرد، بالنسبة إليها، ليس مجرد اختبار للمحفوظ أو محاولة لإثبات القدرة على استحضار الآيات، وإنما هو تجديد للعهد مع القرآن، حتى يبقى حاضرًا في القلب، ثابتًا في الصدر، ودليلًا للإنسان في أيام الشدة والكروب.
أجيال.. وكتاب واحد
ومن الفجر حتى المغرب، تتوالى السور والآيات في مجلس تتقاطع فيه أصوات الحافظات والمعلمات، وتلتقي فيه طفلة في الثانية عشرة إلى جانب حافظة في السابعة والستين. أعمار مختلفة، وتجارب متعددة، لكن الطريق واحد والكتاب واحد.
في مخيم الجليل، يتحول مشروع «نخبة الحفاظ» إلى صورة تختصر معنى الاستمرار؛ أجيال تتعاقب، وحافظات يسلّمن راية القرآن من جيل إلى جيل، وكتاب واحد يجمعهن.
وبين بداية السرد مع الفجر واختتامه عند المغرب، لا تُختبر قوة الحفظ وحدها، بل تُروى حكاية أجيال اختارت أن تحمل القرآن في صدورها، وأن تجعل من تلاوته ومراجعته عهدًا مستمرًا لا ينتهي بانتهاء الجلسة.