| |

في مسألة الاعتذار عن الإبادة

الكاتبسعيد الحاج

ليس ثمة جدال حول مدى المأساة التي يعانيها قطاع غزة وأهله بعد سنوات من حرب الإبادة ومشروع التهجير، كما أنه ليس من المستغرب أن يُوجَّه جزءٌ لا بأس به من الغضب الشعبي نحو متخذ قرار عملية “طوفان الأقصى” بعدِّها الشرارة التي أطلقت حرب الإبادة، وهو غضب من المتفهم أن يتعاظم مع مرور الزمن واستفحال الأزمة الإنسانية في القطاع دون أفق واضح للحل. كل ذلك متفهم في الحالة الشعبية، أما حين يصدر أمثاله من سياسيين، بعضهم أصحاب مناصب وقرار، فثمة زاوية نظر أخرى تحضر للنقاش بل والمحاسبة.

طالعتنا في الآونة الأخيرة عدة تصريحات لقياديين في السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح تطالب حركة حماس بـ”الاعتذار عما تسببت به لغزة”، كان آخرها تصريح ماجد فرج، رئيس جهاز الاستخبارات الفلسطيني وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، الذي عدَّ ذلك الاعتذار المطلوب من حماس شرطاً لانخراطها في الحياة السياسية الفلسطينية وقبولها كفصيل سياسي.

والنقاش هنا ليس عن مسؤولية أي فاعل سياسي (حركة حماس في هذه الحالة) عن قراراته ونتائجها بما في ذلك المعارك التي خاضها مع الاحتلال، فهذا منطق السياسة وحق للناس لا يماري فيه اثنان، لكن النقاش يكمن في نقل الأمر لمساحة المسؤولية عن نتائج حرب الإبادة على قطاع غزة. فهل تتحمل حركة حماس هذه المسؤولية، وبالتالي عليها واجب الاعتذار للشعب الفلسطيني عن ذلك؟

ورغم أن النقاش الأساسي ينبغي أن يُجرى بغض النظر عن شخصية المُطالب بالاعتذار وخلفيته، إلا أن الإشارة لذلك ضرورية وجزء مهم من المسألة في حالة ماجد فرج تحديداً. فالرجل الذي يشغل منصباً أمنياً رفيعاً في السلطة، ويتحدث باسمها وباسم حركة فتح هنا، مسؤول كغيره وربما أكثر من غيره في تقديم كشف حساب والخضوع للمساءلة أمام الشعب بخصوص أدائه وأداء من وما يمثلهم خلال حرب الإبادة. ذلك أن حرب الإبادة، وبغض النظر عمن أطلق شرارتها، تفرض على الجميع مسؤوليات وأدواراً ومهام لا بد من القيام بها كل من موقعه ومنصبه ووفق قدراته.

وكشف حساب السلطة ليس وردياً بالمطلق، فإضافة إلى رصيد يقترب من الصفر في الأداء والإنجاز حتى على المستوى السياسي والدبلوماسي، لم يكن أداء السلطة إعلامياً مما يُفتخر به، لدرجة أن رئاستها جمعت وساوت في بيانين منفصلين بين حكومة الاحتلال وحركة حماس في المسؤولية عن الإبادة في غزة، وهو أمر لا يمكن تفسيره في سياق المنافسة الداخلية أو المناكفات السياسية.

هذا الصمت (وليس العجز) تحول في الأسابيع القليلة الأخيرة لحالة من العمل الدؤوب والحضور الإعلامي والتنظير السياسي، حين قرر محمود عباس استغلال الضغط العسكري “الإسرائيلي” وأوضاع الناس المأساوية في غزة، لإعادة “ترتيب البيت الفلسطيني” على مقاسه، داعياً لانتخابات رئاسية وتشريعية وللمجلس الوطني بالتوقيت والشروط والظروف التي تناسبه، دون أدنى توافق وطني، بل وبتعيينات تتجاوز حقوق الجاليات الفلسطينية المقيمة في الشتات وصاحبة الحضور والمؤسسات منذ عقود. وهنا، حوّلت السلطة “الوطنية” الفلسطينية فكرة “المجيء على دبابة إسرائيلية” من اتهام مجرّد إلى مسار مجسّم.

والآن، بعيداً عن كل ذلك، على أهميته، ألا ينبغي على حركة حماس الاعتذار للشعب الفلسطيني وخصوصاً في غزة عن “طوفان الأقصى”؟

مجدداً، ثمة مسؤولية سياسية لحركة حماس عن قرارها إطلاق العملية، بما في ذلك تقدير الموقف والتفاصيل التنفيذية والنتائج، وهذا مما لا يماري فيه أحد، لكنها، قولاً واحداً، ليست مسؤولة عن حرب الإبادة ونتائجها، بل إن القول بذلك لا يجافي الواقع والمنطق فقط، بل يقترف جريمة كبرى بحق الوطن والمواطن.

إن هذا الخطاب، وبعيداً عن انتهازيته الواضحة ومحاولات استغلال المأساة في سياق انتخابي لا يُعرف حتى اللحظة بم سيفيد غزة أو فلسطين، يغيّب ويتجاهل مسؤولية الفاعل المباشر للإبادة ومقترف المجازر والجرائم على مدى ثلاث سنوات كاملة، وهو الاحتلال.

إضافة لذلك، فإن المطالبة بالاعتذار عن العملية بعدِّها السبب المباشر للإبادة، تقول ضمناً إن الإبادة رد فعل منطقي وبالتالي ينبغي أن يكون متوقعاً على عملية مثل الطوفان، وهذه جريمة كبرى. إذ لا يمكن السماح بنقل الإبادة من مساحة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية (وفق توصيف المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية) إلى مربع “رد الفعل” العادي المطلوب توقعه، بما في ذلك من تسويغ ضمني -غير مقصود طبعاً- لسلوك قوات الاحتلال التي أجمع العالم تقريباً على تجريم فعلها؛ بمن في ذلك من عدّوا السابع من أكتوبر عملية “إرهابية” وأعطوا لـ”إسرائيل” الحق في “الدفاع عن نفسها” بعدها.

يضاف لذلك أن هذا الخطاب مقصد “إسرائيلي” بحد ذاته منذ بدء الحرب. أعني أن استمرار الإبادة وتعميق الأزمة الإنسانية في غزة وتحويل الأخيرة لمكان لا يصلح للعيش هدف مخطط له ومقصود لذاته منذ شن الحرب، لتحويل الغضب الشعبي نحو المقاومة التي واجهت الاحتلال لا الاحتلال نفسه.

هذا من حيث المبدأ، فكيف بنا ونحن نعرف اليوم يقيناً أن حكومة الاحتلال كانت تعدُِّ لعدوان موسع على غزة وجنوب لبنان (حماس وحزب الله)، بل وضم الضفة والحرب على إيران، حتى بدون تعرضها لأي هجمات، أو بتحيّن فرصة لأي حدث تتخذه ذريعة، كما رأينا في عملية “البيجر” في لبنان وخطط ضرب المقاومة في غزة التي أُعلن عنها لاحقاً خلال الحرب.

يبقى أن منطق المراجعات والمحاسبة والتصويب بل والاعتذار يرتبط حصراً بأساليب المقاومة وتفاصيل عملها، لا بأصل فكرة المقاومة كما يريد بعض مستغليِّ مصاب الناس للتأليب عليها. يهدف الاحتلال لتجريم المقاومة فكراً ومشروعاً وتنفيذاً وشخوصاً، ويسعى معهم للأسف في ذلك بعض أبناء جلدتنا. وينسى هؤلاء، أو يتناسون، أن المشكلة الأساس كانت وستبقى في الاحتلال، وأن المقاومة مجرد رد فعل، وأن العمل المقاوم انتقل من طور لآخر وطوّر من أساليب عمله لمواجهة الخطر المتزايد للاحتلال على فلسطين، شعباً وقضية، وأن المقاومة انتقلت من يد لأخرى ومن اسم لآخر طوال أكثر من قرن من الزمان، وأنه حتى لو غابت فصائل المقاومة الحالية تماماً لأسَّسَ الشعب غيرها لمواجهة انتهاكات الاحتلال المستمرة وعدوانه المتفاقم.

وأخيراً، همسة في أذن مسؤولي السلطة الفلسطينية، وبمعزل عن الكوارث السابقة، أوسلو وما سبقها وتلاها: هل تقع مسؤولية ما آلت إليه الأمور اليوم في غزة على فصائل المقاومة وحدها؟ ألا يوجه أي لوم أو غضب -فضلاً عن المطالبة بالاعتذار- لمن جرّد الشعب الفلسطيني من أوراق قوته وتركه مع غزة فريسة للإبادة بدون ردة فعل حقيقية ولو حتى بالمظاهرات (الاستثناءات موجودة)؟ ألم نشهد جميعاً مدى تأثر القرار “الإسرائيلي” بهبة الضفة والأراضي المحتلة عام 1948 خلال معركة “سيف القدس” عام 2021، مقابل الصمت شبه المطبق خلال هذه الإبادة وبمساهمة مباشرة من الأجهزة الأمنية للسلطة في الضفة المحتلة؟

وإذا ما كانت حماس تُسأل عن مصير غزة، فما بال الضفة الغربية التي ضُمت للكيان أو كادت، ويُعمل على قدم وساق على حصارها وتفريغها من أهلها؟ ألا يؤكد ذلك تفرد “إسرائيل” بالإبادة والتطهير العرقي كنهج أصيل بمعزل عن الفعل الفلسطيني ورد الفعل عليه؟

لا شك أن المقاومة الفلسطينية مطالبة بالمراجعة والتقييم والتصويب، بل وأفترض أنها تعمل على إعادة صياغة أساليب عملها وفق المستجدات الحالية والأدوات المتاحة. لكن ذلك لا يعني أن نحملها هي مسؤولية الإبادة، بما يعني ضمناً تبرئة ساحة الاحتلال ووضع جرائمه التي يحاسبه عليها العالم في إطار “رد الفعل المتوقع والطبيعي”، ما يشكّل جريمة إضافية بحق القضية والشعب.

موضوعات ذات صلة