خليل تفكجي
مقدمة:
على مدار الأعوام الماضية، عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على تنفيذ مخططات وبرامج سياسية بدءاً من مخطط ألون إلى مخطط منتياهو دربلس، ومخطط شارون، وقامت خلال هذه المشاريع بفرض الأمر الواقع على الأرض، فكانت الحجج الأمنية مرة، أو مناطق محميات طبيعية، ومناطق تدريب عسكري مرة أخرى، كما طرحت مشاريع إقامة البنية التحتية، بدءاً من الأمر العسكري رقم 50، للطرق الصادر عام 1983، والذي قطع الضفة الغربية طولاً وعرضاً، فأصبحت الضفة الغربية مقطعة الأوصال محاطة بالمستعمرات من جميع الجهات والشوارع التي منعت تطور القرى والمدن العربية، وفي نفس الوقت كانت المستعمرات تتطور ويزداد عددها وسكانها بشكل مطرد. مما خلق أمراً واقعاً جعل عملية الضم وفرض السيادة مسألة وقت.
اتفاق أوسلو:
جاءت اتفاقية أوسلو، وقسمت الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق كان أكبرها مناطق (ج) التي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية دون مدينة القدس التي تم ضمها عام 1967 وتوسيع حدودها وفرضت أمراً واقعاً وخاصة عندما تم إقرار قانون توحيد القدس عام 1980 وجعلها عاصمة أبدية للدولة العبرية عن طريق السيطرة على الحيز، فأصبح ما يزيد عن 87% من مساحة القدس تحت السيطرة الإسرائيلية باستخدام الكثير من القوانين وقامت ببناء (15) مستعمرة إسرائيلية داخل حدود البلدية واسكنتها بأكثر من 235 ألف مستوطن.
أما الضفة الغربية فكانت خطوات الحكومة الإسرائيلية في السنوات الماضية أدت على استكمال ضم الأراضي بالضفة بدون خارطة سياسية وبدون تشريع، وقد جاء ذلك من خلال تغير شامل لصلاحيات سلطات الإدارة المدنية التي تعمل في الضفة الغربية. ويمكننا النظر إلى أجهزة الحكم العاملة على الأرض والمنظومة الرمزية والإطار التنظيمي. فالجهاز العسكري الذي يدير الضفة الغربية في السنوات الماضية والذي اعتبر نفسه خاضعاً للقانون الدولي لم يعد موجوداً، إذا اعتبرت الضفة خلال العامين الماضين كمنطقة تحت الحكم العسكري، فهي تدار الآن بالوزارات الحكومية المدنية في دولة الاحتلال “الإدارة المدنية التي تخضع لسموتريتش بصفته وزيراً في وزارة الدفاع، ولوزارة المواصلات، ووزارة التعليم، ووزارة الزراعة وغيرها”، وتستخدم الجيش في أكثر الحالات كمقاول ثانوي لمشاريع السيطرة على المناطق (ج).
وحتى على أجزاء من المناطق (ب) وفي موازاة ذلك، تم تعين أشخاص ذوي مناصب تعزيز وتسرع عملية الضم. مثال ذلك “نائب رئيس الإدارة المدنية من قبل الاستيطان الذي يخضع للوزير وليس للجيش”. مكتب المستشار القانوني المستقل في الجيش، فقد تم حله وأخضع للمستوى السياسي وهكذا قامت الحكومة الإسرائيلية بتحطيم سلسلة القيادة وبالتالي تكون الحكومية الحالية بقيادة سموتريتش قد خطى خطوة حاسمه بشأن الضم ونقل الصلاحيات العسكرية على إدارة المجالات المدنية في الضفة من قائد المنطقة الوسطى إلى سلطة مدنية إسرائيلية. ومن أجل التسريع بالضم. وخاصة بعد (توقيع الاتفاقيات الائتلافية). تم صياغة وثائق إدارية، ونقل بنود في الميزانية وتغير مبادئ التخطيط وتسريع إجراءات الترخيص، ونقل صلاحيات فيما يتعلق بالأراضي، وتطوير بنى تحتية لصالح المستعمرات ودمجها في منظومة البنى التحتية والقانون المدني الإسرائيلي. وهذا الشيء وبهذه الخطوات السريعة خلقت (سيادة مدنية/إسرائيلية بالضفة الغربية).
المزارع الرعوية:
جاءت خطوات الضم ضمن سياسة السيطرة على الأرض، وكانت الإدارة التنفيذية لهذا المشروع هو إقامة المزارع الرعوية التي تقوم على عملية السيطرة على الأرض وطرد السكان والتجمعات البدوية في جميع مناطق الأغوار بدأ من الشمال (الفارسية، والحدادية، وغيرها) مروراً بالمناطق الوسطى وبدو المعرجات، ومسافر يطا، وهكذا سيطرت هذه المزارع التي بلغ عددها 214 مزرعة رعوية بأقل عدد من السكان، تسيطر على (787)كم2 . وزادت هذه المزارع خلال العدوان الجاري على غزة (70) بؤرة حتى تاريخ 1/8/2025 جديدة، كان أكثرها ضمن القدس الكبرى التي تمتد حتى البحر الميت، وهذه السياسة التي انتهجتها الحكومة الإسرائيلية سياسة أكبر مساحة من الأرض مع أقل عدد من السكان، وتهجير التجمعات العربية في هذه المناطق قد اكلت اوكلها.
على ضوء ما سبق لم يكن اعلان الكنيست في نهاية شهر 7/من العام 2025 بتوصية عملية الضم من المستوى السياسي، بل هو جزء من عملية هندسة الوعي، ويوفر للوسط السياسي رواية مريحة وكأنه لا ضم الا بإعلان، وهكذا يسمح له بمواصلة انكار الواقع، وكأن عدم الإعلان ينفي الضم، والأخطر من ذلك هو براءة ذمة المنظومات القضائية والإدارية والسياسية من قضية الضم. وهكذا فإن الضم وفرض الأمر الواقع على الأرض بزيادة الاستيطان واعداد المستوطنين وخلق بيئة وأعمال فصل بين البنية التحتية الفلسطينية والإسرائيلية، يعني أن دولة فلسطين إلى جانب الدولة العبرية أصبح من المستحيل اقامتها على ضوء السيطرة الجغرافية والاقتصادية ومحاصرة القرى الفلسطينية بالحواجز مقطعة الأوصال وخلق جهازان في الضفة الغربية: جهاز الإدارة المدنية له صلاحيات محدودة وقانونها فقط على السكان الفلسطينيين، وقانون مدني إسرائيلي للمستوطنين الإسرائيليين داخل الضفة الغربية مما يجعل أن أحد أهداف الانقلاب النظامي هو إزالة العوائق من أمام الضم. وبما أن الضم محظوراً أصلاً في القانون الدولي، فإن البنى التحتية والمؤسسات الحكومية التي شكلت على يد الحكومة في الضفة الغربية والتي جاء تأسيسها بشكل مؤسس على عدم إعطاء حقوق مدنية للسكان الفلسطينيين.
أن خطة سموتريتيش في ضم الضفة الغربية ستؤدي بحكم الواقع الموضوعي إلى تحريك كتلة ديمغرافية من سكان باتجاه شرق نهر الأردن، وهذا اعلان حرب صريح على المملكة، يجب الاستعداد جيداً له.