محمد نور تميم- صدى الشتات
لم تعد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا بالنسبة إلى اللاجئ الفلسطيني في لبنان مجرد مؤسسة أممية تقدم خدمات صحية وتعليمية وإغاثية. على مدى عقود، تحولت الوكالة إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيمات والتجمعات الفلسطينية، وإلى واحدة من المؤسسات القليلة التي لا يزال بإمكان اللاجئ اللجوء إليها عندما تضيق به الخيارات.
لكن هذه العلاقة تبدو اليوم أمام اختبار غير مسبوق. فمع تفاقم أزمة التمويل وتراجع قدرة الأونروا على الحفاظ على مستوى خدماتها، لا يواجه اللاجئ الفلسطيني مجرد تقليص في برنامج أو تأخير في خدمة، بل احتمال فقدان شبكة أمان أساسية في مجتمع يعاني أصلاً من الفقر والبطالة والقيود على الوصول إلى قطاعات واسعة من سوق العمل والخدمات العامة.
وبحسب الأونروا، يعيش أكثر من ثمانين في المئة من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تحت خط الفقر، فيما تتجاوز البطالة بينهم اثنين وثلاثين في المئة وفق بيانات الوكالة. وفي ظل محدودية قدرة القطاع العام على استيعابهم وارتفاع كلفة الخدمات الخاصة، أصبحت الأونروا بالنسبة إلى أعداد كبيرة منهم المصدر الأساسي للتعليم والرعاية الصحية والمساعدات والحماية.
وفي حديث خاص لـ«موقع صدى الشتات»، يضع علي هويدي، رئيس ملف الأونروا في المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، أزمة الوكالة في سياق أوسع من مجرد تراجع في الخدمات، مضيفاً أن الأونروا «تعتبر شريان حياة بالنسبة للاجئين الفلسطينيين في لبنان»، في ظل القيود المفروضة على وصولهم إلى عدد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما العمل والتملك والاستشفاء والتعليم.
الفقر لا ينتهي عند باب العيادة
حين يعيش أكثر من أربعة أخماس المجتمع الفلسطيني تقريباً تحت خط الفقر، فإن المرض لا يصبح مشكلة صحية فقط، بل أزمة مالية تهدد الأسرة بأكملها.
وتزداد صعوبة المشهد مع الأمراض التي تحتاج إلى علاج طويل ومكلف. فالسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسرطان من الأمراض المزمنة التي تتطلب متابعة مستمرة وأدوية وفحوصاً قد تمتد لسنوات.
وتشير بيانات الأونروا الصحية في لبنان إلى تسجيل أكثر من ثلاثة وعشرين ألفاً وسبعمئة مريض ضمن برنامج الأمراض غير السارية، بينهم أكثر من ألفين وستمئة مصاب بالسكري، ونحو اثني عشر ألفاً وخمسمئة مصاب بارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى آلاف المرضى الذين يعانون السكري وارتفاع الضغط معاً.
أما السرطان، فقصته أكثر قسوة. فالأونروا تدرج السرطان ضمن الأمراض المزمنة التي تحتاج إلى رعاية ومتابعة طويلة الأمد، وتوفر ضمن منظومتها الصحية خدمات للكشف المبكر والإحالة إلى مستويات الرعاية المتخصصة. لكن العلاج المتخصص للسرطان، من عمليات وعلاج كيميائي وإشعاعي وأدوية، يضع العائلات أمام كلفة تفوق قدرتها في كثير من الحالات، خصوصاً في ظل غياب تغطية صحية شاملة للاجئين الفلسطينيين.
وهنا تصبح الأونروا بالنسبة إلى المريض أكثر من عيادة. هي الطريق إلى الدواء، وإلى الفحص، وإلى المستشفى، وإلى جزء من كلفة العلاج الذي قد لا تستطيع الأسرة دفعه وحدها.
عشرات آلاف المرضى… وغياب البديل
تقدم الأونروا الرعاية الصحية الأولية عبر ستة وعشرين مركزاً صحياً وعيادة ونقطة صحية وعيادة متنقلة في لبنان، فيما يستفيد اللاجئون أيضاً من مساهماتها في الإحالات إلى المستشفيات والرعاية المتخصصة.
وتقول الأونروا إن نحو مئتي ألف مريض، معظمهم من النساء والأطفال، يعتمدون على خدمات الرعاية الصحية الأولية التي تقدمها الوكالة، فيما يحتاج نحو ثلاثين ألف مريض سنوياً إلى رعاية صحية ثانوية أو متخصصة عبر نظام الإحالات الذي تموله الوكالة.
هذه الأرقام تشرح لماذا يصبح أي تقليص في الخدمات الصحية محسوساً داخل البيوت الفلسطينية.
فالمشكلة لا تتوقف عند إغلاق مركز أو تقليص ساعات العمل. بالنسبة إلى مريض السكري، قد يعني الأمر صعوبة في الوصول إلى المتابعة أو الدواء. وبالنسبة إلى مريض السرطان، قد يعني أي نقص في التغطية الصحية تأخير علاج أو تحميل الأسرة فاتورة لا تستطيع تحملها.
ويحذر هويدي من أن استمرار الأزمة المالية قد ينعكس على مستوى الخدمات الصحية، مشيراً إلى مخاوف من تقليص عدد العيادات في بعض المناطق، ومن تراجع مساهمة الأونروا في الاستشفاء. وبالنسبة إلى مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على الوكالة، فإن أي تراجع في هذه الخدمات يعني أن الفجوة بين الحاجة والقدرة على الوصول إلى العلاج ستتسع.
مدرسة الأونروا ليست خياراً ثانوياً
مدارس الأونروا تستقبل عشرات آلاف الطلاب الفلسطينيين في لبنان، ما يجعل الوكالة جزءاً أساسياً من المنظومة التعليمية للاجئين.
وفي مجتمع يعيش أكثر من ثمانين في المئة من أفراده تحت خط الفقر، تصبح المدرسة المجانية أو شبه المجانية مسألة أساسية للأسرة، لا سيما مع ارتفاع كلفة النقل والكتب والقرطاسية والتعليم الخاص.
أي تراجع في قدرة الأونروا على تمويل مدارسها أو صيانة منشآتها أو تأمين الكادر التعليمي ينعكس مباشرة على الطلاب وأسرهم، في وقت لا تملك فيه العائلات الفقيرة مساحة كبيرة للانتقال إلى التعليم الخاص.
ويرى هويدي أن آثار الأزمة بدأت تظهر في العملية التعليمية، متحدثاً عن دمج مدارس وإغلاق أخرى، إلى جانب وقف أو تقليص عمليات التوظيف. وبغض النظر عن تفاصيل كل إجراء، فإن الاتجاه العام يثير مخاوف لدى المجتمع الفلسطيني من أن تتحول الأزمة المالية المؤقتة إلى تغيير طويل الأمد في حجم الخدمات التي تقدمها الوكالة.
حين تصبح المساعدة جزءاً من دخل الأسرة
المساعدات النقدية والغذائية ليست تفصيلاً آخر في حياة اللاجئ.
في ظل البطالة والفقر، تستخدم الأسر هذه المساعدات لتغطية احتياجات أساسية: الغذاء، الدواء، الإيجار، الكهرباء، النقل، والتعليم.
وفي أوقات الأزمات الأمنية والنزوح، تتحول هذه المساعدات إلى ضرورة عاجلة. وقد شهدت فترات سابقة احتجاجات داخل المخيمات بسبب التأخر في المساعدات النقدية أو صعوبات تغطية الاستشفاء، في مؤشر على حجم اعتماد العائلات على هذه البرامج.
وحين تتقلص قيمة المساعدة أو تتأخر أو تصبح مرتبطة بتمويل غير مضمون، لا يكون أثر ذلك محاسبياً بالنسبة إلى الأسرة، بل يومياً ومباشراً.
ومن البرامج التي يلفت هويدي إلى أثر تراجعها برنامج الشؤون، أو ما يُعرف بشبكة الأمان الاجتماعي، والذي كان يستفيد منه آلاف اللاجئين الفلسطينيين كمساعدات مادية. ويضع هذا التراجع في سياق أوسع من الضغوط التي تتعرض لها برامج الأونروا، من المساعدات إلى الصحة والتعليم.
مجتمع مريض وفقير… وخياراته محدودة
المشكلة الأكبر أن الفقر والمرض يعملان معاً.
فالأسرة التي تعاني انخفاض الدخل تكون أقل قدرة على تحمل كلفة علاج مرض مزمن. والمريض الذي يحتاج إلى علاج مستمر قد يصبح مرضه سبباً إضافياً في إنهاك دخل الأسرة.
وفي حالة السرطان تحديداً، يمكن أن تتراكم كلفة الفحوص والعلاج والتنقل والإقامة والأدوية بسرعة، بينما يواجه اللاجئون الفلسطينيون في لبنان أصلاً محدودية في الوصول إلى نظام الحماية الاجتماعية والصحية الرسمي.
وتؤكد الأونروا أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يعتمدون بصورة كبيرة على خدمات الوكالة والقطاع الخاص لتلبية احتياجاتهم الصحية.
وهكذا تصبح الأونروا نقطة التقاء بين ثلاث أزمات: الفقر، والمرض، وغياب البديل.
ويقول هويدي إن نسبة الفقر بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تبلغ نحو 80 في المئة، فيما ترتفع، وفق الأرقام التي يستند إليها، بين اللاجئين الفلسطينيين المهجرين من سوريا إلى لبنان إلى نحو 87 في المئة، مع بطالة تتجاوز 45 في المئة في المجتمع الفلسطيني. وهذه المؤشرات، بحسب قراءته، تجعل أي تقليص للخدمات أكثر من مجرد تعديل إداري داخل مؤسسة دولية، لأنه ينتقل مباشرة إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأسر.
التقليصات… حين تتقلص شبكة الأمان
أزمة الأونروا المالية لا تحدث في مجتمع قادر على امتصاص الصدمة.
إنها تحدث في مجتمع مثقل أصلاً بالفقر والبطالة وارتفاع كلفة المعيشة، وفي وقت تزداد فيه الحاجة إلى الرعاية الصحية والمساعدات والحماية.
ويشير هويدي إلى أن الوكالة تواجه عجزاً مالياً، ويحذر من أن استمرار نقص التمويل سينعكس على طبيعة الخدمات المقدمة للاجئين في لبنان. ومع كل تقليص، تنتقل الأزمة من موازنة الوكالة إلى حياة اللاجئ: خدمة صحية أقل، قدرة محدودة على تغطية علاج، مدرسة تواجه موارد أقل، ومساعدة تصبح أقل قدرة على مواكبة احتياجات الأسرة.
لكن الأزمة، بالنسبة إلى هويدي، لا تتعلق بالخدمات وحدها. فهو يرى أن هناك بعداً سياسياً لاستمرار الأونروا، باعتبارها إحدى الأدوات الدولية المرتبطة بقضية اللاجئين الفلسطينيين، ويحذر من أن «استهداف الأونروا هو استهداف لقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة»، وهي قراءة سياسية يتبناها هويدي في تفسير تداعيات تراجع التمويل والخدمات.
وفي هذا السياق، لا ينظر هويدي إلى تراجع الخدمات باعتباره ملفاً مالياً منفصلاً، بل كمسألة تستدعي، بحسب رأيه، مسؤولية الدول المانحة والأمم المتحدة والدول المضيفة، إلى جانب المرجعيات الفلسطينية، في حماية قدرة الوكالة على الاستمرار.
أزمة التمويل وأزمة الثقة
ولا يقتصر القلق داخل المجتمع الفلسطيني على حجم التمويل المتوفر للأونروا، بل يمتد أيضاً إلى طريقة إدارة الأزمة والتواصل مع اللاجئين.
وينتقد هويدي ما يعتبره نقصاً في الشفافية والمكاشفة بين الوكالة والمرجعيات السياسية والأهلية ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني في لبنان، داعياً الأونروا إلى الجلوس مع هذه المرجعيات لتقييم عملها ووضع خطط واضحة لمواجهة المخاطر المحتملة على خدماتها وانعكاساتها على اللاجئين.
فبالنسبة إلى مجتمع يعتمد على خدمات الوكالة في قطاعات أساسية، تصبح معرفة ما الذي سيُقلّص، ومتى، وما البدائل المتاحة، جزءاً من أهمية إدارة الأزمة نفسها.
وهنا تبرز أيضاً مسؤولية الدولة اللبنانية، وفق رؤية هويدي، في متابعة الملف الفلسطيني والتنسيق مع المرجعيات الفلسطينية والأونروا والدول المانحة واللجنة الاستشارية للوكالة، بما يراعي خصوصية وضع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
ماذا يبقى إذا غابت الأونروا؟
المفارقة أن كلما ازدادت هشاشة المجتمع، ازدادت حاجته إلى الأونروا، وكلما ازدادت حاجة اللاجئين إليها، ازدادت صعوبة تمويلها.
إذاً، ماذا بقي للأونروا في حياة الفلسطينيين؟
ربما لم يعد السؤال عن حجم ما تقدمه فقط، بقدر ما أصبح عن حجم الفراغ الذي قد يتركه تراجع خدماتها.
في المخيمات الفلسطينية في لبنان، لا تصل تداعيات الأزمة المالية إلى دفاتر الحسابات فقط، بل إلى تفاصيل الحياة اليومية: مريض يخشى كلفة علاجه، وعائلة تنتظر مساعدة قد لا تكفي احتياجاتها، وطلاب يواجهون ظروفاً تعليمية أكثر صعوبة، وموظفون يعيشون هم أنفسهم تحت ضغط فقدان مصدر رزقهم.
ومع تراجع الخدمات، يجد اللاجئ نفسه أمام خيارات أضيق في بلد أنهكته أزماته الاقتصادية والاجتماعية، فيما لا تبدو البدائل قادرة على سد الفراغ الذي تتركه الأونروا.
وبالنسبة إلى هويدي، فإن استمرار الوكالة يرتبط أيضاً بقدرة اللاجئ الفلسطيني على العيش بكرامة إلى حين العودة، وهو ما يربطه بضرورة تأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وعدم تركهم أمام شبكة حماية تتقلص من دون بديل.
لهذا، فإن تقليص خدمات الوكالة لا يعني فقط تراجع دور مؤسسة أممية، بل يعني بالنسبة إلى مجتمع فلسطيني يعيش منذ عقود على هامش الاستقرار، تراجع أحد أهم خطوط الحماية الاجتماعية والصحية والتعليمية المتاحة له.
وبين خدمة تتقلص وأخرى مهددة، يبقى اللاجئ الفلسطيني أمام واقع أكثر قسوة: الأونروا لم تختفِ، لكن حضورها في حياته يتآكل، ومعه تتآكل مساحة الأمان التي اعتاد أن يجدها فيها.