في خضم الحرب الإسرائيلية على غزة، واتساع تداعياتها في المنطقة، لا تقتصر المواجهة على الميدان والسياسة، بل تمتد إلى المجال الإعلامي والثقافي، حيث تسعى سلطات الاحتلال إلى إعادة تشكيل صورتها أمام الرأي العام العالمي، بالتوازي مع ما يجري على الأرض.
وفي هذا السياق، يأتي الموسم الخامس من المسلسل الإسرائيلي «فوضى» (Fauda)، الذي أطلقته منصة «نتفليكس» في 8 أيلول/ سبتمبر الجاري، ليفتح مجدداً النقاش حول توظيف الدراما في تقديم الرواية الإسرائيلية للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ولا سيما بعد أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
ويرى منتقدو العمل أن المسلسل، الذي قدّم نفسه في مواسمه السابقة ضمن قالب درامي يحاول إظهار دوافع ومواقف الطرفين، ينتقل في موسمه الجديد إلى سردية أكثر مباشرة في تناول أحداث السنوات الأخيرة، واضعاً هجوم 7 أكتوبر في مركز الرواية، ومقدماً الاحتلال بصورة الضحية، في مقابل تصوير الفلسطينيين، ولا سيما في غزة، ضمن إطار يرتبط بالعنف والإرهاب.
“فوضى” يتصدر المشاهدة
رغم الجدل المحيط بالمسلسل، استطاع الموسم الخامس جذب اهتمام واسع من المشاهدين، إذ تصدّر قوائم المشاهدة على منصة «نتفليكس» في 43 دولة، بينها لبنان والأردن وقطر والبحرين والإمارات وسلطنة عُمان والكويت، وفقاً لتقرير نشره موقع «المونيتور».
هذا الانتشار دفع مبادرة «قاطع قاوم» إلى إطلاق حملة تحذّر من متابعة المسلسل، معتبرةً أن العمل يمثل جزءاً من معركة أوسع على الوعي، وأن نجاحه في الوصول إلى جمهور عربي وأجنبي يمنحه قدرة إضافية على التأثير في صورة الصراع ومفرداته.
وبحسب المبادرة، يشهد الموسم الخامس تحولاً في البناء السردي للمسلسل، مقارنة بالمواسم السابقة التي اعتمدت، وفق قراءتها، على تقديم ما يشبه «التوازن الدرامي» بين الطرفين، عبر عرض دوافعهما ومعاناتهما. وترى المبادرة أن هذا الأسلوب ساهم في تقديم الاحتلال ضمن إطار إنساني، وإنتاج صورة توحي بالتساوي بين طرف واقع تحت الاحتلال وطرف يمارس السيطرة عليه.
وتحذّر المبادرة من أن الموسم الجديد يتبنى، من وجهة نظرها، سردية تخدم الرواية السياسية الإسرائيلية، من خلال جعل أحداث 7 أكتوبر نقطة الانطلاق الأساسية لفهم التطورات اللاحقة، بما يؤدي إلى عزل الأحداث عن سياق الصراع التاريخي، بما يشمله من احتلال وتهجير وحصار.
من الصراع الفلسطيني إلى «الحرب على الإرهاب»
وتتركز الانتقادات الموجهة إلى الموسم الجديد كذلك على طريقة تقديم القضية الفلسطينية أمام المشاهد الغربي.
فبحسب مبادرة «قاطع قاوم»، يعتمد العمل على هجوم 7 أكتوبر بوصفه نقطة البداية الدرامية، بما يساهم في تقديم إسرائيل باعتبارها الطرف الذي يتعرض للهجوم، ومن ثم وضع عملياتها العسكرية اللاحقة في إطار الرد والانتقام، بعيداً عن السياق التاريخي والسياسي للصراع.
وترى المبادرة أن هذا البناء الدرامي لا يكتفي بإعادة صياغة صورة إسرائيل، بل يسعى أيضاً إلى ربط التعاطف مع الفلسطينيين، في وعي المشاهد الغربي، بمفاهيم مرتبطة بالإرهاب والتطرف، بما يؤثر في الطريقة التي تُفهم بها القضية الفلسطينية خارج المنطقة.
مرسيليا مسرحاً للأحداث
وتبدأ حبكة الموسم الخامس بوصول معلومات إلى عناصر وحدة «دوفدوفان» الإسرائيلية، وهي وحدة تعمل في عمليات سرية داخل الأراضي الفلسطينية، تفيد بوجود عناصر من حركة «حماس» في مدينة مرسيليا الفرنسية.
وبناءً على هذه المعلومات، يتوجه أفراد الوحدة إلى فرنسا لملاحقة العناصر الفلسطينية، لتنتقل الأحداث من الأراضي الفلسطينية إلى أوروبا، في معالجة درامية توسّع نطاق الصراع وتضعه أمام الجمهور الغربي.
ويعيد هذا المسار طرح سؤال أوسع حول حدود الفصل بين الدراما والترفيه من جهة، والدعاية السياسية من جهة أخرى، خصوصاً عندما تتناول الأعمال الفنية صراعاً لا يزال قائماً، وتُعرض على منصات عالمية تصل إلى ملايين المشاهدين.
وفي ظل اتساع المعركة على الرواية والصورة، تبدو «فوضى» أكثر من مجرد مسلسل إسرائيلي عن الصراع؛ فهي عمل درامي يقدّم رواية محددة للأحداث، الأمر الذي يجعل تحليل بنيته ومضامينه جزءاً من فهم الحرب الإعلامية والثقافية التي ترافق الحرب على الأرض.

المسلسل يعطي شرعية لجرائم الحرب
في الأساس
من المَشروع تمامًا عمل مسلسل أو فيلم سينمائي أو فيلم وثائقي حول أي قصة وأية فظائع تحدث أو حدثت في العالم، ولكن مسلسل “فوضى” لا يستحق أن يوضع تحت أي بند ضمن هذه القائمة. المسلسل لم يتم كتابته من قبل شخصين أوروبيين أو أمريكيين أو أفارقة، كتبوا مسلسلاً حول ما درسوه أو اكتشفوه عن فلسطين. المسلسل مكتوب من قبل “الجناة” أو المجرمين أنفسهم، إنه مسلسل عن جرائم حرب كتبه شخصان متورطان ومشاركان بهذه الجرائم (من خلال عملهما السابق في وحدة المستعربين) وهذا ليس وضعًا طبيعيًا تحت أي سبب أو منطق.
المسلسل بحسب تقرير لصحيفة هآرتس الإسرائيلية نفسها يرمي إلى “تجميل الجوانب الأكثر بشاعة للاحتلال الإسرائيلي.” السماح بعرض هذا المسلسل على شبكة دولية مثل نيتفلكس هو نوع من التطبيع والموافقة بشكل ضمني على عملية التطهير العرقي للفلسطينيين.
تخيل لو أن اثنين من رجال الشرطة الأمريكيين البيض الذين شاركوا في تعذيب وقتل الأمريكيين من أصل أفريقي انتهى بهم الأمر إلى كتابة مسلسل حول “بطولاتهم” المزعومة وتحقيق نجاح دولي، وإشادات من قبل النقاد بسبب الكتابة السينمائية المميزة، إنه أمر مثير للاشمئزاز.