“تنازل لله”… مبادرة اجتماعية انطلقت بسرعة من داخل الضفة الغربية وانتشرت داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وتهدف إلى إعفاء مئات الآلاف من الأسر الفقيرة والمتعثرة مالياً والغارمين من الديون المستحقة عليهم، وشطبها، سواء كانت في شكل قروض وسلف مباشرة أو شيكات وكمبيالات وأوراق دين مستحقة لأفراد، وتشجيع أصحاب الحقوق المالية على التنازل الكلي أو الجزئي عن ديونهم لدى غير القادرين على السداد.
المبادرة أطلقها الإعلامي الفلسطيني علاء الريماوي عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعدما علم بتعثر معلمة فلسطينية بالضفة الغربية المحتلة في سداد شيك بقيمة 2000 شيكل، حيث تواصل مع الدائن، ليفاجأ باستجابته السريعة وتنازله عن الدين المستحق، وبعدها تحمس للفكرة وعمل على تعميمها داخل فلسطين بهدف تخفيف الضغوط المالية والمعيشية عن الأسر المتعثرة.
المبادرة، التي تم إطلاقها يوم 4 سبتمبر/أيلول 2026، لاقت قبولاً سريعاً وحققت نجاحاً غير متوقع في الشارع الفلسطيني، حيث نجحت في شطب مبالغ متعثرة مستحقة على أسر فلسطينية بقيمة 25 مليون دولار، أي نحو 75 مليون شيكل، وانتقلت بسرعة إلى كل الأراضي الفلسطينية سواء داخل قطاع غزة المحاصر، أو الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، ثم لاقت رواجاً داخل بعض مناطق أخرى. ومن أبرز الأمثلة التي استجابت بسرعة للمبادرة تنازل صيدلية في بيت لحم عن ديون بقيمة 6.6 آلاف دولار، وتنازل طبيب عن 20.8 ألف دولار.
المبادرة لاقت أيضا دعماً كبيراً من قبل المقتدرين وأصحاب الأموال داخل الأراضي المحتلة، خاصة وأنها تأتي في وقت حرج لمعظم السكان الفلسطينيين الذين يعانون ظروفاً معيشية قاسية، وأزمات مالية صعبة ومتصاعدة بسبب الحصار الإسرائيلي الخانق على الأراضي المحتلة سواء في الضفة أو غزة والقدس المحتلة، والتضييق على العمالة الفلسطينية، حيث يفرض الاحتلال تضييقاً ممنهجاً وقاسياً على العمالة بهدف خنق الاقتصاد الفلسطيني وتجفيف موارده وتعطيل تدفقاته الدولارية وضرب بنيته الأساسية.
ومنذ السابع من أكتوبر 2023 منعت سلطات الاحتلال أكثر من 200 ألف عامل فلسطيني من الضفة الغربية وقطاع غزة من دخول فلسطين المحتلة والمستوطنات للعمل تحت ذرائع أمنية واهية وضمن إجراءات مشددة مستمرة،
وفي وقت سابق أيضاً ألغى الاحتلال تصاريح العمل لأكثر من 140 ألف عامل من الضفة وغزة، وهو ما تسبب في حرمان العمال من مصادر دخلهم وقوتهم اليومي، وحدوث شلل شبه تام للقطاعات والأنشطة الاقتصادية خاصة الأسواق والعقارات، وزيادة حالات التعثر المالي.
كما تعاني الضفة وغزة من أوضاع وظروف اقتصادية بالغة الصعوبة مع تفشي الغلاء والبطالة والحصار الاقتصادي، والعقوبات المالية من قبل الاحتلال وإغراق إسرائيل المصارف الفلسطينية بالشيكل عديم الجدوى، وسيطرة الاحتلال على المعابر ووضع قيود شديدة على حركة التجارة، ودخول نحو 153 ألف موظف عمومي عامهم الخامس في تلقي نصف الرواتب فقط من السلطة الفلسطينية، وهو ما يغذي حالات التعثر وعدم القدرة على سداد الالتزامات المالية سواء مستحقة للأفراد أو البنوك ومؤسسات التمويل.
وألقى هذا الحصار المعيشي الخانق والمتواصل منذ سنوات بمئات آلاف العائلات الفلسطينية في دائرة التعثر والضيق المالي وندرة السيولة النقدية والفقر والبطالة والبؤس، ومن هنا تأتي أهمية مبادرة “تنازل لله” التي يجب أن تتسع رقعتها بسرعة لتنتقل من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى الدول العربية كافة، خاصة وأن المواطن في معظم دولنا العربية يعاني من الأزمات المعيشية ذاتها التي يعاني منها شقيقه الفلسطيني.
بل إن هناك معاناة ملايين الأسر العربية تفوق معاناة الأسر الفلسطينية خاصة وأن بلدانها تشهد موجات تعثر مالي وغلاء لا يتوقف، وضوائق مالية، وتآكلا في العملات، وتهاويا في القدرة الشرائية، وبطالة متفشية وغياب فرص العمل، وتراجع النشاط الاقتصادي، وإغراق الدولة في الديون الخارجية والمحلية، والعيش منذ سنوات طويلة في حالة من سفه الإنفاق العام الذي لا يتوقف وإهدار موارد الدولة المحدودة.
ويبدو أن المبادرة وجدت صدى وتفاعلاً حتى داخل “إسرائيل” نفسها، لدرجة أن البعض أطلق عليها مبادرة “حملة شواء جماعي لشيكات تساوي ملايين الدولارات”، وربما هذا يبرر اعتقال قوات الاحتلال صاحبها علاء الريماوي في رام الله منتصف سبتمبر 2026 في محاولة لتعطيل تلك الخطوة التي وجدت إشادات شعبية واسعة ودعوات لتعميمها ليس فقط داخل فلسطين والأراضي المحتلة، بل داخل الدول العربية التي تعاني من التعثر المالي.