في مخيم نهر البارد شمال لبنان، لم تعد كلفة المعيشة تُقاس فقط بأسعار المواد الغذائية، بل باتت تتوزع على سلسلة طويلة من المصاريف التي تثقل كاهل العائلات الفلسطينية، من إيجارات المنازل واشتراكات الكهرباء والإنترنت، إلى الطعام والشراب ومصاريف المدارس والأطفال.
ومع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، يجد كثير من أبناء المخيم أنفسهم أمام معادلة صعبة: دخل محدود في مقابل احتياجات تتزايد يومًا بعد يوم، فيما يحاول أصحاب المحال والعمال والعائلات تدبير شؤونهم بما يتوفر لديهم من موارد.
وفي ظل هذه الظروف، تتفاوت تقديرات الأهالي لحجم المبلغ الذي تحتاجه الأسرة يوميًا وشهريًا، بحسب عدد أفرادها والتزاماتها، إلا أن القاسم المشترك بينهم هو أن الدخل لم يعد يواكب متطلبات الحياة الأساسية.
600 دولار شهريًا لا تكفي لتغطية كل الاحتياجات
يقدّر سلام عودة أبو عدنان أنه يحتاج إلى نحو 600 دولار شهريًا لتأمين أساسيات حياته، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من دخله يذهب إلى المصاريف الثابتة.
ويقول: «إذا بدّي أحسبها، أنا بحاجة تقريبًا لـ600 دولار بالشهر. عندك اشتراك كهرباء بـ50 دولار للأمبير، واشتراك المحل بـ35 دولار، وأجرة البيت 100 دولار، غير الإنترنت ومصروف البيت والأكل والشرب. كيف بدنا نعيش؟».
ويشير أبو عدنان إلى أن وجود المحل يساعده في تدبير بعض احتياجاته، موضحًا: «أنا أمور الطبخ وبجيب من محل الخضرا يلي فاتحو، لو ما في المحل والواحد عم يسأل حاله: مع هالغلاء اللي عم نشوفه اليوم، كيف بدي دبّر أموري؟».
ويضيف أن أصحاب المحال يواجهون بدورهم ارتفاعًا في كلفة التشغيل، قائلًا: «نحن كأصحاب محال نشعر بارتفاع الأسعار بشكل كبير. السوق فيه أسعار مقبولة أحيانًا، لكن في أسعار عم تضغط على الناس وتقطع رزقتهم».
ويضع أبو عدنان مسألة ارتفاع الأسعار في إطار أوسع، متسائلًا عن الجهة المسؤولة عن حماية المواطن من الغلاء، ويقول: «لو في مسؤول فعليًا عن الناس، كان لازم حدا يطلع ويحكي ويحاسب، لأن المواطن اليوم عم يدفع الثمن وما حدا عم يسأل عنه».

الأسرة الأكبر.. مصاريف أكبر
من جهته، يرى إسماعيل السيد أن كلفة المعيشة تختلف بحسب حجم الأسرة والتزاماتها، مشيرًا إلى أن عائلة صغيرة من شخصين قد تحتاج يوميًا إلى ما بين 15 و20 دولارًا لتأمين احتياجاتها الأساسية.
ويقول إن المصاريف ترتفع بصورة أكبر لدى العائلات التي لديها أطفال في المدارس، بسبب ما يرافق ذلك من مصاريف يومية وكتب ودفاتر واحتياجات مدرسية، إلى جانب تكاليف الطعام والغاز والاشتراكات ومتطلبات المنزل.
ويضيف: «مع ارتفاع الأسعار بشكل عام صار الوضع أصعب. الغاز والمواد الغذائية وكل متطلبات البيت أسعارها عم ترتفع، بينما مدخول الناس بشكل عام ضعيف».
ولا يقتصر الضغط، بحسب السيد، على العائلات، بل يطال أصحاب المصالح أيضًا، الذين يواجهون بدورهم تكاليف تشغيلية متزايدة.
ويقول: «نحن كأصحاب مصالح، أحيانًا بيكون السوق مقبول، لكن بنفس الوقت عنا مصاريف كثيرة، من اشتراكات ومتطلبات يومية، وهذا الشيء بيزيد الضغط على الناس وعلى أصحاب المحال».
ويرى السيد أن هناك حاجة إلى دور أكبر للجان والمجتمع المدني، إلى جانب برامج تساعد الأهالي وتساهم في ضبط الأسعار، ولا سيما أسعار المواد الغذائية والاشتراكات.
ويؤكد أن تراجع الخدمات والمساعدات يزيد من صعوبة الواقع المعيشي، قائلًا: «الناس بحاجة لمساعدة حقيقية، لأن الشعب الفلسطيني شعب مسكين وما إله معين غير رب العالمين».
كما يشدد على أهمية استمرار المطالبة بالحقوق والخدمات، في ظل ما يعتبره مخاوف من مزيد من التراجع في خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا».

20 إلى 25 دولارًا يوميًا بالكاد تكفي
أما محمد النجار، من مخيم نهر البارد، فيصف الواقع المعيشي بأنه «مأساوي»، مشيرًا إلى اتساع دائرة الفقر وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية.
ويقول: «نصف الشعب أو أكثر مستأجر بيوت، واللي عليه أجار بيت وعنده أولاد واشتراك وألف شغلة وشغلة، كيف بده يقدر يعيش؟ ما في إنتاج، والإنسان مش قادر ينتج ليطعمي بيته».
ويرى النجار أن غياب مصادر دخل كافية يزيد من الأعباء على العائلات، لافتًا إلى أن كثيرًا من الأسر باتت تعتمد على ما تستطيع تأمينه من دخل محدود لتغطية احتياجاتها اليومية.
ويقدّر أن الأسرة المؤلفة من أب وأم وطفلين قد تحتاج إلى نحو 20 إلى 25 دولارًا يوميًا لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الأساسية.
ويقول: «إذا بدنا نحكي عن أي بيت، فيه رجل ومرته وولد وبنت، اليوم مبلغ بحدود 20 إلى 25 دولار باليوم بالكاد بيمشّي أموره الأساسية».
ويضيف: «الواحد عم يكافح ويشد على حاله حتى يطلع مصروف بيته. وحتى المصروف اللي كان يكفي العائلة لفترة، اليوم ما عاد يكفي بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة على تأمين الدخل».

البطالة تزيد العبء على العائلات
بدوره، يقدّر خالد الحاج أن الأسرة تحتاج إلى ما لا يقل عن 20 دولارًا يوميًا عندما يتعلق الأمر بتأمين وجبة وطعام وحاجات أساسية للمنزل، فيما ترتفع الكلفة مع زيادة عدد أفراد الأسرة.
ويقول: «عنا اليوم أقل شيء عشرة دولارات بالنهار؛ دخان وأكل وشرب، بدك عشرة دولار. وإذا الواحد متزوج وعنده أربعة أو خمسة أولاد، أقل شيء، إذا بده يعمل طبخة بالبيت، بده بين 20 و25 دولار».
ويشير الحاج إلى أن المصاريف لا تتوقف عند الطعام، إذ تضاف إليها احتياجات المنزل اليومية من خبز وسواها من المستلزمات.
ويقول: «وإذا بده يلمّ حواضر البيت من هون ومن هون، مع الخبز وباقي الحاجات، كمان بدك حوالي 20 دولار».
ورغم صعوبة الواقع، يحاول الحاج التعبير عن تمسّكه بالصبر والقناعة، قائلًا: «نحن بنقول الحمد لله وما بدنا نسأل أكثر من هيك، لأننا شايفين حالنا أفضل من غيرنا».
ويشير في الوقت نفسه إلى أثر البطالة وقلة فرص العمل على فئة الشباب، قائلًا: «وشبابنا مثل الورد، لكن للأسف قلة العمل والبطالة عم تزيد من صعوبة أوضاعهم».

دخل محدود في مواجهة احتياجات متزايدة
تتفق شهادات أبناء مخيم نهر البارد على أن ارتفاع الأسعار لم يعد مرتبطًا بسلعة واحدة، بل طال مختلف تفاصيل الحياة اليومية، من السكن والكهرباء إلى الغذاء والتعليم والمواصلات والاتصالات.
وفي الوقت الذي تختلف فيه احتياجات الأسر بحسب عدد أفرادها وظروفها، تكشف تقديرات الأهالي أن تأمين الأساسيات وحدها يتطلب مبالغ يومية تشكل عبئًا كبيرًا على الأسر ذات الدخل المحدود، فيما تبقى المصاريف الطارئة أو الصحية أو التعليمية خارج هذه الحسابات.
وبين عائلة تحاول تخفيض مصاريفها، وصاحب محل يكافح لتأمين كلفة تشغيله، وشاب يبحث عن فرصة عمل، يبقى السؤال الأبرز في المخيم: كيف يمكن للأسر الفلسطينية الاستمرار في تأمين احتياجاتها في ظل ارتفاع متواصل في كلفة الحياة، مقابل دخول لا تواكب هذا الارتفاع؟
ففي مخيم نهر البارد، لا تبدو معركة الأهالي مع الغلاء مجرد أرقام تُحسب في نهاية الشهر، بل واقعًا يوميًا يفرض على العائلات إعادة ترتيب أولوياتها، وتقليص احتياجاتها، والبحث عن أي وسيلة تساعدها على الاستمرار.