في ظلّ الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها شعبنا في المخيمات الفلسطينية في لبنان، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى الثقافة بوصفها عنصرًا أساسيًّا في الحياة اليومية للمخيم، وليس ترفًا يمكن تأجيله إلى حين تحسّن الظروف.
فالمخيم الفلسطيني لم يكن يومًا مجرّد مساحة للسكن، بل شكّل على امتداد عقود حاضنةً للذاكرة الوطنية، وخزانًا للوعي والفكر، ومكانًا حافظ فيه الفلسطينيون على روايتهم وهويتهم وارتباطهم بقضيتهم وحقوقهم.
ومن هنا، فإن استنهاض الحركة الثقافية في المخيمات الفلسطينية بات ضرورة، خصوصًا في ظلّ التحديات التي تواجه الأجيال الجديدة، والتي تحتاج إلى مساحات للتعبير والإبداع والنقاش، وإلى إعادة اكتشاف علاقتها بتاريخها وتراثها وقضيتها، بما يمكّنها من رسم معالم مستقبلها وبنائه، وتحويل الثقافة وتوظيفها كأداة معرفية في خدمة مشروع التحرير.
طالما أدّت الثقافة الفلسطينية دورًا محوريًّا في الحفاظ على الهوية الوطنية في ظلّ اللجوء والاقتلاع. فالأغنية والحكاية الشعبية والشعر والمسرح والرسم والكتاب كانت وسائل لنقل الذاكرة من جيل إلى آخر، وللتعبير عن النضال والصمود والكفاح الفلسطيني.
لكن هذا الدور يحتاج اليوم إلى تجديد. فالأجيال الشابة تعيش في عالم مختلف، تتسارع فيه وسائل التواصل الاجتماعي، وتتغيّر فيه طرق تلقّي المعرفة والتعبير عنها. ولذلك، لا يكفي أن نحافظ على الأشكال التقليدية للعمل الثقافي، بل المطلوب تطويرها، وعدم حصرها في النخب، بل تعميمها لتصبح ثقافة شعبية تنعكس على السلوك اليومي.
تحتاج المخيمات الفلسطينية إلى فضاءات ثقافية حقيقية يستطيع فيها الشباب والأطفال ممارسة هواياتهم وتطوير مواهبهم. فالمكتبات العامة، والمراكز الثقافية، ودور السينما للشباب، والمسارح الصغيرة، ومعارض الفنون، وورش الكتابة والرسم والتصوير، ونوادي القراءة والنقاش، كلها يمكن أن تشكّل نواةً لحركة ثقافية فاعلة داخل المخيم.
كما أن دعم المبادرات الفردية والشبابية يمكن أن يفتح الباب أمام طاقات موجودة أصلًا، لكنها تحتاج إلى من يحتضنها ويوفّر لها الإمكانات والمساحة اللازمة.
فالعديد من أبناء المخيمات يمتلكون مواهب في الشعر والأدب والفنون والإعلام والموسيقى والمسرح، لكن غياب الرؤية السليمة، وتحوّل المشاريع الإغاثية إلى الشغل الشاغل للمؤسسات، يحولان في كثير من الأحيان دون تطوّر هذه المواهب ووصولها إلى الشباب.
وهنا تبرز أسئلة أساسية لا بد من طرحها: ما نسبة القراءة في المخيمات الفلسطينية؟ وكم مكتبة توجد في كل مخيم؟ وما طبيعة الكتب المتوافرة فيها؟ ولماذا يستمر الإهمال لهذا الجانب الحيوي؟ وهل يمكن بناء وعي وطني وثقافي متين من دون الاستثمار في الكتاب والقراءة والمعرفة؟
لا يمكن بناء حركة ثقافية فلسطينية متجدّدة من دون إشراك الشباب في التخطيط والتنفيذ والإبداع. والمطلوب الانتقال من التعامل مع الشباب باعتبارهم جمهورًا للأنشطة، إلى اعتبارهم شركاء وصنّاعًا وروّادًا وبناةً للمشهد الثقافي في المخيم.
إن المطلوب اليوم ليس مجرّد نشاطات ثقافية متفرقة، بقدر ما هو تنظير وتأطير لمشروع التحرير والعودة ثقافيًّا وفكريًّا. وهنا نستذكر تجارب وإبداعات تركت أثرًا عميقًا في الوعي الفلسطيني، من فن ناجي العلي، إلى روايات غسان كنفاني، وشعر محمود درويش، وملصقات الثورة وطوابع البريد، وإبداعات علي فودة، والعديد من التجارب الثقافية والفنية التي أسهمت في صياغة الوعي الفلسطيني وحفظ الذاكرة وتعزيز حضور القضية.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن الثقافة لم تكن يومًا هامشًا منفصلًا عن القضية، بل كانت في كثير من مراحلها جزءًا من معركة الوعي، وأداةً للتعبير عن الهوية، وحفظ الذاكرة، ومواجهة محاولات الطمس والنسيان.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم هو تطوير الثقافة الوطنية في المخيم، بوصفها سلاحًا معرفيًّا يطوّر الوعي بالهوية الوطنية، ويفسّر معنى وجودنا في المخيمات، ويعيد طرح الأسئلة المتعلقة بالهوية واللجوء والعودة والحقوق والمستقبل.
فالمخيم الذي يريد أن يحافظ على ذاكرته وهويته، عليه أن يفتح أبوابه للكتاب والفن والمعرفة والإبداع، وأن يحوّل هذه العناصر إلى جزء من حياته اليومية، ليكون محطةً للعودة، لا مجرد مكان للانتظار.
والدعوة اليوم إلى كل من يعنيه مستقبل المخيمات الفلسطينية: لنحوّل الثقافة من شعار إلى فعل، ومن مناسبة إلى مشروع، ومن ذاكرة محفوظة إلى ثقافة شعبية تسود بين الشباب، وتكون رافعةً لمشروع التحرير والعودة.
فأي مشروع سياسي تحرري فلسطيني يجب أن يلازمه، بالضرورة، مشروع ثقافي تحرري؛ لأن تحرير الأرض لا ينفصل عن تحرير الوعي، واستعادة الحقوق لا تنفصل عن استعادة الرواية والمعرفة والقدرة على تفسير الذات والعالم من حولنا.
وهنا يبرز السؤال الأهم: أي ثقافة نريد اليوم؟ وما المشروع الذي نريد لهذه الثقافة أن ترتبط به؟
فالتنظير، مثلًا، ضد العنصرية والقوانين الظالمة بحق الفلسطينيين لا يمكن أن يُختزل في إجابة تقول: «لأننا فلسطينيون» فقط. فالأمر أعمق وأبعد من الهويات الضيقة، ويحتاج إلى ثقافة قادرة على تفسير الظواهر، وفهم أسبابها، وتفكيك الخطابات التي تبرّر التمييز، وبناء وعي نقدي قادر على الدفاع عن الحقوق والكرامة الإنسانية.
ومن هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كيف نعيد النشاط الثقافي إلى المخيم؟ بل أيضًا: أي ثقافة نريد أن نبني؟ وما القيم والمعارف التي نريد أن تحملها؟ وكيف يمكن أن ترتبط هذه الثقافة بمشروع فلسطيني تحرري يحافظ على الهوية، ويعزّز الوعي، ويواجه محاولات التهميش والطمس، ويفتح أمام الأجيال الجديدة مساحة لفهم تاريخها وحقوقها ومستقبلها؟
إن النهضة الثقافية المطلوبة في المخيمات ليست ترفًا، ولا مجموعةً من الفعاليات الموسمية، بل هي حاجة تتصل مباشرةً بالوعي والهوية والمستقبل. ومن هنا، فإن تحويل الثقافة إلى مشروع مُستدام، وإشراك الشباب في صناعته، والاستثمار في الكتاب والفن والمعرفة، ليست خطوات جانبية، بل جزء أساسي من بناء مجتمع فلسطيني قادر على حفظ ذاكرته، وتطوير وعيه، وصناعة مستقبله.