في مخيمي البداوي ونهر البارد شمالي لبنان، لم يعد الزواج بالنسبة إلى كثير من الشباب خطوةً مرتبطة بالرغبة في تأسيس أسرة فحسب، بل باتت ترتبط بقدرة الشاب على تأمين تكاليف الزواج وفتح بيت وتحمل أعباء المعيشة، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل وتفاقم الضائقة الاقتصادية.
ويجد شباب أنفسهم أمام قائمة طويلة من الالتزامات تبدأ بالمهر وتجهيز المنزل، ولا تنتهي عند الإيجار والكهرباء والاشتراكات وتكاليف المعيشة اليومية، ما يدفع بعضهم إلى تأجيل الزواج إلى حين تحسن ظروفهم المادية، فيما يرى آخرون أن ارتفاع المهور ومتطلبات حفلات الزواج يزيد من صعوبة الإقدام على هذه الخطوة.

البطالة والضائقة المادية في صدارة الأسباب
يضع أبو عبيدة، من سكان مخيم البداوي، الضائقة المادية في مقدمة الأسباب التي تؤخر الزواج، مشيراً إلى أن غياب فرص العمل وعدم القدرة على تأمين دخل ثابت يجعل الشاب عاجزاً عن تحمل مسؤوليات تأسيس أسرة.
ويستشهد أبو عبيدة بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم”، معتبراً أن الظروف الاقتصادية الصعبة تحول دون قدرة كثير من الشباب على الزواج.
ويضيف أن ارتفاع المهور يشكل عاملاً آخر يزيد من صعوبة الزواج، داعياً إلى عدم المبالغة فيها، ويقول إن ذلك لا يضر بالشباب فقط، بل ينعكس أيضاً على الفتيات اللواتي قد يتأخر زواجهن بسبب ارتفاع التكاليف.
من جهته، يرى كتيبة الشعار، وهو لبناني مقيم في البداوي، أن أسباب تأخر الزواج تختلف من شخص إلى آخر، إلا أن البطالة وقلة فرص العمل تشكلان عاملاً أساسياً، خصوصاً مع تزايد المسؤوليات التي يفكر فيها الشاب قبل الإقدام على الزواج.

المهر ومتطلبات الزواج تزيد الأعباء
ولا تقتصر كلفة الزواج على المهر، إذ يضاف إليها تجهيز المنزل والأثاث والذهب والحفل وغيرها من المتطلبات التي باتت تشكل عبئاً إضافياً على الشباب.
ويشير كتيبة الشعار إلى أن فتح منزل في الوقت الحالي يحتاج إلى مبالغ كبيرة، موضحاً أن تجهيز الأساسيات قد يكلف نحو خمسة آلاف دولار، فيما يحتاج الشاب بعد الزواج إلى دخل يومي يساعده على تغطية المصاريف الشهرية، التي تختلف بحسب المنطقة والظروف.
ويرى أبو عبيدة أن رفع المهور والمبالغة في متطلبات الزواج لا تخدم الأسرة، بل تزيد من صعوبة الزواج، مشدداً على أهمية التيسير في المهور، مستشهداً بما ورد في الحديث عن تيسير الزواج والمهور.

“من أين يأتي الشاب بهذه المبالغ؟”
وفي مخيم نهر البارد، يصف عبيدة لوباني الواقع الاقتصادي للشباب بالصعب، في ظل قلة فرص العمل وارتفاع المهور.
ويقول إن الشاب الذي يريد الزواج يحتاج إلى ما لا يقل عن 15 ألف دولار، متسائلاً عن قدرة الشباب على تأمين هذا المبلغ في ظل ندرة فرص العمل، مشيراً إلى أن كثيرين يعملون في أعمال محدودة بالكاد تكفي لتأمين احتياجاتهم اليومية.
وعن كلفة فتح منزل، يقدّر لوباني أن الشاب قد يحتاج إلى نحو 20 أو 25 ألف دولار لتأسيس حياته الزوجية، لافتاً إلى أن الأعباء لا تتوقف عند تجهيز المنزل، إذ تضاف إليها الإيجارات والاشتراكات والكهرباء وسائر المصاريف الشهرية.
إيجار البيت والفواتير.. أعباء بعد الزواج
أما عمر أبو ملحم، من سكان مخيم نهر البارد، فيختصر أسباب تأخر الشباب بالزواج في قلة فرص العمل وارتفاع المهور وغياب القدرة على تأمين منزل.
ويشير إلى أن الشاب المقبل على الزواج يجد نفسه أمام سلسلة من المصاريف، من إيجار المنزل والاشتراكات والكهرباء والإنترنت، وصولاً إلى تكاليف التنقل، في وقت لا تتوفر فيه فرص عمل كافية أو دخل ثابت.
ويقول إن واقع البطالة يدفع الكثير من الشباب إلى قضاء أوقاتهم في المقاهي والشارع، في ظل غياب فرص العمل التي تتيح لهم الاستقلال وتأسيس أسر.
متطلبات الزواج تتجاوز قدرة كثير من الشباب
بدوره، يرى أبو جعفر أبو ناصر، من سكان مخيم نهر البارد، أن ارتفاع تكاليف المعيشة وغياب فرص العمل وارتفاع المهور من أبرز أسباب تأخر الشباب عن الزواج.
وينتقد ما يعتبره مبالغة من بعض الأهالي في قيمة المهور، معتبراً أن تحويل الزواج إلى عبء مالي كبير يجعل الشاب غير قادر على الإقدام عليه.
ويقول رامي النابلسي إن المهر وإيجار المنزل وتكاليف المعيشة تجعل الزواج أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى كثير من الشباب، موضحاً أن الشاب قد يعمل لساعات طويلة، لكن دخله لا يكفي لتغطية جميع المتطلبات.
ويضيف أن تكاليف الأثاث والذهب والحفلات تزيد الأعباء، مشيراً إلى أن بعض الأسر لا توافق على زواج أبنائها قبل تأمين المال اللازم لهذه المتطلبات.
الزواج بين الرغبة والقدرة على تحمّل المسؤولية
وبين الرغبة في تأسيس أسرة والقدرة على تحمل أعبائها، يقف كثير من الشباب في مخيمي البداوي ونهر البارد أمام واقع اقتصادي يجعل الزواج مشروعاً مؤجلاً.
فالمشكلة، بحسب شهادات من أبناء المخيمين، لا ترتبط بعامل واحد، بل تتداخل فيها البطالة وغياب الدخل الثابت وارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة، إلى جانب المهور ومتطلبات حفلات الزواج وتجهيز المنازل.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الدعوات إلى تخفيف أعباء الزواج وتيسير المهور وتقليل متطلباته جزءاً من النقاش المجتمعي حول تمكين الشباب من تأسيس أسرهم، بعيداً عن أعباء تفوق قدرتهم الاقتصادية.