| |

الانتخابات الفلسطينية… قصة تأجيل معلن

الكاتبماجد عزام - المدن

كتبنا مراراً، منذ اللحظات الأولى للإعلان عن مرسوم إجراء انتخابات المجلس التشريعي في تشرين الثاني/نوفمبر القادم، أن قيادة السلطة الفلسطينية غير جادة في إجرائها، لا التشريعية ولا الرئاسية، بالطبع، التي كان يجب أن تسبقها أو تتزامن معها على الأقل، ضمن حزمة كاملة، كون النظام السياسي رئاسياً “مجازاً”. بينما جاءت استعراضات أو انتخابات المجلس الوطني في الخارج لتؤكد حقيقة نوايا القيادة وعدم جديتها في الذهاب إلى الحسم الديمقراطي في الوطن والشتات.

وجاء مرسوم الانتخابات التشريعية، على علّاته، أساساً تماشياً مع ضغوط وشروط خارجية، ورسائل والتزامات من الرئيس محمود عباس لنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، ضمن مسار إعلان نيويورك وحل الدولتين. غير أن المفاجأة، أقله لغير المتابعين، ليست في إعلان أبو مازن تأجيل الانتخابات وإصدار مرسوم رئاسي جديد بقوة القانون لإجراء الحزمة الانتخابية الرئاسية والتشريعية في أيلول/سبتمبر القادم، دون إشارة إلى المجلس الوطني وضمانات التنفيذ، وإنما في دعم غالبية الفصائل المعارضة، وتحديداً حركتي حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، للتأجيل بحجة إعطاء فرصة لترتيب البيت الفلسطيني خلال العام القادم.

والحقيقة أن الفصائل، بما فيها حماس، لم تتحمس للانتخابات، ولم تعتبرها، لحيثيات فئوية داخلية، مدخلاً مناسباً وضرورياً لترتيب البيت الفلسطيني وفق خارطة طريق وطنية جامعة. بينما تبدت المفارقة في موقف تيار القيادي الفتحاوي المفصول محمد دحلان، الرافض وحده تقريباً للتأجيل، مع رفض خجول من الجبهة الديمقراطية، كونه يرى نفسه مستفيداً ومنتصراً في الحرب بغزة التي لم يخضها أساساً، مع انهيار الطبقة الفصائلية برمتها، واعتباره الجاني الوحيد منها، في مفارقة أو مهزلة سوريالية لا يمكن تصورها. مع الانتباه إلى أن لا شيء يدل على جدية إجراء الانتخابات العام القادم، إثر العجز عن التوافق في الحوار الأخير بالقاهرة، باستثناء بند تأجيل الانتخابات.

إذن، أعلن الرئيس محمود عباس تأجيل الانتخابات التشريعية المقررة أواخر الشهر القادم، مع مرسوم رئاسي له قوة القانون بإجراء الحزمة التشريعية والرئاسية معاً في أيلول/سبتمبر العام القادم، دون التطرق إلى انتخابات “استعراضات” المجلس الوطني المتوقفة مؤقتاً، واعتبارها ضمنياً برسم الحوار الوطني المفترض أن ينطلق، أو للدقة، يتواصل ثنائياً وجماعياً في القاهرة هذا الأسبوع.

انتخابات تحت الضغط

يتطابق إعلان التأجيل مع ما كتبناه هنا خلال الأسابيع الماضية. وبالحقيقة، كنا سبّاقين في الإشارة إلى عدم جدية السلطة في إجراء الانتخابات، وأنها تمتلك أساساً خطة “ب” التي تحتل عملياً موقع الأولوية على أجندتها، بينما الخطة “أ” المعلنة بمثابة طريق التفافي أو تمهيد نحو تمرير الخطة “ب” المستهدفة بالفعل.

يجب التذكير بأن الخطة “أ” شكلاً تضمنت إجراء الانتخابات بناءً على ضغوط خارجية والتزامات قدمتها السلطة، بما في ذلك رسالة من عباس إلى ماكرون، باعتبارها، أي الانتخابات، جزءاً من سيرورة إصلاحية لملاقاة إعلان حل نيويورك ومسار حل الدولتين، الذي ربطه الرعاة بتجديد السلطة الفلسطينية.

على صلة، بدا لافتاً ومريباً، ويفضح حقيقة النوايا منذ البداية، أن الإعلان عن مرسوم إجراء الانتخابات التشريعية جاء بلا الرئاسية، مع حديث عام عن مطلع العام القادم ودون إعطاء موعد محدد. وكان يفترض أن يتضمنها المرسوم نفسه، حتى لو بتاريخ مختلف، مع الانتباه كذلك إلى صدور المرسوم التشريعي في غياب حوار وطني ضروري لرص الصفوف، ولو من باب الالتزام بإنجاح العملية الديمقراطية ونتائجها، رغماً عن الاحتلال وسياساته وعراقيله.

وفي السياق، اشترطت السلطة منذ اليوم الأول إجراء الانتخابات في أراضي “ولاية الدولة الفلسطينية”، أي الضفة والقدس وغزة، وبتوقيت واحد، دون عمل جدي لذلك أو تنسيق وطني عام، مع يقينها برفض الاحتلال إجراءها.

وحسب مصادر مطلعة، فقد أكدت اللجنة العليا للانتخابات أن بالإمكان إجراؤها في المنطقتين، القدس وغزة، رغماً عن الاحتلال، حيث لا حاجة ماسة إلى إدخال مستلزمات انتخابية إلى غزة، وبالإمكان تصنيعها محلياً، مع امتلاكها خطة بديلة للاقتراع في القدس، بالبريد والضواحي، واعتبار يوم الانتخابات يوماً وطنياً بامتياز يكرّس هوية المدينة المقدسة المحتلة.

تأجيل وهروب

هذا ينقلنا إلى الخطة “ب”، مع عدم امتلاك السلطة الإرادة لإجراء الانتخابات منذ البداية، وعدم القيام بالخطوات والاستعدادات اللازمة. ثم تبدت النوايا أكثر إثر اليقين من الخسارة في ظل تصدع حركة فتح وتشتت أصواتها وقاعدتها الشعبية بين ثلاث وحتى أربع قوائم: رسمية، وثانية للأسير مروان البرغوثي، وثالثة لتيار دحلان، ورابعة لمنشقين مستقلين. ومن هنا جاء قرار التأجيل، أي الإلغاء والهروب.

تضمنت الخطة “ب” حواراً وطنياً حول إعادة تشكيل المجلس الوطني ومنظمة التحرير، وبلورة استراتيجية موحدة لإدارة الصراع مع إسرائيل وفق خيار المقاومة الشعبية وحل الدولتين، مع تولي المنظمة ملف المفاوضات، وتشكيل حكومة تكنوقراط لإدارة حياة المواطنين في الضفة وغزة على قاعدة سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد.

التأم الحوار فعلاً بين فتح والفصائل الثلاث، حماس والشعبية والجهاد، في القاهرة خلال الأسبوع الماضي. وحسب مصادر مطلعة، لم يثمر سوى عن توافق على بند تأجيل الانتخابات، مع خلافات جدية حول بقية الملفات، وتأكيد مواصلة الحوار برعاية مصرية هذا الأسبوع.

وبناءً على ما سبق، لم يكن مفاجئاً إعلان تأجيل الانتخابات دون ضمانات أو علامات جدية لإجرائها العام القادم، بينما بدا مفاجئاً للبعض موافقة فصائل المعارضة الرئيسية على التأجيل، كلٌّ لأسبابه الفئوية الخاصة.

حسابات الفصائل ومخاوفها

تخشى حماس انهيار شعبيتها وذوبانها في المشهد السياسي كفصيل عادي دون السلاح والسلطة. أما الجهاد، الملحقة بحماس في السنوات الأخيرة، فوجدت فرصة للراحة من البحث عن تبرير المشاركة في مؤسسات سلطة أوسلو بعد عقود من الرفض. بينما خشيت الشعبية انكشاف انهيار اليسار وعجزه عن التوحد، وتراجع شعبيته، وصراع أربع قوائم منه على خمسة أو سبعة أو حتى عشرة في المائة من الأصوات، بأحسن الأحوال.

بدا مفاجئاً للبعض كذلك موقف تيار دحلان الرافض وحده للتأجيل، مع استخدام لغة قاسية وحادة تجاه السلطة المستبدة والفاسدة، علماً أن دحلان كان ركناً أساسياً فيها لعقدين. وفي سوريالية مبكية، يتصرف التيار كمنتصر في الحرب التي لم يخضها، مع النأي بالنفس عن الطبقة الفصائلية المنهارة والفاشلة، والرغبة في التحالف معها في الوقت نفسه، في انفصام صارخ وفاضح كذلك.

الاحتكام إلى الشعب

في كل الأحوال، تبدت الطبقة الفصائلية الفلسطينية على حقيقتها: فاشلة وغير ديمقراطية، تتحاشى الاحتكام إلى الشعب وإرادته، رغم ادعاءات تمثيله.

أما المأساة الكبرى فتبدت في نشر الاحتلال صناديق اقتراع لجنوده في الضفة وغزة ولبنان، في الانتخابات العامة المقررة نهاية الشهر الجاري. لكنها، على قسوتها، لا تغيّر من حتمية زواله وانتصار الشعب الفلسطيني، وفق كل الحتميات التاريخية، حتى مع بؤس وفشل قياداته وفصائله.

موضوعات ذات صلة