| |

حسان السيد لـ”صدى الشتات”: الأونروا تضغط على التعليم حتى الانهيار.. والصفوف المكتظة تنسف أي حديث عن الجودة

خاص – صدى الشتات

بين صفوف يتجاوز عدد طلاب بعضها 47 طالباً، ودمج مدارس وشعب، وتقليص في أعداد الموظفين، وخفض للرواتب، والتوسع في عقود المعلمين اليوميين، تتصاعد المخاوف بشأن مستقبل التعليم في مدارس وكالة «الأونروا» في لبنان.

ومع انطلاق العام الدراسي الجديد، يصف المربي والأستاذ السابق في مدارس الأونروا حسان السيد المشهد التعليمي بأنه نتيجة «إدارة بلا تخطيط مسبق»، محذراً من أن سياسات تقليص النفقات لم تعد تطال الموظفين فقط، بل وصلت إلى صميم العملية التعليمية ومستقبل الطلاب.

وفي مقابلة خاصة مع «صدى الشتات»، وضع السيد تجربته الممتدة لـ22 عاماً في الأونروا أمام ما يجري اليوم، منتقداً بشدة سياسات الإدارة، ومعتبراً أن ما يحدث يهدد بتحويل التعليم من رسالة تربوية إلى مجرد خدمة بالحد الأدنى.

اكتظاظ يصل إلى 47 طالباً في الصف

يقول السيد إن بداية العام الدراسي جاءت مرتبكة ومن دون التحضيرات المطلوبة، مشيراً إلى أن الاكتظاظ أصبح أحد أبرز أزمات التعليم.

ويضيف أن بعض الصفوف تضم أكثر من 47 طالباً، فيما تصل أعداد الطلاب في صفوف أخرى إلى 43 و44 و45 طالباً.

ويتساءل: كيف يمكن للطالب أن يكتسب المهارات والكفايات المطلوبة في صف بهذا الحجم؟ وكيف يستطيع المعلم إجراء تقييم حقيقي ومتابعة الفروق الفردية بين الطلاب؟

ويرى أن الأزمة تصبح أكثر خطورة في صفوف الشهادات، حيث يتزامن الضغط على المعلمين والطلاب مع تقليص الموارد والوقت المتاح لإنجاز المنهاج.

«خفض الرواتب تحول إلى خفض في الخدمة»

ويربط السيد بين تقليص الرواتب وبين تراجع مستوى الخدمات التعليمية، قائلاً إن المعلم أصبح مطالباً بإنجاز المنهاج نفسه في ظروف أصعب وبإمكانات أقل.

ويعتبر أن الحديث عن «جودة التعليم» يصبح بلا معنى عندما تكون الصفوف مكتظة إلى هذا الحد، ويكون المعلم تحت ضغط وظيفي ومالي مستمر.

ويشير إلى أن منطقة صيدا شهدت، وفق معلوماته، إغلاق أكثر من 16 شعبة، معتبراً أن ذلك يعني خسارة نحو 22 إلى 23 معلماً.

ويضيف أن خفض الرواتب يدفع بعض الموظفين إلى التفكير في الحصول على التعويضات ومغادرة المؤسسة، محذراً من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى فقدان الأونروا تدريجياً لكوادرها.

«من سيقدم الخدمة إذا تم تسريح الموظفين؟»

وينتقد السيد التوجه نحو مزيد من تقليص أعداد الموظفين، مستنداً إلى تصريحات صادرة عن إدارة الأونروا بشأن صعوبة الوضع المالي والحاجة إلى تقليل النفقات.

ويطرح سؤالاً مباشراً: إذا استمرت عملية تقليص الموظفين، فمن سيقدم الخدمات للاجئين؟

ويعتبر أن المشكلة لا تكمن في إجراء تقليص واحد، وإنما في مسار متكامل يؤدي، بحسب تقديره، إلى إضعاف المؤسسة من الداخل، وصولاً إلى مرحلة يصبح فيها استمرار الخدمات نفسها موضع شك.

دروس التقوية و«كاتش أب».. هل تعالج أصل المشكلة؟

وينتقد السيد برامج دروس التقوية وبرنامج «كاتش أب»، معتبراً أنها لا تعالج الأسباب الأساسية لضعف التحصيل الدراسي.

ويقول إن معالجة المشكلة تبدأ من تقليل أعداد الطلاب داخل الصفوف، وتوفير المعلمين، وترميم المدارس، وإنهاء الدوام المزدوج، وتأمين الكتب والمستلزمات التعليمية.

ويضيف أن اللجوء إلى برنامج تقوية يمتد لأسابيع محدودة لا يمكن أن يعوض عاماً دراسياً كاملاً من الفجوات التعليمية.

ويصف ما يحدث بأنه «صرف أموال على معالجة النتائج بدلاً من معالجة الأسباب»، متسائلاً عن المعايير التي يتم على أساسها قياس نجاح هذه البرامج.

المعلم اليومي.. تعليم بلا استقرار

ويحذر السيد من التوسع في نظام معلمي اليوم الواحد، معتبراً أن هذا النموذج يفتقر إلى الأمان الوظيفي والاستقرار المهني.

ويشير إلى أن المعلم الذي يعمل بعقد قصير سيكون أكثر عرضة للضغط وأقل قدرة على التخطيط طويل الأمد للعملية التعليمية.

كما ينتقد فكرة الاستعانة بمعلمين يتغيرون بصورة متكررة، متسائلاً عن انعكاس ذلك على الطلاب، ولا سيما في الصفوف الأولى.

ويقول إن الطالب يحتاج إلى معلم مستقر يعرف مستواه وقدراته ويستطيع متابعة تطوره، وليس إلى معلم يتغير كل فترة قصيرة.

عقود قصيرة وتحويل الوظيفة إلى «مشروع»

ويعتبر السيد أن الاتجاه نحو العقود القصيرة لا يقتصر على معالجة ظرف مؤقت، بل يعكس تحولاً في فلسفة التوظيف داخل الأونروا.

ويقول إن الوظيفة التعليمية باتت تُدار أحياناً كأنها «مشروع» مؤقت، بدلاً من أن تكون وظيفة تربوية مستقرة تحتاج إلى الاستثمار في المعلم وتأهيله والحفاظ عليه.

كما أثار تساؤلات حول بعض برامج التدريب والاختبارات والشراكات التعليمية، مطالباً بمزيد من الشفافية في الإعلان عن الكلفة والمعايير وآليات اختيار المستفيدين.

دمج المدارس.. «الأرقام ليست كل شيء»

وفي ملف دمج المدارس وإغلاق الشعب، يقول السيد إن القرارات يجب ألا تستند إلى الأرقام وحدها.

ويشير إلى أن وجود عدد معين من الطلاب في منطقة ما لا يعني تلقائياً إمكانية إغلاق المدرسة أو دمجها، لأن موقع المدرسة ووسائل النقل والكثافة السكانية وخصوصية المجتمع الفلسطيني يجب أن تدخل جميعها في الحساب.

ويتحدث عن مدارس في صيدا والميناء وغيرها، معتبراً أن قرارات الدمج والإغلاق يجب أن تكون معلنة وشفافة ومبنية على دراسات واضحة.

ويؤكد أن الأهالي في بعض المناطق اضطروا إلى التحرك لمنع إغلاق مدارس أو دمجها، معتبراً أن المجتمع المحلي يجب أن يكون شريكاً في أي قرار يمس تعليم أبنائه.

«المعلم يعيش حالة من الخوف»

ولا يقتصر قلق السيد على الطلاب، بل يشمل المعلمين أيضاً.

ويقول إن الموظف أصبح أكثر خوفاً على مصدر رزقه، ما يجعله أقل قدرة على الاعتراض أو المطالبة بحقوقه.

ويحذر من أن هذه البيئة تؤدي إلى تحويل المعلم من صاحب رسالة إلى موظف يبحث أولاً عن الحفاظ على راتبه.

ويضيف أن الخوف الوظيفي لا يمكن أن ينتج مدرسة سليمة، لأن المعلم الذي يشعر بأنه مهدد باستمرار لن يكون قادراً على أداء دوره التربوي بالشكل المطلوب.

«التعليم ليس وظيفة فقط.. بل رسالة»

ويشدد السيد على أن التعليم بالنسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين ليس خدمة عابرة.

ويستعيد تجربة الأجيال الفلسطينية السابقة التي تحملت ظروفاً قاسية من أجل تعليم أبنائها، معتبراً أن المدرسة كانت دائماً إحدى أهم أدوات بناء المجتمع الفلسطيني والحفاظ على هويته.

ويقول إن تحويل المدارس إلى مجرد مبانٍ تقدم الحد الأدنى من الخدمة يمثل خسارة تتجاوز القطاع التعليمي نفسه، لأنها تطال شخصية الطالب ومستقبل المجتمع.

22 عاماً في الأونروا.. وتجربة القدس

ورغم انتقاداته الحادة، يؤكد السيد أن المشكلة ليست في غياب الكفاءات داخل الأونروا.

ويقول إنه أمضى 22 عاماً في المؤسسة، بينها 10 أعوام في التعليم، و6 أعوام في الإشراف، و6 أعوام في الإدارة، مؤكداً أن الأونروا تمتلك طاقات بشرية قادرة على بناء نموذج تعليمي متقدم.

ويستشهد بتجربته في مدرسة القدس، قائلاً إن العمل التربوي الجاد قادر على إحداث فرق حتى في أصعب الظروف.

ويختم حديثه بالتأكيد على أن الأمل في التعليم لم ينتهِ، لكن المطلوب، بحسب رأيه، هو وقف التعامل مع المدرسة كرقم في موازنة، ومع المعلم ككلفة، ومع الطالب كرقم في إحصائية.

فحين تصبح الأولوية لتقليص النفقات على حساب الصف والمعلم والطالب، فإن الخطر لا يعود على مدرسة واحدة أو عام دراسي واحد، بل على مستقبل التعليم الفلسطيني كله.

موضوعات ذات صلة