يُختبر رجل الدولة عندما يصبح احترام القانون مكلفاً سياساً عليه أو عندما يؤدي إلى نتائج لا يرغب فيها. ففي هذه اللحظة، يظهر مدى استعداد رجل الدولة للالتزام بحدود صلاحياته، وقبول أن تكون سلطته مُقيّدة بالقانون، الذي لا يملك تعطيلها لمجرد اعتقاده أن لديه حلاً أفضل يحفظ مصلحة الدولة العليا.
أمس، أُنجزت «بالقوة» تسوية لقضية السفير الفلسطيني السابق في بيروت أشرف دبور، تقضي بوقف ملاحقته قضائياً في لبنان، مقابل مغادرته إلى بلد ثالث، وعدم تسليمه إلى سلطة رام الله. هكذا، وعبر إبعاد لاجئ فلسطيني خلافاً لأي قانون، ومن دون أي قرار قضائي، تجنبت السلطة اضطرارها للبتّ بطلب تسليمه إلى السلطة الفلسطينية، قبولاً أو رفضاً وفقاً للقانون اللبناني.
وهي خطوة تستوجب التوقف عندها بوصفها جرس إنذار بشأن نهج السلطة. فإذا كان الإبعاد يُفرض باعتباره مخرجاً سياسياً، فإن السؤال يصبح: هل تتصرف السلطة ضمن القانون، أم تستحدث لنفسها طريقاً للالتفاف عليه حين ترى أن تطبيقه يحرجها؟
المسألة تتجاوز الموقف من أشرف دبور، ومن الجهة التي تطلب تسليمه، إلى الأساس الذي تبني عليه الدولة قراراتها: أهو القانون بما يفرضه من اختصاصات وإجراءات وضمانات، أم قراءة رئيس الحكومة الشخصية لمصلحة الدولة العليا، فيضع الحصان قبل العربة، ويحدد النتيجة، ثم يفتش عن تبرير قانوني لها.
إن التسوية باسم مصلحة الدولة العليا التي تستبدل تطبيق القانون بترتيب واقعي، تعود إلى عصور مظلمة يرغب رئيس الحكومة في البقاء فيها. فمن أعطاه حق تحديد مصلحة الدولة العليا؟ ومن يراقب الوسائل المستخدمة لتحقيقها؟ وكيف نُميِّز بين مصلحة الدولة، ومصلحة رئيس الحكومة، عندما يحتكر تعريف المصلحة وتحديد مقتضياتها، ومن ثم يمنح نفسه صلاحية تجاوز القانون لتحقيقها، فيصبح هو صاحب القرار وصاحب الاستثناء من دون حسيب أو رقيب؟
وكانت ضغوط قد مورست على دبور لمنع إخلاء سبيله بعد أكثر من شهرين على توقيفه احتياطياً خلافاً للقانون، ومن ثم تمّ الضغط عليه عبر وضعه الصحي، ليصل به الأمر إلى حدِّ الامتناع عن تناول الأدوية والإضراب عن الطعام، كما أفاد تقرير طبي رسمي، ويتم في وقت لاحق انتزاع موافقته على التسوية التي تقضي بمغادرته لبنان مقابل وقف ملاحقته. وتمّ رفض طلب سفره إلى الأردن حيث يعيش بعض أفراد أسرته، قبل الاتفاق على سفره إلى بلغاريا حيث يقيم صهره، ولكونه حاصلاً على تأشيرة دخول إلى دول الاتحاد الأوروبي.
وقد بدأ هذا المسار بإقناع دبور أن التسوية مفيدة، وأنها تجنّب البلاد أزمة مع رام الله. لكن ما الذي يمنع سلام غداً من أن يقتنع أن مصلحة الدولة العليا تقتضي تجاوز القانون والتدخل في الملاحقات، وتعطيل تنفيذ الأحكام القضائية.. والمسألة تزداد خطورة عندما يكون النائب العام التمييزي أحمد رامي الحاج موافقاً على هذا المسار أو مُسهِّلاً لتنفيذه. فالنيابة العامة مؤتمنة على تطبيق القانون وتلاحق من يخالفه، ويُنتظر منها أن تتمسك بحدوده عندما تجنح حسابات رئيس الحكومة السياسية نحو تجاوزه. وإذا انضمت النيابة العامة المكلفة بالسهر على التقيد بتنفيذ القانون إلى التسوية التي تلتفّ عليه، فتكون قد نحرت القضاء بنفسها.
ويقول مصدر حقوقي إن «التوافق بين الحاكم والقاضي لا يُنشئ بحد ذاته مشروعية لاتفاقهما، ولا يمكن الصمت عن هذا التجاوز لكيلا يسهل تكراره». ويضيف أنه «لا يجوز أن تتحوّل مصلحة الدولة العليا إلى عبارة تُغلق النقاش وتُسقط المساءلة وتعزز ديكتاتورية الحاكم. وأخطر ما يمكن أن يصيب الحاكم هو أن يقتنع بأن قدرته على تدبير التسويات تمنحه حق تجاوز القانون، وأن توافقه مع القاضي يكفي لإعفائه من احترام القانون».
فليخرج نواف من منظمة التحرير قبل أن يدخل إلى دولة القانون من باب «لو دامت لغيرك لما آلت إليك».