فاديا منصور – شمال لبنان
لم تعد الأسواق في مخيم نهر البارد شمال لبنان كما كانت في السابق، بعدما تراجعت حركة البيع والشراء بفعل تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية لدى الأهالي. وبين تجار يحاولون الصمود أمام كساد بضائعهم، وشباب يفتقرون إلى فرص العمل، تتفاقم الأزمة الاقتصادية، فيما لا تكفي المساعدات المحدودة لتلبية الاحتياجات الأساسية للعائلات.
تراجع حركة البيع.. بضائع بلا مشترين
يروي النابلسي، بائع الخضار في السوق، حجم التراجع الذي أصاب حركة البيع، قائلًا إن الوضع تغيّر بنسبة تقارب 90 في المئة مقارنة بالسابق، موضحًا: “كنا نبيع عشرة قفاص بقدونس، أما اليوم فنبيع نصف قفص فقط”.
ويشير إلى أن تراجع القدرة الشرائية لدى الأهالي بات ينعكس مباشرة على حركة السوق، في ظل عجز كثير من العائلات عن تأمين قوت يومها، معتبرًا أن البطالة وغياب فرص العمل من أبرز أسباب هذا التدهور.
ولا يختلف المشهد لدى جودة عبد العال، بائع الخضار في السوق، الذي يوضح أن البضائع التي كانت تُباع خلال يوم واحد باتت تحتاج إلى عدة أيام من دون ضمان تصريفها، قائلًا: “سابقًا، كان قفص عرانيس الذرة يُباع خلال يوم واحد، أما اليوم، فعشرة أقفاص قد لا تُباع خلال ثلاثة أو أربعة أيام”.
ويؤكد محمد أبو حيدر، بائع السمك، لمراسلة صدى الشتات أن السوق يشهد ركودًا واضحًا في ظل تراجع إقبال الأهالي على الشراء، مضيفًا أن كثيرين باتوا يقتصرون على شراء الخضار لتأمين احتياجاتهم الغذائية اليومية، بعدما تراجعت قدرتهم على شراء سلع أخرى.
تجار يواجهون الخسائر.. وأعباء المحال تتزايد
لا يقتصر تأثير الأزمة على تراجع المبيعات، بل يمتد إلى قدرة التجار على الاستمرار في أعمالهم، في ظل انخفاض الطلب وتزايد الأعباء المالية.
ويقول أبو علاء السبعين، صاحب محل لبيع السمك، إن حركة البيع والشراء شبه متوقفة مقارنة بالسنوات السابقة، التي كانت تشهد نشاطًا أكبر نتيجة قدرة الأهالي على العمل خارج المخيم وتأمين مصاريفهم.
ويضيف أن التجار باتوا يواجهون صعوبة حتى في تأمين إيجارات محالهم، مشيرًا إلى أنه اشترى الاسماك وجهّزها للبيع، لكنه لم يجد من يشتريها، رغم انخفاض أسعار الدجاج والسمك.
ويحذّر من أن استمرار الوضع على حاله سيؤدي إلى مزيد من التدهور، في ظل غياب القدرة الشرائية التي تشكّل أساس استمرار النشاط التجاري داخل المخيم.
البطالة تحاصر الشباب وتفاقم الفقر
تُعد البطالة من أبرز العوامل التي يربط الأهالي بينها وبين تراجع النشاط الاقتصادي، إذ يؤدي غياب فرص العمل إلى تراجع دخل الأسر وانخفاض قدرتها على الإنفاق، ما ينعكس بدوره على التجار وحركة السوق.
ويقول محيي الدين سعيد، البالغ من العمر 25 عامًا، إنه يجد نفسه بلا عمل في ظل انحسار الفرص المتاحة أمام الشباب، مضيفًا: “الوضع يتراجع يومًا بعد يوم، والله المستعان”.
ويعبّر سعيد عن شعوره بغياب التحرك الكافي من المسؤولين والمرجعيات تجاه معاناة الأهالي، مؤكدًا أن الناس باتت مرهقة من الأوضاع المعيشية الصعبة، في وقت تتقلص فيه فرص الحصول على مصدر دخل ثابت.
من جهته، يقدّر النابلسي أن نسبة البطالة في المخيم قد تصل إلى 90 أو 95%، وفق تقديره، مشيرًا إلى أن غياب فرص العمل يدفع كثيرًا من الشباب إلى السفر خارج لبنان بحثًا عن لقمة العيش.
مساعدات محدودة لا تسدّ الاحتياجات
في ظل هذا الواقع، يرى الأهالي أن المساعدات المقدمة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات المعيشية، ولا تشكّل حلًا مستدامًا للأزمة الاقتصادية التي يعيشها المخيم.
ويقول أبو علاء السبعين إن ربطة خبز أسبوعيًا وخمسة كيلوغرامات من الطحين التي توزعها وكالة الأونروا لا تكفي لمعالجة الأزمة، معتبرًا أن هذه الكميات لا تغيّر واقع العائلات التي تحتاج إلى مصادر دخل تتيح لها تأمين احتياجاتها بصورة مستمرة.
بدوره، يشير أبو شكيب، صاحب محل أحذية في السوق، إلى التفاوت في الأوضاع المعيشية بين الأهالي، موضحًا أن كثيرين باتوا عاجزين عن تحمّل الأعباء اليومية، فيما ينتظر بعضهم مساعدة الآخرين لتجاوز ضائقتهم المالية.
ويعبّر أبو شكيب عن استيائه من محدودية التحرك تجاه الأزمة، متسائلًا عن أسباب الصمت أمام ما يعيشه الأهالي من فقر وحاجة، ومؤكدًا أن المساعدات المحدودة لا ينبغي أن تكون بديلًا عن معالجة أسباب التدهور المعيشي.
أزمة تتجاوز السوق إلى حياة الأهالي
يكشف الركود الذي تشهده أسواق مخيم نهر البارد عن أزمة اقتصادية واجتماعية تتجاوز خسائر التجار، لتطال مختلف جوانب حياة الأهالي، من تأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية إلى البحث عن فرص العمل ومصادر الدخل.
وبين بضائع تنتظر المشترين، ومحال تكافح لتغطية نفقاتها، وشباب يفتقرون إلى فرص العمل، تتواصل دائرة الأزمة التي تربط البطالة بتراجع القدرة الشرائية، وتنعكس آثارها على مختلف القطاعات داخل المخيم.
وفي ظل هذا الواقع، يطالب الأهالي بإيجاد حلول جدية ومستدامة تفتح المجال أمام فرص العمل وتدعم النشاط الاقتصادي، إلى جانب إعادة المساعدات التي كانت تقدمها وكالة الأونروا، ولا سيما مساعدات الشؤون الاجتماعية والمساعدات النقدية بقيمة 50 دولارًا للأطفال وكبار السن، بحسب ما أورده الأهالي، بما يسهم في تخفيف الأعباء المعيشية ومساعدتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية.